لا شك في أن مذكرة التفاهم التي توصل إليها الجانبان الإيراني والأمريكي، خلقت شعوراً عاماً بالارتياح في منطقة أنهكتها الحروب المتكررة، وما خلفته من دمار إنساني واقتصادي وسياسي.
لكن هل يعني ذلك أن الحرب انتهت، وأن المنطقة مقبلة على مرحلة جديدة يسودها السلام والاستقرار؟ لا يزال من المبكر جداً الوصول إلى مثل هذا الاستنتاج.
فالمذكرة لا تمثل اتفاقاً نهائياً بين الطرفين، بل تعني عملياً وقفاً للحرب خلال الستين يوماً المقبلة، وفتح مضيق هرمز فوريا أمام الملاحة البحرية، وتعهد إيران بعدم إنتاج سلاح نووي، ووقفاً لإطلاق النار على مختلف الجبهات، بما في ذلك لبنان.
هذا، في جوهره، ما يمكن استخلاصه من المذكرة، بعد ذلك، سيدخل الطرفان في مفاوضات مكثفة، من المؤمل أن تفضي إلى اتفاق نهائي، من دون أي ضمانات بتحقيق ذلك، مع إمكانية تمديد المهلة إذا اقتضت الحاجة.
في المرحلة المقبلة، سيحاول كل من الطرفين تجميل ما تم التوصل إليه، وتوظيفه سياسياً بما يخدم مصالحه.
فالرئيس ترامب يواجه ضغوطاً داخلية، بما في ذلك قاعدته الانتخابية، التي ترى أن الحرب لم تكن ضرورية، وأنها لم تحقق نصراً عسكرياً أو سياسياً حاسماً، كما أنها لم تؤد إلى تغيير النظام الإيراني، ولذلك، فهو يسعى إلى الخروج من الحرب بأقل الخسائر السياسية الممكنة.
أما إيران، فقد تعرضت لإضعاف عسكري كبير، وهي بحاجة إلى التقاط أنفاسها وإعادة بناء قدراتها التقليدية من صواريخ باليستية وطائرات مسيرة أثبتت فاعليتها خلال الحرب.
ويحاول الطرفان تصوير ما جرى على أنه انتصار ساحق لكل منهما، بينما الحقيقة أن كليهما تكبد خسائر كبيرة، ولا يمكن الحديث عن منتصر ومهزوم بصورة واضحة.
تاريخ المنطقة مع المفاوضات معروف، ففترة الشهرين ليست كافية لمعالجة الملفات العالقة كافة.
وقد احتاجت إدارة أوباما أكثر من عامين للتوصل إلى الاتفاق النووي، كما أن كثيراً من القضايا الجوهرية لم تُحسم بعد.
فمضيق هرمز كان مفتوحاً أصلاً قبل الحرب، وإيران تؤكد منذ عقود أنها لا تسعى إلى امتلاك سلاح نووي، بل إنها اكتشفت خلال الحرب أن التلويح بإغلاق المضيق قد يكون أداة ضغط أكثر فاعلية من التهديد بإنتاج قنبلة نووية، كذلك، لم تتناول المذكرة ملف الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة الإيرانية.
ويشير خبراء عدة إلى أن إيران قد تتمكن من إعادة بناء قدراتها في هذا المجال، خلال فترة لا تتجاوز عامين.
والسؤال هنا: هل ستسمح الولايات المتحدة بذلك؟يمثل لبنان الحلقة الأضعف في هذه المعادلة، فإسرائيل، بمختلف تياراتها السياسية، ليست راضية عن الاتفاق، ويواجه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو هجوماً متصاعداً من المعارضة التي تتهمه بالفشل في توفير الأمن لإسرائيل، بعدما قدم نفسه بوصفه الضامن الوحيد لذلك.
ورغم أن نتنياهو قد يضطر مؤقتاً إلى الرضوخ للضغوط الأمريكية وقبول الاتفاق شكلياً، فإنه سيسعى، كما فعل في غزة، إلى إيجاد الذرائع التي تسمح باستئناف العمليات العسكرية في لبنان، حتى تحت حجج واهية.
فلا يوجد وقف حقيقي لإطلاق النار في غزة، ومن غير المرجح أن يتحقق ذلك في لبنان، خصوصاً في ظل استمرار الوجود الإسرائيلي في جنوب لبنان ورفض إسرائيل الانسحاب منه.
ويبقى السؤال الأكبر متعلقاً بمصير وكلاء إيران في المنطقة، فقد اختارت إدارة أوباما إبعاد هذا الملف عن المفاوضات النووية، لتسهيل التوصل إلى اتفاق، فهل ستدرج إدارة ترامب هذا الملف، الذي يهم المنطقة بأسرها، ضمن المفاوضات، أم ستقبل باستبعاده؟ ينبغي أن لا ننسى أن إيران تعتبر حلفاءها الإقليميين جزءاً أساسياً من استراتيجيتها الدفاعية، وأن التخلي عنهم ليس بالأمر السهل، وحتى لو أفرجت الولايات المتحدة عن الأموال الإيرانية المجمدة، فهل ستستطيع منع طهران من توجيه جزء منها إلى حلفائها؟ وهل ستتمكن من منعها من الاستمرار في التأثير عليهم وتوجيه سياساتهم؟ هذه الأسئلة وغيرها تشكل عقبات حقيقية أمام التوصل إلى اتفاق دائم.
ولذلك، من الحكمة عدم الانجرار وراء التصريحات المتفائلة، التي تصدر عن الطرفين، وانتظار ما ستسفر عنه المفاوضات قبل استخلاص استنتاجات نهائية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك