بين جدران ضيقة تضج بالتاريخ وصيحات الباعة، في قلب الإسكندرية شمالي مصر، لطالما اختصر سوق" زنقة الستات" أحد أقدم وأشهر أسواق المدينة الساحلية الملامح الحقيقية للطبقة الوسطى المصرية، فمن هنا تمر كل العرائس للتزود بمستلزمات الزواج من" الرفائع" والمستلزمات، ومن هنا أيضاً كانت تمر النساء للتفتيش عن بهجة رخيصة الثمن بين لفافات القماش وألوانه وأنواعه المتعددة وحلي النحاس المقلد وغيرها من الإكسسوارات النسائية.
لكن خلف هذه الواجهة العتيقة التي صمدت لعقود طويلة أمام تقلبات الزمن، بدأت الأزمة الاقتصادية الأخيرة وموجات الغلاء المتلاحقة وقرارات تحرير سعر الصرف في كتابة فصل جديد وأكثر قسوة، مغيرةً ملامح السوق التي بدت للمرة الأولى في تاريخها المعاصر شاحبة، وتكافح للبقاء على قيد الحياة وسط ركود لم تشهده حتى في أعتى الأزمات السياسية والاجتماعية السابقة.
الملامح الأولى لهذا التغير تلمسها فور الدخول إلى الأزقة الضيقة، حيث يغيب الزحام المعهود الذي كان يجعل السير في" الزنقة" أشبه بعبور نهر بشري متلاطم، وحل محله وقوف صامت للباعة أمام محلاتهم المكدسة بالبضائع التي تضاعفت أسعارها عدة مرات خلال أشهر قليلة.
ويحتل السوق أو" الزنقة" كما يطلق عليه أهالي الإسكندرية مكانة كبيرة في وجدان المصريين منذ بداية نشأته منذ أكثر من 100 عام، جعلته مقصداً للسياح والمواطنين، لا سيما من السيدات بعد أن اكتسب شهرته من كونه أول الأمكنة وأكبرها التي تبيع كل ما تحتاجه المرأة في الإسكندرية، من ملابس وأدوات ومستحضرات تجميل وحُلي وإكسسوارات غير ذهبية.
كما ذاع صيته كثيراً بعد أن ارتبط باسم أشهر سيدتين في عالم الجريمة" ريا وسكينة" اللتين كانتا تستدرجان ضحاياهما من النساء من داخل السوق إلى منزلهما في منطقة اللبان، أحد أشهر الأحياء القديمة بالمدينة، وهو ما تم تجسيده في العديد من الأعمال الفنية والسينمائية.
تاجر قماش تجاوز الستين من عمره ويمتلك محلاً ورثه عن والده في قلب" الزنقة"، محمد السعدني، يتحدث لـ" العربي الجديد"، بنبرة يكسوها الأسى عن تبدل أحوال البيع والشراء، مشيراً إلى أن السوق لم يعد سوقاً للبهجة بل أصبح سوقاً للمقايضة والتدبير الشديد.
ويضيف السعدني أن الزبائن الذين كانوا يشترون بالأمتار الطويلة لتجهيز الفتيات، باتوا اليوم يطالبون بأقل القليل، بل إن بعض الأمهات يأتين وبصحبتهن قوائم مختصرة للغاية، يحذفن منها كل ما يمكن اعتباره غير ضروري، مستطرداً بالقول إن البضاعة المستوردة كالدانتيل الفرنسي والإكسسوارات الصينية الفاخرة أصبحت مجرد ديكور للعرض فقط، بعد أن قفزت أسعارها بنسبة تجاوزت 200%، مما جعل الاعتماد الأكبر يتجه نحو المنتجات المحلية الأقل جودة لمواجهة القوة الشرائية المنعدمة للناس.
التحول لم يقتصر على نوعية البضائع، بل امتد ليعيد صياغة العادات الثقافية والاجتماعية المرتبطة بزيارة" الزنقة" كطقس اسكندري أصيل؛ فلم تعد الرحلة إلى هناك نزهة ممتعة تنتهي بشراء الحلي والمستحضرات، بل تحولت إلى عبء نفسي ثقيل على العائلات التي تواجه غول الأسعار.
وتوضح ربة منزل وأم لثلاث فتيات التقتها" العربي الجديد" أثناء جولتها في السوق، وفاء عبد الحميد، أن" زنقة الستات" كانت الملاذ الآمن لتدبير مستلزمات المنزل والفتيات بأسعار تناسب الدخول المحدودة، لكنها اليوم صُدمت بأن الأسعار هنا تلاحق أسعار المحلات الكبرى في الشوارع الرئيسية، معتبرة أن الغلاء كسر الميزة التنافسية الوحيدة للسوق وهي رخص الأسعار.
وتشير عبد الحميد إلى أنها تخلت تماماً عن شراء إكسسوارات الزينة ومستلزمات المنزل وغيرها من الأقمشة البسيطة التي كانت تشتريها لبناتها في المواسم، واقتصرت زيارتها الحالية على شراء الخيوط والمفروشات وبعض المستلزمات البسيطة بدلاً من شراء الجديد، واصفة الأجواء العامة داخل السوق بأنها أصبحت مشحونة بالقلق والتوتر الذي يظهر في مشاحنات الزبائن مع الباعة بسبب الفصال المستمر الذي لم يعد يجدي نفعاً مع هوامش الربح الضئيلة التي يبيع بها التجار لتصريف بضائعهم المتراكمة.
وخلف واجهات المحلات، تروي الوجوه المتعبة قصصاً أخرى عن عمالة يومية بدأت تتلاشى تدريجياً من أروقة السوق؛ فالعديد من أصحاب المحلات الصغيرة اضطروا للاستغناء عن" الصنايعية" والمساعدين الشباب لتوفير النفقات اليومية وإيجار المحلات التي لم تعد تغطي تكاليفها.
يجلس الشاب المصري أحمد فتحي، الذي يعمل في ورشة صغيرة لطلاء الحلي المقلدة داخل" الزنقة"، عاطلاً من العمل لعدة أيام في الأسبوع بعد أن قل طلب التجار على الورش الفنية، موضحاً أن مهنتهم تعتمد على حركة البيع والشراء في المحلات الكبيرة، وحينما يتوقف المواطن عن شراء العقد أو السوار التراثي، تتوقف الورشة فوراً عن الإنتاج.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك