كن إنساناً… قبل فوات الأوانتمر المجتمعات في مراحل تاريخها بلحظات اختبار حقيقية، لا تقاس بمعايير الاقتصاد أو السياسة، بل بميزان واحد لا يتغير: ميزان الإنسانية.
وفي زمننا الراهن، حيث طغت سرعة الإيقاع وسيطرت التقنية على أدق تفاصيل حياتنا، بات هذا الميزان يميل، وبات السؤال ملحاً: هل نحن على موعد مع فقدان أثمن ما نملك؟*تآكل القيم لا يحدث دفعة واحدة*لم تسقط الإنسانية من عليائها في لحظة عابرة.
إنها عملية تآكل صامتة، تبدأ حين نستبدل العون الفعلي بالتعاطف الافتراضي، وحين نحيل فعل الخير إلى قائمة الانتظار تحت ذريعة الانشغال.
تبدأ حين يصبح مرورنا بجوار الوجع أمراً عادياً، وحين تتحول عبارة “ربنا معاه” إلى بديل عن “أنا معك”.
لقد وفرت ثورة الاتصالات وسائل غير مسبوقة للتقارب، لكنها في المقابل خلقت مسافات نفسية غير مرئية.
صار الفرد يرى المأساة عبر شاشة صغيرة، فيعتادها بصره، ويألفها قلبه، حتى يظن أن هناك دائماً “آخر” سيتحمل المسؤولية.
والحقيقة أن ذلك “الآخر” قد يكون هو نفسه.
لا يحتاج المرء إلى كثير بحث ليلمح مظاهر هذا التراجع.
مشهد حادث مروري يتوقف عنده المارة لالتقاط الصور بدلاً من تقديم الإسعاف.
أم تكافح وحدها وأطفالها في وسيلة مواصلات مزدحمة، ولا يجد أحدهم في نفسه القدرة على إفساح مقعد.
جار يرزح تحت وطأة ضائقة، وجاره لا يدري عنه شيئاً رغم تلاصق الجدران.
ومع ذلك، فإن الإنصاف يقتضي القول إن الخير في أمة محمد باقٍ إلى يوم الدين.
فلا تزال النماذج المضيئة حاضرة، تتمثل في ذلك الشاب الذي يقتطع من وقته ليساعد عجوزاً، وتلك الفتاة التي تقتسم رغيفها مع محتاج، وسائق يرفض الأجرة من مريض.
هذه النماذج هي الدليل القاطع على أن جذوة الإنسانية لم تنطفئ بعد.
“كن إنساناً” ليست مجرد عبارة للاستهلاك الأدبي، بل هي وصية حان وقت تفعيلها.
فالعمر أقصر من أن يُهدر في القسوة واللامبالاة، وما سنأخذه معنا في الرحيل الأخير ليس أرصدتنا المادية، بل رصيدنا من المواقف النبيلة، والكلمة الطيبة، واليد الممدودة.
قبل فوات الأوان، آن الأوان لمراجعة الذات.
لنتساءل بصدق: متى كانت آخر مرة بادرنا فيها إلى مساعدة غريب؟ ومتى أنصتنا بقلوبنا قبل آذاننا لشكوى قريب؟ ومتى اخترنا أن نكون بشراً قبل أن نكون منشغلين؟إن مسؤولية إحياء قيم الرحمة والتكافل لا تقع على عاتق المؤسسات وحدها، بل تبدأ من الفرد.
فالمجتمعات لا تنهض بالشعارات، وإنما بسلوك أبنائها اليومي.
لا تحتاج الدنيا إلى أبطال خارقين، بل تحتاج إلى بشر عاديين يأبون إلا أن يظلوا بشراً.
كن إنساناً اليوم، فربما تكون غداً أنت من يحتاج إلى إنسان.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك