حين يتحوّل بيان رسمي لوزارة الداخلية إلى مرآة تعكس انهيار الضمير الوطني، فاعلم أن الكارثة قد وقعت فعلاً، وأن ما نعيشه ليس مجرّد حادثة، بل عَرَض لمرض أعمق.
قبل أيام، استيقظ التونسيون على" فيديو" لا يشبه الكوابيس لأنه ببساطة يتجاوزها: امرأة أفريقية حامل، تُسحل من منزلها وتُغتصب جماعيّاً أمام زوجها وطفلها، ثم يُشوّه وجهها بوحشيةٍ لا تليق إلا بعصور الانحطاط الأخلاقي.
رجل يحاول حمايتها فيُضرب بالسلاح، وطفل يشاهد أمه تُنتهك، ووجوه المعتدين خالية من أي تردّد، وكأنهم يؤدّون" واجباً" لا جريمة.
هذه المشاهد، التي هزّت كل من لا يزال يمتلك ذرّة من إنسانية، كان يمكن أن تكون لحظة يقظة وطنية، لحظة يقول فيها كل تونسي: كفى.
لكن ما حدث كان العكس تماماً.
فبدل أن يخرج بيان" الداخلية" ليدين الجريمة ويحتضن الضحايا ويسمي الأشياء بأسمائها، خرج نصٌّ بارد، ملتبس، مشغول بتفنيد" توقيت النشر" و" القارّات التي خرج منها الفيديو"، وكأن المشكلة ليست في اغتصاب امرأة حامل، بل في من سرّب الخبر ولماذا الآن.
والأخطر أن البيان كشف بتفصيلة أربكت المشهد وأعمقته: الجريمة لم تقع اليوم، بل قبل خمس سنوات، لكن الزمن لا يمحو الوحشية ولا يمنح البراءة للمجرمين، فالاعتداء على الكرامة الإنسانية لا يبلى، والاعتراف به اليوم ليس منّة من الدولة، بل استحقاق متأخر.
فإذا كانت هذه الفظاعة قد ارتُكبت قبل أن يخرج خطاب الكراهية الرسمي إلى العلن، وقبل أن تُلقن الجماهير يومياً أن المهاجرين" جحافل" و" ترتيب إجرامي"، فماذا كان كامناً في الظل؟ لا يبرّئ قدم الجريمة السياق، بل يفضح أن الداء كان متجذراً في الأعماق، وأن الخطاب السياسي الذي انفجر لاحقاً لم يخترع العنصرية من فراغ، بل جاء ليمنحها غطاء المنبر، ويحوّلها من داء خفي إلى ثقافةٍ علنيةٍ يُحتفى بها في البرلمان وعلى الشاشات.
بدل أن يخرج بيان" الداخلية" ليدين الجريمة ويحتضن الضحايا ويسمي الأشياء بأسمائها، خرج نصٌّ بارد، ملتبس، مشغول بتفنيد" توقيت النشر" و" القارّات التي خرج منها الفيديو"هكذا، ومن أول استجابة رسمية، تأكد لنا أن بيان" الداخلية" لم يكن توثيقاً لجريمة قديمة، بل كان كشفاً متأخّراً عن جذور كارثة ما تزال تتفاقم.
وقبل إصداره كانت هناك محاولة موازية لدفن الجريمة قبل أن تبصر النور، فبمجرّد انتشار الفيديو، انهالت صفحات مأجورة وجيوش إلكترونية موالية للسلطة بادّعاء واحد جاهز: المشاهد" مفبركة" ومولّدة بالذكاء الاصطناعي.
امرأة تُغتصب، ووجه يُشوّه، ، لكن آلة الدعاية قرّرت أن هذا كله" تزييف رقمي"، فأنكرت الجريمة جملة وتفصيلاً.
ولم يلبث هذا الإنكار أن تحوّل إلى سلاح سياسي: رُبط توقيت نشر الفيديو فوراً بالأحكام القاسية الصادرة ضد قيادات حركة النهضة، وفي مقدّمتها حكم المؤبد على راشد الغنوشي في قضية" الجهاز السرّي".
سُرّبت الرواية سريعاً: المعارضة في الخارج هي وراء التسريب لتشويه البلاد وضرب استقرارها.
وحين اعترفت" الداخلية" رسميّاً بالجريمة، لم تتوقّف هذه الآلة، بل غيّرت زاويتها بسلاسة: انتقلت فوراً من إنكار الفيديو إلى التشكيك في" دلالات التوقيت".
إذا كان الجناة صوروا فعلتهم منذ سنوات، فلماذا يخرج الفيديو الآن؟ ومن المستفيد من هذا التزامن؟ هكذا، بدل أن يتحول الاعتراف الرسمي إلى لحظة محاسبة، تحول إلى وقود جديد لنظرية المؤامرة.
الجريمة لم تعد مشكلة، المشكلة هي" الجهة التي تختبئ وراء التسريب".
الضحية اختفت، وحل محلها سؤال الأجندات والتوقيت، في انزياح خطير لا يترك للضمير مساحة ليشعر بالصدمة مما حدث فعلاً.
لكن هذه الآلة الدعائية، بإنكارها تارة وبتحويلها الجريمة إلى لعبة توقيت سياسي تارة أخرى، لم تكن لتشتغل بهذه الفعالية لولا أن ثمّة تربة خصبة سُقيت طويلاً بالتحريض.
فما جرى في ذلك المنزل لم يكن معزولاً عن مناخ عام صُنع بعناية، مناخ حوّل المهاجر الأفريقي إلى كائنٍ لا يستحق الحماية، بل صار وجوده نفسه تهمة.
وهذا المناخ لم يهبط من فراغ، بل بُني خطوة خطوة، ومن أعلى منابر الدولة، إلى أن تحوّل إلى رخصة قتل معنوي.
لفهم كيف وصلنا إلى هنا، علينا أن نعود إلى اللحظة التي انطلقت فيها الشرارة الأولى: في 21 فبراير/ شباط 2023، وقف رئيس الجمهورية قيس سعيد ليطلق توصيفاً لم يخطر ببال كثيرين أن يتحوّل لاحقاً إلى رخصة قتل معنوي.
قالها بوضوح لا لبس فيه: هناك" ترتيب إجرامي تم إعداده منذ مطلع هذا القرن لتغيير التركيبة الديمغرافية لتونس".
وأضاف مستنكراً ما وصفه بتدفق" جحافل المهاجرين غير النظاميين" القادمين من دول أفريقيا جنوب الصحراء، مؤكّداً أن هذه الظاهرة لا تجلب معها غير" العنف والجرائم".
في هذه الكلمات القليلة، زرع الرجل قنبلة سردية قابلة للتفجير في أي لحظة.
إنه لم يتحدث عن إدارة حدود أو ضبط تدفقات بشرية، بل اختار لغة المؤامرة الكونية، اللغة التي تخلق" غزاة" وهميين، وتوحي بأن وجودهم نفسه هو اعتداء على كينونة البلاد.
هذا التوصيف الرئاسي لـ" الجحافل"، كما أطلق عليها، لم يكن حياديّاً ولا بريئاً.
فحين تختار أعلى سلطة في الدولة مفردة عسكرية من قاموس الاجتياح والاكتساح لوصف بشر هاربين من الموت والجوع، فإنها تعلن عمليّاً حالة طوارئ هوياتية، وتصنع عدواً جاهزاً للاستهداف.
لقد صُوِّر الأفارقة هنا لا ضحايا لنزاعات وحروب وفقر مزمن، بل أدوات طيّعة في" مخطط" يحاك منذ عقود، وكأنهم جنود في جيش احتلال صامت.
وبما أنهم" مصدر عنف وجرائم" وفق الرؤية الرئاسية، فإن كل من يتعامل معهم بقسوةٍ قد يجد في قرارة نفسه تبريراً مسبقاً: نحن لا نعتدي على بشر، بل نصد" غزوة" مدبرة.
ظهر شاعر تونسي ليدعو صراحة إلى تسميم الأمهات الأفريقيات وأطفالهن، في قفزة من طور" الخوف الديمغرافي" إلى طور" الإبادة بالسم"لم تتأخّر بقية أركان المنظومة عن الالتحاق بركب هذا التصوّر المشؤوم، بل ذهب بعضهم إلى مناطق أكثر بذاءة وتجسيداً للكراهية.
مثلاً، خرجت النائبة فاطمة المسدي لتعلن أن" معدل خصوبة المهاجرات من جنوب الصحراء يتجاوز ثلاث مرّات معدّل الخصوبة عند التونسيات"، محذّرة من" تغير جذري للتركيبة السكانية".
ورسمت سيناريوهات بالأرقام: " التوقعات في صفاقس وحدها تفيد بأن المهاجرين سيمثلون 5% من السكان خلال عشر سنوات، و18% عام 2040".
و" الكلفة الاقتصادية للمهاجرين من أكل وإيواء تقدر بنحو 70 مليون دينار سنوياً (24 مليون دولار).
هكذا صار المهاجر، في هذه السردية، ليس فقط" متآمراً" كما صوّره الرئيس، بل" معادلة رقمية خطيرة": أرحام نسائه قنابل موقوتة، وأفواه أطفاله ثقوب تبتلع المال العام.
ولكن هذه الأرقام لا تصمد أمام أي تدقيق جاد، فنسب المهاجرين في تونس، حتى في أعلى تقديرات تبقى هامشية للغاية، قياساً إلى إجمالي السكان، والحديث عن" 18% في صفاقس" مجرّد إسقاطات هشّة تتجاهل حركة العبور والمغادرة والترحيل.
أما" الـ70 مليون دينار" فتُقدَّم تكلفةً على الدولة، في وقتٍ لا يحصل فيه هؤلاء المهاجرون على أي دعم حكومي يُذكر، ويعيشون مشرّدين على الأرصفة فريسة للاستغلال، إنها أرقام وظيفتها الوحيدة شحن النفوس وتجريد البشر من آدميتهم، وتحويلهم إلى عبء وخطر وجودي في المخيال الشعبي.
ولم يقف الأمر عند هذا الحد، فقد ظهر شاعر تونسي ليدعو صراحة إلى تسميم الأمهات الأفريقيات وأطفالهن، في قفزة من طور" الخوف الديمغرافي" إلى طور" الإبادة بالسم".
وهذا ليس مجرّد تعبير عن كراهية، بل تحريض مباشر على القتل الجماعي، يستهدف تحديداً النساء والصغار.
وفي الاتجاه نفسه، سخر النائب طارق المهدي متسائلاً عن جدوى اغتصاب الأفريقيات" في وقت عنا تونسيات جميلات".
بهذه" الدعابة"، اكتملت منظومة التبرير: الاغتصاب ليس جريمة مطلقة، بل مسألة ذوق وجنسية، وجسد الأفريقية غنيمة لا قيمة لها، يمكن العبث بها دون أن يضطرب ضمير.
هذه التصريحات، على فظاعتها، وجه ظاهر من بنية أكثر عمقاً وخبثاً، فالحديث عن" المؤامرة الديمغرافية" لم يكن مجرّد شعار انتخابي أو مناورة شعبوية عابرة، بل كان تبريراً أيديولوجياً لمسار سياسي خطير: تحويل تونس إلى دركي حدودي لصالح أوروبا.
وهنا تكمن الحلقة الأكثر قتامة التي تربط الكراهية الداخلية بالتواطؤ الخارجي.
فمنذ يوليو/ تموز 2023، وقع قيس سعيّد اتفاقاً مع الاتحاد الأوروبي، تحوّلت تونس بموجبه فعلياً إلى" حارس متقدّم" للحدود الأوروبية في جنوب المتوسّط.
في العلن، صوّر الرجل الصفقة انتصاراً للسيادة الوطنية ورفضاً للإملاءات.
وفي الجوهر، قبلت رئاسته تلقّي أموال ومساعدات مقابل القيام بدور" الشرطي" الذي يمنع قوارب الموت من الرسوّ على الشواطئ الإيطالية.
وقد أحدثت هذه المبادلة القاتلة وضعاً لا إنسانيّاً بامتياز: لم تعد تونس بلد عبور يأمل المهاجرون مغادرته سريعاً، ولا بلد استقرار يُعاملون فيه بحد أدنى من الكرامة، بل تحوّل إلى سجن كبير مفتوح على العراء.
أرادت السلطة شيئاً واحداً: ألا يبقى للمهاجر صوت ولا مدافع ولا شاهدلم يقدّم الاتفاق الأوروبي حلّاً لقضية الهجرة، بل نقل الأزمة جغرافيّاً نحو الجنوب، وأوكل مهمّة إدارة البؤس البشري إلى نظام لم يعد يخفي عداءه العلني لهؤلاء البائسين.
ولم يكتف قيس سعيّد بحبس المهاجرين في الداخل ومنعهم من الإبحار، بل مارس عليهم أقسى أنواع المراوغة الإنسانية.
ففي العلن، كان يظهر أمام الملأ متباهياً بما يسمّيه" برنامج العودة الطوعية"، في مشهد يوحي بأن الدولة تضطلع بمسؤولياتها وتفتح مخرجاً قانونيّاً لمن يريد المغادرة.
ولكن الحقيقة التي فضحها الحقوقيون كانت عكس هذا الخطاب المخاتل تماماً، فمصطلح" العودة الطوعية" نفسه ملتبس ومضلّل، لأنه يتجاهل سؤالاً جوهريّاً: كيف تكون العودة" طوْعية" و" اختيارية" في غياب أي ضمانات فعلية تحمي الحقوق الأساسية لهؤلاء المهاجرين؟إنهم محتجزون في العراء، بلا مأوى ولا أوراق ولا حماية قانونية، مطاردون في الشوارع، مهدّدون بالعنف المجتمعي والكراهية الرسمية.
في هذه الظروف القسرية، لا وجود لـ" طوعية" حقيقية، بل هي عملية ترحيل قسري، تُمارس تحت غطاء لفظي ناعم.
هكذا تحول هؤلاء البشر إلى وقود دائم لخطابه، كلما ضاقت السبل بالمواطن، أشير له نحو" المخطّط الإجرامي" القادم من الجنوب، فيتحوّل المهاجر إلى شماعة تعلق عليها كل إخفاقات الدولة.
وهنا المفارقة الأكثر مرارة وإيلاماً في هذا المشهد كله: التونسيون أنفسهم يعرفون معنى الهجرة أكثر من غيرهم.
آلاف التونسيين عبروا البحر وما زالوا يعبرونه، هرباً من البطالة والفقر وانسداد الأفق، بحثاً عن حياة كريمة في أوروبا.
وهم يدركون جيداً معنى أن يترك المرء وطنه مكرهاً، وأن يواجه في بلاد المهجر نظرات الريبة والاحتقار، وأن يُختزل في صورة" المهاجر" أو" العربي" أو" الأفريقي" الذي يهدد الوظائف والهوية.
التونسي الذي يتعرض لمظاهر من العنصرية في شوارع باريس أو روما كيف يقبل أن تُمارس العنصرية نفسها باسمه وعلى أرضه؟ كيف لمن عانى التمييز أن يتحوّل إلى مصدره؟ هذا التناقض الصارخ لا يدل فقط على انهيار أخلاقي، بل على انفصام في الوعي الجمعي، حيث تتحوّل الذاكرة الموجعة إلى نكران للآخر، وحيث تتحوّل الضحية السابقة إلى جلاد جديد.
ولم تبتلع هذه الآلة القمعية المهاجرين وحدهم، فبالتوازي، شنت السلطة حرباً على الحريات العامة: قمع المعارضين، سجن الصحافيين والنقابيين، والأخطر شيطنة الجمعيات الحقوقية بحجّة" تلقي تمويل أجنبي".
كل منظمة تجرأت على إغاثة المهاجرين أو فضح الانتهاكات وُصفت بالخيانة، وتحوّل نشطاؤها إلى متهمين في قضايا" أمن الدولة".
امرأة تُغتصب، ووجه يُشوّه، ، لكن آلة الدعاية قرّرت أن هذا كله" تزييف رقمي"، فأنكرت الجريمة جملة وتفصيلاً.
ولم يلبث هذا الإنكار أن تحوّل إلى سلاح سياسيأرادت السلطة شيئاً واحداً: ألا يبقى للمهاجر صوت ولا مدافع ولا شاهد.
فحين يُسجن من يطعم جائعاً، ويُخوَّن من يواسي خائفاً، تكتمل دائرة" المعتقل المزدوج": معتقل مفتوح للأفارقة في العراء، ومعتقل مغلق لكل من يرفض المشاركة في هذه الوحشية.
ما حدث لتلك المرأة الحامل، التي انتهكت أمام طفلها وزوجها وشوّه وجهها، ليس مجرّد جريمة ضد القانون، بل هو انهيار كامل للحس الإنساني في مجتمعٍ بات يرى في الضعيف عدوّاً وفي المتضامن خائناً.
لم تكن هذه الجريمة حادثة معزولة، بل هي خلاصة مسار كامل بدأ بخطاب رسمي يحول المهاجرين إلى" جحافل" و" ترتيب إجرامي"، ومرّ عبر أرقام مفبركة تزرع الفزع من" الخطر الديمغرافي"، وتغذّى بدعوات علنية للتسميم وسخرية برلمانية من الاغتصاب، وانتهى ببيان داخلي مشغول بتفنيد" توقيت النشر" وصفحات مأجورة تنفي الجريمة ثم تتشكك في دلالاتها.
محاسبة الجناة المباشرين ضرورة لا نقاش فيها، لكنها لن تكفي.
المطلوب محاسبة كل من اخترع" الترتيب الإجرامي" و" الجحافل" من أعلى هرم السلطة، وكل من حوّل المؤسسات إلى منصات للتحريض، وكل من سكت عن هذه السموم وهي تنهش جسد المجتمع.
إن لم نفعل، فلن يكون ضحايا الغد فقط أفارقة، بل كل تونسي سيجد نفسه يوماً في موقع" الجحافل" الجديدة، حين تدير دائرة الكراهية عقاربها نحو الداخل، وحين يصبح كل صوت حر هو" المؤامرة" المقبلة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك