أول أمس، تم التوقيع على مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران عن بعد، فجاء زمن التوقيع خاليا من أي دلالة سيميائية سواء من حيث الزمن أو المكان، اللهم ما كان من حرص الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على دعم مجموعة السبعة المجتمعة في قصر فرساي في فرنسا.
البيت الأبيض رفع الغطاء عن بنود المذكرة لينطلق بذلك نقاش جدي حول معادلة الربح والخسارة، سواء في بعدها التكتيكي أو الاستراتيجي.
الرئيس الأمريكي، الذي كان دائما ينتقد الاتفاق الذي أبرمه الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما، سيكون اليوم أمام تحديات كبيرة، فلم تعد بنود الاتفاق في العتمة حتى يمارس لعبته المفضلة في قلب الحقائق واللعب على مزاج الرأي العام الأمريكي، فقد حوصر بنقاش واسع عنوانه الأبرز أكبر كارثة حلت بالسياسة الخارجية الأمريكية.
نقاش أكثر حدة وتوترا سبقه في إسرائيل، يصور الاتفاق بأنه أكبر خسارة استراتيجية تعرضت لها إسرائيل منذ نشأتها، ولذلك سارعت الحكومة الإسرائيلية للإعلان بأن هذه المذكرة تعني الطرفين الموقعين، وأن تل أبيب ليست طرفا ثالثا معنيا بها، حتى ولو كان من بين بنود الاتفاق وقف إطلاق النار في كل الجبهات، وإقرار سيادة لبنان على جميع أراضيه.
في واقع الأمر، وبالنظر إلى البنود الأربعة عشر، والطريقة التراتبية التي بنيت بها، والقضايا التي تم حسمها، والقضايا التي تم تفويتها لمرحلة مفاوضات الاتفاق النهائي، وذلك بمقارنة مع الأهداف المعلنة من الحرب الإسرائيلية الأمريكية على طهران، يمكن القول بأن واشنطن وتل أبيب كانتا الخاسر الأكبر بالنظر الاستراتيجي، وذلك على الأقل الاعتبارات الآتية، أولها، أن أقصى ما حققتاه من الاتفاق، هو قبول طهران بطريقة ما للتخلص من المواد النووية العالية التخصيب، وهو أمر كان متاحا، بل وتم التوافق عليه، قبل إعلان الحرب في المفاوضات التي رعتها مسقط قبل اندلاع الحرب، إذ قبلت طهران بتخفيف نسبة اليورانيوم المخصب في هذه المواد إلى أقل من 20 في المئة.
الثاني، أن مذكرة التفاهم لم تتضمن مطالب إسرائيلية وأمريكية بوقف البرنامج النووي، ووقف البرنامج الباليستي، وكذا وقف دعم إيران لمحاورها في المنطقة، فقد صرح الرئيس الأمريكي بأنه من غير المنطقي أن تكون لدول المنطقة برامج باليستية وتمنع طهران منها، ولم تنجح واشنطن سوى في تضمين نقطة لا معنى في مذكرة التفاهم تلزم طهران بأنها لن تمتلك سلاحا نوويا، وهو الأمر الذي كانت فيه طهران في عهد علي خامنئي حاسمة بمقتضى ديني، وليس فقط سياسيا أو استراتيجيا.
في المقابل وهذا هو الثالث، لم تستطع واشنطن أن تفرض مجانية المرور بمضيق هرمز إلا في مدى شهرين فقط، إذ أقر الاتفاق إمكانية اللجوء بعد ذلك إلى آلية ترعاها طهران ومسقط وتتوافق عليها دول الخليج تمكن طهران من استخلاص واجبات مقابل خدمات لوجستية على مرور السفن التجارية من المضيق، وهو ما كانت إيران تجعله خطا أحمر لا يمكن التنازل عنه.
الخطوط الحمر لطهران كلها تم تثبيتها بدون استثناء، أولها، وقف الحرب على طهران وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، وذلك بضمانة دولية، وثانيها، عدم عودة مضيق هرمز إلى ما كان عليه قبل الحرب، وثالثها، عدم وقف برنامجها النووي ولا الباليستي، ورابعها، عدم إدخال قضية دعم حلفائها بالمنطقة في الاتفاق، وخامسها، قضية التعويضات عن الحرب، والتي عالجها الاتفاق ضمن نقطتي مساهمة دول المنطقة في إعمار إيران بمبلغ قيمته 300 مليار دولار ثم رفع الحظر عن أصول إيران المجمدة، فضلا عن رفع الحظر عن تصدير النفط الإيراني، ثم ترتيب العلاقة في مفاوضات الاتفاق النهائي، بين آلية ما للتخلص من المواد النووية العالية التخصيب وبين رفع العقوبات جميعها بدون استثناء.
حسابات الربح والخسارة تبين بأن فتح مضيق هرمز كلف واشنطن غاليا، وأنه بالإضافة إلى تقييم واشنطن لقوة الردع الإيرانية، شكل السلاح الأقوى في تعديل موازين القوى.
في واقع الأمر، سيجد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب كيف يعوض – وإن بشكل نسبي- من أثر خسارة واشنطن الاستراتيجية على شعبيته، ففي نهاية المطاف، كل ما ستتحمله واشنطن هو قرارات سياسية مكلفة تتعلق برفع الحظر عن تصدير إيران للنفط ورفع الحظر عن الأصول الإيرانية المجمدة كلها أو بعضها، ورفع العقوبات في حال التواصل إلى اتفاق نهائي بعد شهرين، وخسارة دعم جزء من اللوبي الصهيوني، في حين، ستتكلف دول الخليج بما يتعلق بإعمار إيران بعد الحرب.
الأخطر في حسابات الربح والخسارة، هو تحسن تموقع طهران الاستراتيجي في المنطقة، فدروس الحرب، علمت دول الخليج، أن مقولة حماية واشنطن لأمنها هي مقولة فارغةالأخطر في حسابات الربح والخسارة، هو تحسن تموقع طهران الاستراتيجي في المنطقة، فدروس الحرب، علمت دول الخليج، أن مقولة حماية واشنطن لأمنها هي مقولة فارغة، وأنه في اللحظة التي حصل التحدي، أولت واشنطن الأولوية للأمن الإسرائيلي وتركت دول الخليج عارية، بل إنها تسببت في حرب كارثية على دول المنطقة، ثم في الأخير، جعلت كلفة نهايتها على كاهل دول الخليج، وأنها معنية بشكل جدي في التفكير في خيارات أخرى بديلة لأمنها القومي، وأن إيران ستكون بدون شك جزءا لا يتجزأ منه، إلى جانب دول في المنطقة لا تعادي إيران (تركيا وباكستان على الخصوص).
السؤال الذي يبقى مطروحا اليوم، يتعلق بمستقبل هذا الاتفاق، وهل يمكن له أن يمضي إلى نهايته، وهل بقاء تل أبيب عقدة منشار فيه، يشكل تهديدا له، أم أن عين واشنطن كانت فقط على ترتيب مقايضة فتح مضيق هرمز مقابل رفع الحصار البحري، على أن يتم بعد ذلك رهن مستقبل المذكرة بخلافات حول الاتفاق النهائي، أو طمأنة تل أبيب بأن الاتفاق سيتم بعد شهرين تفخيخه، لتبقى لتل أبيب حرية الحركة في جنوب لبنان؟تقديري، أن السيناريوهات الممكنة كلها تخدم طهران، لأن المعني بالالتزام في قضية إعمار إيران هي دول الخليج، وهي لن تغامر بالتحلل من التزامها، بل إنها ستمضي إلى أبعد منه بإعادة ترتيب منظومة أمنها القومي بشراكة مع إيران، وفي المقابل، فإن عدم تلكؤ واشنطن في موضوع رفع العقوبات عن إيران، ستكون كلفته كبيرة، لأنه بعد ولاية خامنئي، لم يعد هناك شيء مضمون فيما يخص العقيدة النووية الإيرانية، فالأمر في نهاية المطاف يحتاج إلى مجرد فتوى «شرعية».
في تقديري أن أكبر تحدي يواجه هذا الاتفاق هو كيف يمكن ضبط رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
ليس بين يدي ترامب سوى ورقة يتيمة، هي تحريك مسار التفاوض بين بيروت وتل أبيب بعيدا عن طهران، وأن يُبرم اتفاق بين الطرفين يجد به الرئيس الأمريكي ذريعة لتطبيق البند المتعلق بوقف إطلاق النار على كل الجبهات، من غير أن يحقق هدف طهران في دعم حزب الله.
المشكلة، أن هذا المسار مكلف، فبعد إبرام الاتفاق، تحسن الموقع التفاوضي للحكومة اللبنانية، ومن المؤكد أنها لن تقبل بسقف أقل من انسحاب إسرائيلي شامل من لبنان، أما التزامها بنزع سلاح حزب الله، فهذا يحتاج لوقـت لن يستطيع لبنان تأمينه، بينما تربط تل أبيب هذا الشرط الحيوي بالنسبة لأمنها القومي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك