أغلقت مئات المدارس السودانية أبوابها في ولايات الخرطوم وسنار والشمالية ومناطق أخرى نتيجة إضراب المعلمين احتجاجاً على عدم تقاضي رواتبهم، لتلحق بمدارس إقليم دارفور وبعض مناطق إقليم كردفان التي توقفت الدراسة فيها قبل ثلاثة أعوام، ليجد التلاميذ أنفسهم مجبرين على عدم العودة إلى مقاعد الدراسة.
لحقت خسائر فادحة بقطاع التعليم السوداني من جراء استمرار الحرب التي طوت عامها الثالث في منتصف إبريل/ نيسان الماضي، إذ عجز نحو ثمانية ملايين طفل عن الوصول إلى مقاعد الدراسة بحسب التقارير الأممية، وحولت العديد من المدارس إلى ركام، وسرقت ودُمرت المعامل والأدوات المكتبية، وتحولت مئات المدارس التي نجت من القصف والتخريب إلى مراكز إيواء للنازحين.
في ظل هذا الواقع المزري، يعيش المعلمون أوضاعاً معيشية قاهرة بسبب عدم انتظام صرف الأجور، رغم تآكلها نتيجة انهيار سعر صرف العملة المحلية، ما دفع المئات منهم إلى الدخول في إضراب مفتوح عن العمل، متحدين قرار فتح المدارس في عدد من الولايات، مثل الخرطوم والقضارف والنيل الأبيض وكسلا والولاية الشمالية.
ورغم أن العام الدراسي الجديد وصف بأنه تعويضي، كرر المعلمون رفضهم العودة إلى المدارس، ورهنوا فك إضرابهم بتسوية استحقاقاتهم المالية وتعديل هياكل الأجور، مؤكدين أن ما وصلوا إليه من أزمات نتاج سياسات حكومية متعمدة أوقفت ميزانيات التعليم، ووجهتها إلى الإنفاق على المجهود الحربي، ما أدى إلى عدم صيانة أو تأهيل المدارس، وتدني الأجور، وتوقف العلاوات والبدلات، وعدم طباعة الكتاب المدرسي.
يقول سليمان مبارك، وهو معلم بالمرحلة الابتدائية، لـ" العربي الجديد": " أوقفت الدولة صرف الأجور، وأهملت صيانة المدارس التي تعرضت للتدمير أو التخريب، ولم تشرع في طباعة الكتاب المدرسي، الذي صدرت آخر طبعة منه قبل الحرب، ورغم كل ذلك، قررت فتح المدارس، وتطالب المعلمين بمواصلة العمل.
يعيش المعلمون ظروفاً غاية في السوء منذ اندلاع الحرب، وتقدم معلمون بمئات المذكرات والخطابات إلى وزارة المالية مطالبين بتسريع صرف الأجور، وانتظامها، لكن هذه المطالب العادلة ظلت تقابل بالمماطلة، وتكرار الوعود عبر الحديث عن تشكيل لجان لدراسة الأمر، ما يشير إلى أن الحكومة أسقطت مسؤولية التعليم من حساباتها".
ولجأ آلاف من معلمي المدارس الابتدائية والثانوية السودانية إلى مهن بديلة نتيجة عدم حصولهم على رواتبهم لفترات طويلة، واستخدم آخرون سلاح الإضراب عن العمل إلى حين تحقيق مطالبهم، التي تتمثل في رفع الحد الأدني للأجور، وصرف جميع المتأخرات الخاصة بالرواتب والبدلات والعلاوات والمنح المتراكمة منذ اندلاع الحرب، والالتزام بصرف الرواتب في مدة أقصاها اليوم الخامس من كل شهر، وصرف فروق تعديل الأجور، والتزام الدولة بتمويل التعليم وتوفير احتياجات المدارس، وإيقاف تحميل أولياء الأمور أعباء تسيير العملية التعلمية.
ودعمت لجنة المعلمين السودانية (كيان نقابي) إضراب المعلمين، وأكدت مشروعية مطالبهم، وقالت في بيان نشرته في 9 يونيو/حزيران الحالي: " يواجه المعلمون تدهوراً غير مسبوق في أجورهم وقوتهم الشرائية، حتى أصبحت الرواتب الحالية بعيدة تماماً عن الحد الأدنى لتكاليف المعيشة.
إضراب المعلمين ليس هدفه البحث عن امتيازات أو رفاهية، وإنما هو مطالبة بحق أساسي في أجر يضمن الحد الأدنى من الحياة الكريمة، ويحافظ على استقرار العملية التعليمية، ويمنع انهيار مهنة التعليم، وهجرة الكفاءات.
راتب المعلم يتراوح بين 82 ألفاً و225 ألف جنيه سوداني، (18 إلى 49 دولاراً)، ولم يعد يكفي لتأمين أبسط متطلبات الحياة.
إنصاف المعلم هو الخطوة الأولى لإنقاذ التعليم ومستقبل الأجيال".
وتجاوز إضراب المعلمين أسبوعه الأول في ولايات كسلا والخرطوم والشمالية والنيل الأبيض والنيل والقضارف، وتعرض عدد من المعلمين المضربين لاستدعاءات أمنية، فضلاً عن عمليات نقل تعسفي إلى مناطق نائية، مثل ما جرى في ولاية النيل الأبيض، التي شرعت في توزيع المعملين الذين شاركوا في الإضراب على مناطق بعيدة عن أماكن سكنهم.
وتقول إحدى المعلمات اللواتي شملهن النقل التعسفي لـ" العربي الجديد": " راتب المعلم الشهري لا يكفي احتياجاته المعيشية خمسة أيام، ورغم ذلك هو مطالب بالذهاب إلى المدرسة، والعمل يومياً كأنه غير مسؤول عن أسرة.
الدولة التي استطاعت الإنفاق على الحرب أكثر من ثلاث سنوات عاجزة عن توفير أجور المعلمين، وتتعامل معهم عبر الحلول الأمنية، والنقل التعسفي".
وتابعت المعلمة التي طلبت عدم الكشف عن هويتها: " أصبحت البيئة المدرسية طاردة، ولا يمكن وصفها بأنها بيئة للتعليم وتربية الأجيال، والأطفال ثيابهم ممزقة، وبعضهم حفاة، ويجلسون داخل فصول متصدعة على الأرض لعدم وجود مقاعد، ولا يملكون الكتب المدرسية لأنها لم تطبع منذ أكثر من ثلاث سنوات، والمعلمون جوعى، والدولة لا تعطيهم أجورهم بانتظام، رغم أن الرواتب أصبحت هزيلة للغاية، وفقدت قيمتها الشرائية، وعندما لجأ المعلمون إلى الإضراب بوصفه حقاً مكفولاً بالقانون، تعرضوا للاستدعاء الأمني، والتهديد، والنقل التعسفي إلى مناطق نائية".
ويقول المتحدث باسم لجنة المعلمين السودانيين (كيان نقابي) سامي الباقر لـ" العربي الجديد": " المدارس لم تجرَ صيانتها منذ سنوات، ولا توجد في غالبيتها مرافق صرف صحي، ولا تملك مقاعد للتلاميذ، وهنالك مدارس ليس لديها سور خارجي.
الدولة رفعت يدها تماماً عن التعليم، وتركت العبء على عاتق أولياء الأمور، ولا توجد ميزانية مالية حالياً للتعليم، وبالأساس لم يكن أحد يعرف كم هي ميزانية التعليم في السودان".
ويوضح الباقر: " هناك أكثر من خمسة آلاف مدرسة في ولايات وسط السودان كانت تحتاج إلى صيانة وتأهيل قبل بداية العام الدراسي، وهناك مدارس كانت تستخدم مراكز إيواء، ولم يعَد تأهيلها، وهي خطرة على سلامة التلاميذ بشكلها الحالي.
الحكومة قررت زيادة رواتب بعض القطاعات من منسوبي الأجهزة الأمنية والعسكرية، لكنها لم تتحرك في قضية المعلمين الذين أصبحوا حالياً من أفقر شرائح المجتمع".
ويضيف: " قوبل إعلان إضراب المعلمين بتجاوب كبير في الولايات التي يسيطر عليها الجيش السوداني، وبقية معلمي الولايات الذين لم يشاركوا في الإضراب يرتبون أنفسهم حالياً للمشاركة حتى تتوحد كلمة المعلمين على مستوى البلاد من أجل استرداد حقوقهم".
شهدت مدارس ولاية الجزيرة، التي خضعت لسيطرة قوات الدعم السريع لأكثر من عام، تدهوراً كبيراً في بنيتها التحتية، وتعرضت للتدمير أو السرقة، ولم تجرَ عمليات الصيانة لعشرات المدارس في الولاية التي تعتبر الأعلى كثافة سكانية بعد العاصمة الخرطوم.
رغم ذلك، قررت الحكومة المحلية بدء العام الدراسي في 14 يونيو/حزيران الجاري.
وواجه معلمو الجزيرة تهديدات من قبل السلطات بعد توافقهم على الإضراب عن العمل احتجاجاً على تأخير استحقاقاتهم المالية، والتي يعود بعضها إلى عام 2023.
تقول إحدى معلمات الولاية، التي فضلت حجب اسمها، لـ" العربي الجديد"، إن" مسؤول التعليم في الولاية هدد المعلمين باستبدالهم بمجندين سوف يعملون من دون مقابل في المدارس حال إضرابهم، وإن عدداً من المعلمين تعرضوا لمضايقات أمنية، ومحاولات ترهيب بغرض كسر وحدة المعلمين الذين توافقوا على الإضراب العام".
وأضافت: " رفع المعلمون مذكرة إلى السلطات الحكومية مطالبين بدفع استحقاقاتهم المالية، لكن لم يلتفت إليهم أحد رغم الظروف المعيشية القاهرة التي يواجهونها، فبعضهم لا يملك قوت يومه، ولهذا كان الإضراب هو آخر الوسائل القانونية المتاحة".
ويبرر مسؤول في وزارة التربية والتعليم بالولاية عدم صيانة المدارس والعجز عن دفع استحقاقات المعلمين بعدم توفر المقدرة المالية لدى حكومة الولاية التي أصبحت مسؤولة عن تصريف أمور التعليم نيابة عن وزارة المالية الاتحادية.
وقال المسؤول الحكومي الذي طلب عدم الكشف عن هويته لـ" العربي الجديد": " ميزانية الولاية ضعيفة للغاية، ولا يمكنها أن تعالج قضايا التعليم في الوقت الحالي"، مستبعداً الرد على مطالب المعلمين التي رفعوها إلى الحكومة بخصوص استحقاقاتهم المالية.
وتخلت الحكومة المركزية في الخرطوم عن مسؤولياتها تجاه المدارس في ولايات إقليم دافور الخمسة، وأجزاء من إقليم كردفان، ما أدى إلى إغلاق مئات المدارس وتشريد طلابها.
من دارفور، يقول المعلم بالمرحلة الثانوية آدم يعقوب لـ" العربي الجديد": " هناك مدارس أغلقت بسبب إضراب المعلمين في عدد من الولايات التي يسيطر عليها الجيش، لأنهم لم يحصلوا على أجورهم ومطالب أخرى.
الوضع أخطر في إقليم دارفور الذي توجد فيه أكثر من ثلاثة آلاف مدرسة، إذ تخلت الحكومة المركزية عنها نهائياً، ولا تفكر حتى في إعادة فتحها، كما لم ترسل الأجور الشهرية إلا لعدد قليل من المعلمين في مناطق محددة، ما دفع آلاف المعلمين إلى ترك مهنة التدريس، واللجوء إلى مهن بديلة، بعضها هامشية ولا تتناسب مع وضع المعلم ولا عمره وسنوات خبرته، لكن المعلم مجبر على توفير الطعام لعائلته، فالبعض يعملون في إنتاج الفحم، والبعض يشتغلون حمالين في الأسواق".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك