ساعاتٍ بعد أن دوّى، عصريّة الأحد الماضي، في مواقع التواصل، نبأ سحب جنسيّة الكاتب الكويتي طالب الرفاعي من بين 2193 كويتياً، في مراسيم أميرية، تلقّت شباك منتخب تونس، في مباراته في المونديال مع منتخب السويد، تسديدةً متقنةً من اللاعب التونسي، السويدي النشأة والجنسية، ياسين العيّاري، فكان الهدف الأول من بين خمسةٍ للسويد، سدّد الأخيرَ منها العيّاري نفسُه، الذي ينتمي إلى البلد الذي يحمل جنسيّته، ويقيم فيه، ويلعب في منتخبه.
ولا يمكن أن يطرأ على باله أن سويديّتَه سيجري المساسُ بها، ولهذا سرعان ما زال التحسّس الذي استشعره وهو يحقّق الهدف الأول في مرمى بلده الأم، عندما ابتهج بهدفه الثاني.
ساعاتٍ قبل أن دوّى ذلك النبأ، كان النيجيري الأصل، الأميركي الجنسية، اللاعب في منتخب الولايات المتحدة، فولارين بالاغوين، قد ضرب شباك منتخب باراغواي بهدفيْن، وهو المولود في نيويورك لأبويْن مهاجرين.
حاله، كما السويدي تونسي المنبت، ياسين العيّاري، ليس كما نحو 80 ألفاً، بينهم متوفّون وأبناءٌ وأحفادٌ وزوجاتٌ، نُزعت منهم جنسيّتهم الكويتية، في عاميْن، يبدو منهم صاحبُنا طالب الرفاعي محظوظاً، لأنه واسع الشهرة روائياً ومثقفاً نشطاً، ومخلصاً في خدمته بلده الكويت، فأصابت واقعة نزع جنسيّته طيفاً عريضاً من المثقفين العرب بالذهول والصدمة.
وفيما يُلتقط هذا النبأ، ونحن في غضون كأس العالم، يأتي إلى الخواطر أن لاعبيْن كويتييْن بارزيْن في كرة القدم نُزعت منهم جنسيّتهم في المراسيم المتواترة، اثنان منهم (عبد النبي حافظ ونواف الخالدي) كانا حارسي مرمى المنتخب الوطني في مباريات دولية، أي من حُماة الكويت في المستطيلات الخضراء، كما زميلان لهما (حسين علي حاكم وصالح الشيخ الهندي) من أصحاب الكفاءة العالية في اللعبة، أحدهما كان" كابتن" المنتخب.
غداة إشهار المرسوم الأميري في الكويت، والذي أوْدى بجنسيّة طالب الرفاعي ورفاقه، كان منتخبا فرنسا والسنغال يتواجهان في ملعبٍ أميركيٍّ في المونديال.
ومع رداءة عنصريةٍ ركيكةٍ في قول معلقٍ رياضيٍّ فرنسيٍّ إن المباراة كانت بين فريقيْن أفريقييْن، في إشارةٍ إلى غلبة اللاعبين الفرنسيين السُّمر من أصول أفريقية، تستوقف النظّارة، من طينتنا نحن العرب، الحدود المُلغاة بين الهويات المركّبة والمواطنيّة التي تجعل هذا الأمر شديد العادية في فرنسا (وغيرها)، فالكاميروني الأصل من أم جزائرية، كيليان مبابي، يسجّل هدفيْن لبلده فرنسا في مرمى السنغال.
لم نر ما يُدهش، طالما أن الألماني الأرومة دونالد ترامب رئيس للولايات المتحدة، ويخلف في ولايته الأولى نجل مهاجر كيني، اسمه باراك حسين أوباما.
وطالما أن هدفي ياسين العيّاري ليسا جديديْن في المنطق نفسه، ففي ملعب الجنوب في الوكرة في قطر، سجّل السويسري الجنسية الكاميروني الأصل بريل إيمبولو هدفاً في مرمى بلده الأم، في مونديال 2022.
تُساق هذه الأمثلة هنا في معرض التحديق في القرارات الكويتية العليا المتتالية بسحب جنسيّات مواطنين في بلدهم الذي أعطوه وأعطاهم، قبل وبعد أن أخبرنا وزير الداخلية (النائب الأول لرئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع رئيس اللجنة العليا لتحقيق الجنسية)، فهد اليوسف الصباح، إنّ الكويت" كانت مُختطَفة من جنسياتٍ مختلفةٍ دخيلة".
تُساق في معرض أسفٍ يتوازى مع قلق مسوّغٍ من الحماس الرسمي لهذه الإجراءات التي تخضع بموجبها كل الكويت للتدقيق، على ما قال الوزير.
ومع التسليم بأنها إجراءاتٌ سيادية، إلا أن صفتها هذه تُجيز الخشية من تأثيراتها، البالغة السلبيّة، اجتماعياً وثقافياً واقتصادياً، في منطقة الخليج، وفي الكويت نفسها التي تحسُن إحالةٌ هنا إلى حضورٍ لقضية معدمي الجنسية (البدون) في نصوصٍ روائيةٍ يكتبها كويتيون وتصدُر هناك، منها" باقي الوشم" (2022) لكاتبها عبدالله الحسيني، والتي انشغلت بمقاومة" القهر والعجز والفشل والاستلاب، ومقاومة الهامش والرواية الرسمية".
ويتشابه أمرُها هذا مع رواية بثينة العيسى" السندباد الأعمى.
" (2021)، التي اقتربت من المسألة بشجاعةٍ ظاهرة، وجعلت المسألة الطائفيّة في مشاغلها أيضاً، وكان من شخصيّاتها عسكريٌّ من البدون ينتسب إلى المقاومة لتحرير الكويت إبّان الغزو العراقي.
باعثُ هذه المقالة محبّة الكويت التي بلا حدود، ذلك أنه مؤسفٌ أن نرى في ملاعب المونديال مسألة الهويات المركّبة تُزيحها عن البال المواطنيّة المؤكّدة، فيما طالب الرفاعي وعشراتُ آلافٍ مثله تُنتزع منهم كويتيتّهم الواضحة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك