لماذا يستحق النموذج المغربي التأمل؟في عالم عربي تتعثر فيه السياسة بين الاستقطاب الحاد والانقسامات المزمنة، وتتحول فيه الانتخابات أحيانًا إلى مجرد طقوس شكلية أو ساحات للتنازع الذي يهدد وحدة المجتمعات، يطل المغرب كتجربة تستحق التأمل والتقدير.
ليس لأنه بلغ الكمال، فالكمال ليس من صفات الدول ولا من طبائع البشر، ولكن لأنه نجح، إلى حد بعيد، في بناء نموذج سياسي قائم على التدرج والتراكم والاحتكام إلى المؤسسات، نموذج يجعل من الاختلاف مصدرًا للحيوية لا سببًا للقطيعة، ومن التنافس وسيلة لخدمة الوطن لا معبرًا لتدمير الخصوم.
في المغرب لا يدخل المواطن إلى موسم الانتخابات وهو يبحث عن أسماء مجهولة أو وجوه عابرة.
الأحزاب السياسية هناك ليست نباتًا موسميًا ينبت عند كل استحقاق ثم يذبل بعده، بل هي مؤسسات صنعتها عقود من العمل السياسي والتجربة الميدانية والتفاعل مع المجتمع.
أحزاب من اليمين واليسار والوسط، لكل منها رموزه وقياداته وتاريخه وخطابه وجمهوره.
قد يختلف المغاربة حول البرامج والتوجهات، لكنهم يدركون أن الاختلاف جزء من الحياة السياسية السليمة، وأن التنافس الحقيقي لا يكون إلا بين مشاريع معلومة وأطراف معروفة.
وهذا ما يمنح المشهد السياسي المغربي خصوصيته.
فالمتنافسون يتدافعون بقوة داخل الفضاء العام، لكنهم لا يتحولون إلى أعداء وجوديين.
يتناظرون في البرلمان، ويتنافسون في البلديات والجهات، ويحتكمون إلى صناديق الاقتراع، ثم يجتمعون جميعًا تحت سقف الدولة والمصلحة الوطنية.
إنها ثقافة سياسية نادرة في محيط إقليمي دفعت فيه بعض الدول أثمانًا باهظة بسبب غياب التقاليد الديمقراطية وضعف الثقة بين الفاعلين السياسيين.
لا يعني ذلك أن التجربة المغربية خالية من العيوب أو أن مسارها الديمقراطي انتهى إلى غاياته النهائية.
فما زالت هناك تحديات اقتصادية واجتماعية وتنموية، وما زالت هناك أسئلة يطرحها المواطنون والنخب حول جودة التمثيل السياسي وفاعلية المؤسسات.
لكن الإنصاف يقتضي الاعتراف بأن المغرب استطاع أن يراكم خبرة سياسية جعلته يقدم نموذجًا للاستقرار والإصلاح المتدرج في زمن الاضطرابات الكبرى.
ولعل من أبرز ما يميز التجربة المغربية، مقارنة بكثير من التجارب العربية المعاصرة، أنها اختارت في مراحل مفصلية من تاريخها مسار الاحتواء والمصالحة بدل الإقصاء والاستئصال.
ففي الوقت الذي دخلت فيه أنظمة عربية عديدة في مواجهات مفتوحة مع القوميين واليساريين والإسلاميين، انتهى بعضها بالسجون والمنافي والمقابر، سعى المغرب، عبر مسار طويل ومعقد، إلى فتح المجال أمام مختلف التيارات للمشاركة في الحياة العامة ضمن قواعد الدولة ومؤسساتها.
وقد شكلت تجربة الإنصاف والمصالحة محطة فارقة في هذا المسار، ليس لأنها أغلقت كل ملفات الماضي، وإنما لأنها كرست مبدأ الاعتراف بالأخطاء والسعي إلى تجاوزها.
ومن رحم هذا التطور السياسي أمكن لليسار المغربي، الذي كان في مراحل سابقة جزءًا من المعارضة التاريخية، أن يصل إلى قيادة الحكومة في شخص الراحل عبد الرحمن اليوسفي، في تجربة تداول اعتُبرت آنذاك من أبرز محطات الانفتاح السياسي في العالم العربي.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل امتد ليشمل التيار الإسلامي الذي وصل إلى رئاسة الحكومة عبر صناديق الاقتراع في شخص عبد الإله بنكيران، ثم سعد الدين العثماني، في سابقة تؤكد أن الدولة المغربية اختارت إدماج الفاعلين السياسيين المختلفين بدل دفعهم إلى الهامش.
وحتى الجماعات التي بقيت خارج المؤسسات الرسمية، مثل جماعة العدل والإحسان، ظلت تمارس أنشطتها السياسية والفكرية وتصدر بياناتها وتدير شؤونها في المجال العام وتحت أعين الجميع، ضمن حدود القانون وما تسمح به التوازنات السياسية، لا في السراديب المظلمة ولا في المنافي البعيدة.
وربما كان هذا أحد أسرار الاستقرار المغربي؛ فالدولة التي تفسح المجال للاختلاف المنظم، مهما كانت حدته، تكون أقل حاجة إلى إدارة الصراعات بالقوة، وأكثر قدرة على تحويل التنوع السياسي إلى عنصر من عناصر التوازن الوطني.
غير أن الإشادة بالتجربة المغربية لا ينبغي أن تتحول إلى تجاهل لما يعتريها من نواقص أو ما يثار حولها من ملاحظات وانتقادات.
فهناك، بلا شك، أصوات حقوقية وسياسية تتحدث عن تضييقات أو انتهاكات تطول بعض أصحاب الرأي والصحفيين والنشطاء، وهي قضايا لا يصح القفز فوقها أو التقليل من أهميتها.
بل إن قوة أي تجربة سياسية تقاس أيضًا بقدرتها على الإصغاء إلى النقد ومعالجة مواطن الخلل وتوسيع فضاءات الحرية.
وكثير من المغاربة أنفسهم لا ينكرون وجود هذه الإشكالات، بل يعتبرون أن المحافظة على المكتسبات السياسية والمؤسساتية تستوجب مواصلة الإصلاح وتعزيز الضمانات القانونية والحقوقية، حتى يظل التطور الديمقراطي مسارًا متجددًا لا محطة مكتملة.
فالاعتراف بالنقائص لا ينتقص من قيمة الإنجازات، بل يمنحها مصداقية أكبر ويجعل السعي إلى تحسينها واجبًا وطنيًا مستمرًا.
ولعل ما يميز هذا البلد أكثر من غيره أن السياسة فيه ليست منفصلة عن المجتمع.
فخلف الأحزاب والمؤسسات يقف شعب يمتلك رصيدًا هائلًا من التماسك والتضامن والشعور بالانتماء.
وهذا ما ظهر بأجلى صورة خلال المحن والكوارث التي عرفتها المملكة خلال السنوات الأخيرة.
حين ضرب زلزال الحوز مناطق واسعة من البلاد، لم يكن المشهد مجرد استجابة رسمية لكارثة طبيعية، بل كان ملحمة وطنية شارك فيها الجميع.
رأى العالم قرى منكوبة، لكنه رأى أيضًا شعبًا يتحرك كجسد واحد.
مئات القوافل وآلاف المتطوعين ومبادرات لا حصر لها انطلقت من مختلف المدن والجهات نحو المناطق المتضررة.
لم يكن السؤال عن الهوية السياسية أو الاجتماعية للمنكوبين، بل كان السؤال الوحيد: كيف نصل إليهم؟ وكيف نخفف عنهم آلامهم؟وتكرر المشهد ذاته مع الفيضانات والكوارث الطبيعية التي عرفتها بعض المناطق لاحقًا.
ففي كل مرة كان المغاربة يقدمون صورة لافتة عن قوة المجتمع حين يتجاوز الحسابات الضيقة ويستحضر المعنى الأعمق للمواطنة.
لم يكن التضامن فعلًا موسميًا ولا حملة إعلامية عابرة، بل بدا وكأنه جزء أصيل من الشخصية الوطنية المغربية.
وفي زمن اعتادت فيه دول كثيرة أن تتجه فورًا إلى الخارج طلبًا للعون والإسناد، أظهر المغرب ثقة كبيرة في إمكاناته الذاتية وفي قدرته على تعبئة موارده البشرية والمؤسساتية.
ولم يكن ذلك تعبيرًا عن انغلاق أو رفض للتعاون الدولي، بل كان تأكيدًا على أن الأمم القوية هي التي تبني أولًا قدرتها الداخلية على الصمود ومواجهة التحديات.
إن الدرس المغربي لا يكمن فقط في نجاح الانتخابات أو في تداول المسؤوليات الحكومية بين الأحزاب، بل في الجمع بين السياسة والأخلاق.
فحين تتأسس الحياة العامة على الاحترام المتبادل، وحين تصبح المؤسسات إطارًا جامعًا لا ساحةً للصراع المدمر، وحين يشعر المواطن أن له مكانًا في وطنه مهما كان موقعه أو رأيه، فإن السياسة تتحول من مصدر للأزمات إلى أداة للاستقرار والبناء.
ولهذا يمكن القول، ومن دون مواربة، إن المغرب يقدم درسًا يستحق أن يُقرأ جيدًا في زمن عربي مضطرب.
ليس درسًا في الكمال، وإنما في كيفية إدارة الاختلاف، وفي تحويل التنوع السياسي إلى مصدر قوة، وفي بناء الجسور بين الدولة والمجتمع بدل حفر الخنادق بينهما.
وهو درس في السياسة كما هو درس في الأخلاق.
ولعل سر المغرب لا يكمن فقط في مؤسساته أو في حيوية أحزابه، بل في ذلك الخيط الخفي الذي يشد أبناءه بعضهم إلى بعض كلما اشتدت المحن.
هناك دائمًا من يفتح بابه للغريب، ومن يمد يده للمحتاج، ومن يرى في نجدة الآخر نجاةً لنفسه.
وكأن المغاربة يدركون، بفطرتهم الجماعية، أن الأوطان لا يحرسها السلاح وحده ولا تبنيها السياسة وحدها، بل يحفظها أهل الخير حين يتقدمون الصفوف في ساعات العسر.
لذلك كلما تأملت هذه التجربة، السياسية والإنسانية معًا، وجدت صداها في ذلك النداء العميق الذي يسكن الوجدان المغربي: يا ملافي يا ملافي، يا ملاذي عند الشدائد.
فالأوطان تبقى قوية ما دام فيها من يهبّ لنجدة أخيه، وما دام فيها من يجعل من الاختلاف رحمة، ومن التضامن عقيدة، ومن الوطن بيتًا يتسع للجميع.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك