لم يقتصر تأثير فرقة البيتلزعلى الموسيقى والأغاني، بل امتد إلى الثقافة الشعبية والموضة والسينما ومختلف الفنون البصرية.
وكان جون لينون أحد أبرز وجوه هذه الظاهرة، رساماً هاوياً، إلى جانب كونه موسيقياً وكاتب أغانٍ، واتسمت أعماله بطابع يجمع بين العبث والسخرية.
الهواية، التي قد لا يعرفها كثيرون، تضيء جانباً من مسيرة لينون، وهو ما يسعى إليه متحف البيتلز في مدينة ليفربول البريطانية، إذ خصص مساحة دائمة لعرض هذه الرسوم المنسية، التي يعرض بعضها للمرة الأولى على الجمهور.
الأعمال المعروضة أقرب إلى وثائق بصرية منها إلى رسوم ولوحات بالمعنى المعروف للعمل الفنيّ، حيث تعود إلى لحظة تجريبية في تاريخ العلاقة بين الصورة والصوت، قبل أن تتبلور لاحقاً في ما نعرفه اليوم بـ" الفيديو كليب".
وتعود حكاية هذه الرسوم إلى منتصف الستينيات، حين التقى لينون بالفنان وصانع الأفلام الأميركي ستيفن فيرونا في لندن، حيث بدأ الاثنان برسم خربشات عفوية على طاولة، قبل أن تتطور الفكرة إلى مشروع مشترك، إذ ساهم الاثنان في وضع سلسلة من الرسوم، تمثل كلمات أغنية" I Feel Fine"، إحدى أشهر أغنيات الفرقة.
وقد بلغ عدد هذه الرسوم نحو 240 رسماً، جرى ترتيبها لاحقاً لتشكل فيلماً قصيراً متحركاً، يُعرض بالتزامن مع الأغنية.
ويضع باحثون هذا العمل، ضمن المحاولات المبكرة لفكرة" الفيديو كليب"، قبل أن يستقر المصطلح بصيغته المعروفة.
وتبدو الرسوم بصرياً أقرب إلى رسوم كرتونية بسيطة، مشبعة بروح البوب آرت، من حيث اعتمادها على خطوط سريعة وألوان مباشرة.
لكنها، ضمن سياقها، تكشف عن تجربة مبكرة في تحويل النص الغنائي إلى صورة متحركة.
وقد أُنجزت هذه الرسوم خلال ساعات من العمل المتواصل، جرى خلالها تلوينها يدوياً بأقلام الفلوماستر، في أجواء جمعت بين اللعب والعمل، بحسب رواية فيرونا.
لكن، بعد إنجاز العمل، تفرقت الرسوم وبقيت لسنوات خارج التداول العام، وقد بيع جزء منها عام 2000، في مزاد، مقابل أكثر من 58 ألف دولار، قبل أن تتوزع على مقتنين مختلفين، بحسب البيان المصاحب للمعرض.
تعتمد الرسوم على خطوط سريعة وألوان مباشرةأما التحول الأحدث في مصير هذه الأعمال، فقد جاء على يد جامع مقتنيات بريطاني شاب، هو جوزيف روبرت أودونيل، الذي عثر على عدد منها في مزاد بلندن، حيث لم تحظَ بالاهتمام المتوقع.
وإدراكاً لقيمتها التاريخية، اقتناها قبل أن يهديها لاحقاً إلى متحف البيتلز بليفربول.
ولا تمثل الأعمال المعروضة اليوم المجموعة الكاملة، إذ فُقدت أجزاء منها أو توزعت بين مقتنين.
ويضم متحف البيتلز في ليفربول أكثر من ألف قطعة أصلية موزعة على عدة طوابق، تغطي مراحل تطور الفرقة من بداياتها في ليفربول وهامبورغ، وصولاً إلى ذروة شهرتها العالمية.
ولا تبدو تجربة لينون معزولة ضمن هذا السياق؛ إذ نجد أمثلة متعددة على هذا النوع من الأرشيفات، من دفاتر ملاحظات الفنان الأميركي جان ميشيل باسكيات التي تحولت إلى معارض قائمة بذاتها، إلى الاسكتشات التاريخية والرسوم التحضيرية لدى دافنشي وكونستابل، ويوميات آندي وارهول ورسوم ديفيد هوكني الشخصية.
كما يحضر هذا الاهتمام في السياق العربي أيضاً، في دفاتر جبران خليل جبران التي تمزج بين الرسم والكتابة، واسكتشات الفنانة إنجي أفلاطون في السجن، ورسوم المخرج المصري شادي عبد السلام التحضيرية التي اكتسبت لاحقاً قيمة مستقلة.
وتقرأ هذه المواد كأثر أوليّ لعملية الإبداع، خاصة في تحوّل التصوّر المبدئي للعمل الفني، إلى عمل فني قائم بذاته.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك