" لم تتحول ألمانيا إلى واحدة من أكثر الديمقراطيات استقراراً في العالم لأنها نسيت ماضيها، بل لأنها قررت أن تواجهه بصورة قاسية وصريحة ومستمرة" بهذه الكلمات يكثّف الأكاديمي مارك فيبر وجهة نظره في معرض إجابته عن أوجه الشبه بين التجارب الديكتاتورية حول العالم.
ويتابع فيبر كلامه في سرد ما حصل في ألمانيا وكان شاهدا على جزء منه" بعد سقوط النازية عام 1945، لم تتعامل الدولة الألمانية مع ما جرى بوصفه مرحلة وانتهت"، وإنما اعتبرته جرحاً تاريخياً ينبغي إبقاؤه مفتوحاً في الوعي العام كي لا يتكرر"، ولهذا فإن ألمانيا الحديثة لم تُبنَ على الاقتصاد وحده، لكن على ذاكرة الجريمة، والاعتراف بها، وتحويلها إلى جزء دائم من الثقافة السياسية والتعليمية والقانونية.
تبدو التجربة الألمانية اليوم شديدة الأهمية بالنسبة للسوريين وهم يواجهون السؤال الأصعب: كيف يمكن بناء دولة جديدة بعد عقود من حكم الأسدية دون أن تعود البنية ذاتها لإنتاج العنف والاستبداد؟عاشت سوريا أكثر من 50 عاما عاماً تحت نظام أمني مغلق، قائم على تقديس السلطة، وتفكيك المجتمع، وتحويل الخوف إلى أسلوب حكم يومي، ومع مرور الزمن تحولت الأجهزة الأمنية من مجرد مؤسسات دولة إلى منظومة كاملة تتحكم بالحياة السياسية والاجتماعية والثقافية، وتنتج روايتها الخاصة عن الوطن والعدو والمواطن والطاعة، وكانت النتيجة آلاف المعتقلين والمخفيين قسراً، ومجازر موثقة، ومدن مدمرة، وملايين المهجرين داخل البلاد وخارجها.
ولمحاولة فهم أوجه الشبه وكذلك الاختلاف بين التجارب الديكتاتورية حول العالم، تحدثنا إلى الأكاديمي مارك فيبر، وهو الذي كرّث جلّ حياته في نشر ثقافة تعزيز الحريات العامة ومحاربة التجارب الديكتاتورية عبر عمله التطوعي كمرشد في متاحف العاصمة التي تؤرخ لحقبة النازية وجهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية" الشتازي".
يقول فيبر: " إن أخطر ما يهدد السوريين اليوم ليس حجم الخراب وهو بالتأكيد مرهق اقتصاديا، لكن الخطر الأكبر هو احتمال نسيان من تسبب لهم بهذا الدمار ولا أقصد شخص بعينه بقدر منظومة كاملة"، لأن الجرائم الكبرى -بحسب فيبر- إذا لم تُوثق وتُدرّس وتُدان بصورة واضحة، فإنها تتحول مع الوقت إلى" وجهة نظر"، ثم إلى مادة للتشكيك، ثم إلى روايات متنافسة، قبل أن تعود الظروف ذاتها لإنتاجها من جديد.
ويضيف فيبر" هذا بالضبط ما فهمته ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية، ولهذا لم تكتفِ بمحاكمات نورمبرغ الشهيرة، بل بنت منظومة متكاملة لمنع عودة الفكر النازي أو تكرار الجريمة، فالقضية بالنسبة للألمان لم تكن معاقبة أفراد وإنما حماية المستقبل نفسه من الانهيار الأخلاقي".
ويلفت فيبر إلى أنه لا يزال إنكار المحرقة النازية أو التشكيك بجرائم النازية في ألمانيا جريمة يعاقب عليها القانون، كما أن الحصول على الجنسية الألمانية يتم بوصفه إجراءً إدارياً وانضماماً إلى منظومة قيمية كاملة، فالمتقدم للجنسية يوقّع على إعلان ولاء للدستور الديمقراطي، ويُطلب منه الإقرار بالنظام الدستوري ورفض الأيديولوجيات المتطرفة المعادية للديمقراطية، وفي مقدمتها النازية.
لكن الأهم من القانون وفقا لفيبر، هو الطريقة التي حوّلت بها ألمانيا ذاكرتها إلى جزء من الحياة اليومية، فكثير من السجون والمراكز الأمنية السابقة لم تُهدم أو تُمحَ آثارها، بل حُولت إلى متاحف ومراكز توثيق مفتوحة أمام الناس، ومن أبرز هذه الأماكن معتقل" هوهنشونهاوزن" في برلين، الذي كان واحداً من أكثر سجون جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية رعباً، هذا المكان لم يُحوّل إلى مشروع استثماري أو يُترك للنسيان، وإنما صار متحفاً يزوره الطلاب والباحثون والسياح، ويستمعون داخله إلى شهادات المعتقلين السابقين عن التعذيب والعزل النفسي وأساليب القمع.
يعمل فيبر متطوع في هذا المتحف ويرى أن هذه الأماكن التاريخية لها جنب يتعلق بالأخلاق والسياسة، لأن المدارس الألمانية تُدرّس النازية بوصفها درساً دائماً في مخاطر الاستبداد والعنصرية والطاعة العمياء، ويتعزز هذا الجانب النظري للطلاب بزيارة معسكرات الاعتقال السابقة، ويشاهدون الوثائق والصور، ويستمعون إلى شهادات الناجين، وتُعقد الندوات والمحاضرات العامة بشكل مستمر حول مسؤولية المجتمع في منع تكرار الكارثة، فالتعليم هنا يهدف إلى نقل المعرفة وبناء حساسية أخلاقية جماعية تجاه الجريمة.
ومن اللافت أن التركيز على جرائم النازية لا يقتصر على ألمانيا وحدها، وإنما يمتد إلى أوروبا كلها تقريباً، فهناك قناعة أوروبية راسخة بأن حماية الذاكرة جزء من حماية الديمقراطية، ولهذا تُقام النصب التذكارية، وتُنظم الفعاليات السنوية، وتُموَّل مراكز الأبحاث، وتُنتج الأفلام والروايات والبرامج الوثائقية التي تعيد سرد تلك المرحلة باستمرار.
في المقابل، يواجه السوريون اليوم معركة معاكسة تماماً، فبدلاً من ترسيخ الذاكرة، هناك محاولات متواصلة لتذويبها أو إعادة صياغتها أو خلق" مظلومية مقابلة" تطغى على المظلومية الحقيقية التي عاشها ملايين السوريين خلال العقود الماضية، بل إن بعض الخطابات تحاول تحويل الجريمة المنظمة إلى مجرد" أحداث حرب" أو" أخطاء متبادلة"، بما يؤدي فعلياً إلى تمييع المسؤولية التاريخية للنظام الأمني الذي حكم البلاد لعقود.
وهنا تكمن خطورة المرحلة المقبلة، وفقا لفيبر" لأن أي مجتمع لا يحدد بوضوح ما الذي حدث، ومن المسؤول عنه، وكيف حدث، سيبقى معرضاً لإعادة إنتاج الكارثة نفسها.
فالاستبداد لا يعود دائماً بالدبابات، بل قد يعود عبر النسيان، أو عبر تبرير الماضي، أو عبر تزييف الوعي العام".
من جهته يرى البروفيسور كريستيان لونيبيرغ، العامل مع مؤسسة ألمانية تُعنى بشؤون اللاجئين السوريين، أن أخطر ما يمكن أن يحدث بعد سقوط أي نظام استبدادي هو ترك الجرائم بلا توصيف أخلاقي وقانوني واضح، ويؤكد لونيبيرغ أن غياب تجريم الأسدية بوصفها منظومة مسؤولة عن جرائم واسعة النطاق سيؤدي مع مرور الوقت إلى تآكل الحقيقة نفسها، بحيث تنشأ أجيال لا تدرك حجم ما جرى فعلياً، أو تعتبره مجرد" خلاف سياسي" بين أطراف متنازعة.
ويشدد لونيبيرغ على أهمية العدالة الانتقالية في سوريا باعتبارها عملية حماية للمجتمع من المستقبل المظلم، فالعدالة الانتقالية تعني محاكمة المتورطين وبناء ذاكرة وطنية واضحة تمنع تزوير التاريخ، وإنشاء مراكز توثيق، وأرشفة شهادات المعتقلين والناجين، وتحويل السجون والمعتقلات سيئة السمعة إلى أماكن للذاكرة العامة، بحيث يراها السوريون بأعينهم، ويتعلم منها أبناؤهم كما يفعل الألمان اليوم.
ويسوق لونيبيرغ أمثلة تقريبية لفكرته" تخيل مثلاً أن تتحول المعتقلات التي ارتبط اسمها بالتعذيب صيدنايا مثلا إلى متاحف توثيقية مفتوحة للطلاب والباحثين، أو أن تُدرَّس شهادات الضحايا في المناهج المدرسية، أو أن تُنتج الأعمال الدرامية والروائية التي توثق بنية الأجهزة الأمنية وآليات عملها وأساليب القمع التي استخدمتها لعقود، عندها فقط يصبح المجتمع قادراً على بناء مناعة حقيقية ضد عودة الاستبداد".
العدالة الانتقالية وتثبيت الحقيقةوفي السياق نفسه، يرى المحامي محمد سعيد الشحود أن العدالة الانتقالية في سوريا لا يمكن أن تنجح دون تثبيت الحقيقة التاريخية بصورة قانونية وأخلاقية واضحة، معتبراً أن حماية الذاكرة الجماعية تضمن منع تكرار الانتهاكات مستقبلاً، كما يشدد على أهمية توثيق المعتقلات والسجون وتحويلها إلى مراكز للذاكرة الوطنية، بما يساعد الأجيال القادمة على فهم ما جرى وعدم التعامل معه بوصفه مجرد مادة قابلة للجدل أو الإنكار.
مع ذلك، يرى بعض الحقوقيين والباحثين أن المقارنة بين التجربة الألمانية والحالة السورية يجب أن تتم بحذر، لأن تحويل الذاكرة إلى إطار قانوني صارم قد يحمل مخاطر أخرى إذا لم يكن جزءاً من مشروع وطني جامع، وهذا ما يذهب إليه الباحث مؤيد الناصر الذي يرى أن هناك فرقا بين حماية الحقيقة التاريخية وبين إنتاج “عقيدة سياسية رسمية” قد تُستخدم مستقبلاً لتقييد حرية التعبير أو فرض اصطفافات إجبارية داخل المجتمع.
ويحذر الناصر من أن العدالة الانتقالية ينبغي أن تقوم على المحاسبة الفردية لا على الإدانة الجماعية، وأن بناء سوريا الجديدة يجب أن يستند إلى مفهوم المواطنة وسيادة القانون، لا إلى خلق انقسامات دائمة بين" ضحايا" و" ورثة متهمين"، كما يشير الناصر إلى أن التركيز المفرط على الذاكرة دون إطلاق مسارات حقيقية للمصالحة وإعادة بناء المؤسسات قد يبقي المجتمع أسيراً للماضي بدل مساعدته على تجاوزه.
وبحسب هذا الطرح، فإن المطلوب ليس نسيان الجرائم أو تبريرها، وإنما إيجاد توازن دقيق بين الحق في الحقيقة والعدالة من جهة، والحفاظ على السلم الأهلي ومنع إنتاج كراهية متبادلة من جهة أخرى.
ويختم لونيبيرغ كلامه بالقول: " إن توثيق البنية الأمنية والعسكرية وشبه العسكرية للأسدية، بكل تشكيلاتها وهرميتها وحوادثها، ليس مهمة سياسية عابرة، وإنما ضرورة حضارية وأخلاقية، إنها مسؤولية الكتّاب والروائيين والصحفيين وصنّاع البودكاست والأفلام الوثائقية والمؤرخين والناجين أنفسهم، لأن التوثيق هو السد الأخير في وجه التزوير والنسيان، لقد احتاجت ألمانيا إلى عقود طويلة كي تجعل من ذكرى النازية درساً دائماً للأجيال، والسوريون اليوم أمام امتحان مشابه إما أن يبنوا ذاكرة جماعية واضحة تُدين الاستبداد بلا مواربة، أو يتركوا الباب مفتوحاً أمام عودة الوحش بأسماء وشعارات مختلفة، فالدول تحتاج إلى دساتير صارمة وجيوش مدربة لحمايتها، وكذلك تحتاج إلى ذاكرة تمنع تكرار مآسيها".
الاعتراف خطوة لتجاوز الصراعيقول المعتصم كيلاني لموقع تلفزيون سوريا: تجربة ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية تُظهر أن بناء دولة حديثة لا يقتصر على إعادة الاقتصاد وإصلاح المؤسسات فقط، بل يرتبط أيضاً بالاعتراف بالجرائم التي ارتكبها النظام النازي وتحويل هذه الذاكرة إلى جزء دائم من الثقافة السياسية والتعليمية.
لم يكن الهدف من ذلك إبقاء المجتمع أسيراً للماضي، بل ضمان عدم تكرار الانتهاكات وتعزيز قيم الديمقراطية والحقوق الإنسانية.
المجتمع الألماني تعلم أن الاعتراف بالجرائم التاريخية ليس إدانة للأمة ككل، بل خطوة أساسية لتجاوز الصراع وبناء مجتمع أكثر عدالة وشفافية.
ويضيف أنه في حالة سوريا، يمكن الاستفادة من هذه التجربة من خلال التركيز على العدالة الانتقالية التي تشمل كشف الحقيقة حول الانتهاكات والضحايا والمفقودين، والاعتراف الرسمي بمعاناة الضحايا، ومساءلة المسؤولين عن الجرائم، والعمل على تعويض المتضررين، بالإضافة إلى حفظ الذاكرة الجماعية.
ولعل تحديد يوم حداد وطني للضحايا أو إنشاء نصب تذكاري يكرم ذكراهم يعد خطوة رمزية قوية في هذا الاتجاه، إذ يسهم في تثبيت الوعي الجمعي بمعاناة السوريين ويعزز ثقافة الاعتراف والمسؤولية.
وبحسب الكيلاني يجب أن يُراعى في هذه المبادرات أن تكون شاملة ومستندة إلى حقائق موثقة وتحظى بتوافق وطني واسع، كي لا تتحول الذكرى إلى مصدر انقسام بين أطراف المجتمع.
النصب التذكاري أو يوم الذكرى لا يمكن أن يكون بديلاً عن العدالة أو المساءلة، لكنه يشكل عنصراً مهماً في عملية المصالحة، إذ يعكس الاحترام للضحايا ويثبت التزام الدولة والمجتمع بعدم تكرار الانتهاكات، ويضع أسساً لبناء سلام مستدام قائم على الحقيقة والاعتراف والمسؤولية.
حفظ الحقيقة كبوابة للتعافي في سوريافي سوريا التي أنهكتها الحرب والمجازر وخلّفت مئات الآلاف من الضحايا، وملايين النازحين واللاجئين، ومدناً مدمرة، وذاكرة جماعية مثقلة بالألم والفقدان، تبرز اليوم ضرورة ملحة لتأسيس ثقافة تذكارية وطنية تُعيد الاعتبار للحقيقة، وتُكرّم الضحايا، وتضع الأسس المتينة للمصالحة والسلم الأهلي.
لاتعد إقامة نصب تذكاري واعتماد يوم حداد وطني مجرد رموز شكلية أو طقوس عابرة، بل هما خطوتان جوهريتان في مسار العدالة الانتقالية، تعبّران عن اعتراف الدولة والمجتمع بحجم المأساة التي حلت بالشعب السوري، وتؤكدان أن حياة كل سوري كانت ثمينة وأن ذكراه تستحق الخلود.
فالنصب التذكاري يصبح فضاءً مادياً ومعنوياً يجمع المشتتين، ويعيد للأرواح الراحلة كرامتها، وللأحياء حقهم في الحزن الجماعي المشروع.
أما يوم الحداد الوطني، فيمنح السوريين لحظة توقف سنوية يتوحدون فيها في التأبين، متجاوزين الانقسامات السياسية والطائفية والإثنية، ومؤكدين أن الوحدة في التذكر هي الطريق إلى الوحدة في المستقبل.
وحول ذلك يقول فضل عبد الغني مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان: " لا يكتسب النصب التذكاري واليوم الوطني أهميتهما من رمزيتهما وحدها، بل من قدرتهما على تحويل الذاكرة من فعل وجداني متفرق إلى بنية عامة تحفظ الحقيقة، وتمنع إنكارها أو إعادة صياغتها لمصلحة الجناة أو القوى الغالبة.
وفي السياق السوري، حيث ترافق القتل والإخفاء والتعذيب والتهجير مع إنكار رسمي واسع وحرمان طويل من الحداد العلني، يصبح إحياء الذكرى جزءاً من الحق في معرفة الحقيقة".
ويضيف لموقع تلفزيون سوريا" يقوم الإطار المعياري المنطبق على ثلاثة مرتكزات متداخلة.
أولها الحق في معرفة الحقيقة، كما تكرسه مبادئ مكافحة الإفلات من العقاب، بما يشمل حق المجتمع في معرفة الوقائع والظروف التي أدت إلى الانتهاكات الجسيمة، وحق الضحايا وذويهم في معرفة مصير الضحايا، ولا سيما في حالات الإخفاء القسري.
وثانيها واجب حفظ الذاكرة وصون الأرشيفات، لأن الذاكرة العامة ليست ملكاً للسلطة السياسية، بل هي جزء من التراث الحقوقي للمجتمع ووسيلة لمنع الإنكار والتحريف.
وثالثها الحق في الجبر، ولا سيما الترضية وضمانات عدم التكرار، إذ يشمل الجبر الرمزي الاعتراف العلني، وإحياء الذكرى، وتكريم الضحايا، وكشف الحقيقة، وإدراج رواية دقيقة للانتهاكات في التعليم والتدريب".
ويرى أن المحددات الرئيسية تتمثل في أن النصب التذكاري لا ينبغي أن يكون حجراً صامتاً، بل" منصة معرفة".
ويمكن أن يرتبط بأرشيف رقمي وطني، وسجل موثق للضحايا والمفقودين، وشهادات الناجين والأسر، ومواد تعليمية، وخرائط لمواقع الانتهاكات، ومعلومات قانونية مبسطة حول طبيعة الجرائم ومسارات المساءلة.
كما يمكن تحويل مراكز الاحتجاز السابقة، ومواقع المقابر الجماعية، وأماكن الانتهاكات الكبرى إلى فضاءات للذاكرة والتوثيق، شرط احترام كرامة الضحايا، وحماية الأدلة، ومراعاة الأثر النفسي على الأسر والناجين.
أما اليوم الوطني، كما يقول، فيمنح الذاكرة إيقاعاً عاماً متكرراً، ويخرجها من هشاشة المبادرات الفردية.
وتكمن قيمة مقترح الشبكة السورية لحقوق الإنسان 18 من آذار في أنه يربط الذاكرة السورية بلحظة تأسيسية في الوعي العام، من دون أن يحصر الضحايا في فئة سياسية واحدة.
كما أن زهرة الياسمين ودقيقة الصمت تقدمان طقساً مدنياً بسيطاً قابلاً للمشاركة الواسعة، ينقل الفقد من المجال الخاص إلى المجال العام، ويجعل الاعتراف ممارسة جماعية، لا بياناً رسمياً فحسب.
أرشفة السردية السورية.
من منطق الاحتفال إلى منطق المؤسسةغير أن نجاح هذا المسار مشروط بعدم تحويل الرمز إلى بديل عن الحقيقة.
فالذاكرة التي لا ترتبط بالأرشيف والتحقيقات وتحديد مصير المفقودين وحماية المقابر الجماعية قد تتحول إلى بنية رمزية فارغة.
كما أن الذاكرة التي تسبق الحقيقة أو تنتقي ضحاياها قد تكرس الانقسام بدلاً من معالجته.
لذلك ينبغي أن ينمو الإطار التذكاري بالتوازي مع مسارات العدالة الانتقالية: تقصي الحقيقة، والبحث عن المفقودين، وحفظ الأدلة، والإصلاح المؤسسي، والجبر الفردي والجماعي.
ويتمثل الموقف الحقوقي هنا في أن النصب التذكاري واليوم الوطني يمكن أن يؤديا وظيفة حقيقية في أرشفة السردية السورية إذا انتقلا من منطق الاحتفال إلى منطق المؤسسة.
فالمطلوب ليس إنتاج ذاكرة رسمية مغلقة، بل بناء ذاكرة عامة موثقة، وتشاركية، وقابلة للتعليم والمراجعة، وتستند إلى حقوق الضحايا لا إلى حاجة السلطة إلى إنتاج خطاب وطني سريع.
وبهذا المعنى، تصبح زهرة الياسمين ودقيقة الصمت مدخلاً إلى معرفة الحقيقة، لا نهاية لمسارها.
وحول أهمية الاعتراف الرسمي يوضح عبد الغني" أعتقد أن تخصيص يوم وطني للضحايا هو في جوهره فعل اعتراف رسمي وعلني بأن ما تعرض له السوريون هو انتهاكات جسيمة مست حقوقاً محمية بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني.
غير أن هذا الاعتراف لا يكتسب قيمة انتقالية إلا إذا كان اعترافاً بحقوق الضحايا، لا مجرد تعاطف رمزي مع معاناتهم".
ويشير إلى أن المعايير الدولية الخاصة بالإنصاف والجبر تعد الاعتراف العلني، والاعتذار عند الاقتضاء، وإحياء الذكرى، وتكريم الضحايا من صور الترضية.
كما تؤكد مبادئ مكافحة الإفلات من العقاب أنه لا يمكن بناء مصالحة جدية من دون معرفة الحقيقة وتحقيق العدالة.
لذلك لا ينبغي النظر إلى اليوم الوطني باعتباره بديلاً عن المساءلة، بل بوصفه أحد عناصر منظومة أشمل تشمل الحقيقة، والعدالة، والجبر، والإصلاح المؤسسي.
وتبدأ المحددات الرئيسية من الشمولية.
ففي مجتمع منقسم مثل سوريا، يمكن للذاكرة الانتقائية أن تتحول إلى أداة لإعادة فرز الضحايا سياسياً أو طائفياً أو مناطقياً.
لذلك يجب أن يشمل التكريم جميع ضحايا الانتهاكات الجسيمة، بصرف النظر عن هوية الجاني أو الانتماء السياسي أو المناطقي أو الديني للضحية.
ولا يعني ذلك إلغاء المسؤوليات أو المساواة بين الضحية والجاني، بل يعني أن معيار التكريم هو صفة الضحية والحق المنتهك، لا موقع الضحية داخل سردية سياسية محددة، وفق عبد الغني.
أما المحدد الثاني فهو المشاركة.
فلا يكتسب اليوم الوطني شرعيته من قرار رسمي وحده، بل من عملية تشاورية تشمل أسر الضحايا والمفقودين، والناجين، ومنظمات المجتمع المدني، والمجتمعات المحلية، والنساء، والشباب، والمكونات الدينية والاجتماعية المختلفة.
والمشاركة هنا ليست إجراءً شكلياً، بل ضمانة ضد احتكار الذاكرة أو استخدامها لإنتاج خطاب رسمي أحادي.
" ويتمثل المحدد الثالث في الارتباط بالمؤسسات.
فإذا بقي اليوم الوطني منفصلاً عن عمل لجان الحقيقة والمفقودين والعدالة الانتقالية، فسيضعف أثره سريعاً.
أما إذا ارتبط ببرامج التوثيق، والتعليم المدني، والأرشفة، والدعم النفسي والاجتماعي للأسر، وحماية مواقع الأدلة، وإتاحة معلومات دقيقة للجمهور، فإنه يصبح أداة لبناء الثقة تدريجياً".
ويتابع" يتمثل موقفي في أن الاعتراف العلني يمكن أن يخفف حدة الاستقطاب، لأنه ينقل النقاش من منطق الولاءات الجماعية إلى منطق كرامة الضحايا.
فدقيقة الصمت، إذا كانت شاملة وغير انتقائية، تمنح المجتمع لحظة مشتركة للاعتراف بالفقد، وتكسر عزلة أسر الضحايا والمفقودين.
كما تساعد زهرة الياسمين، بصفتها رمزاً سورياً مألوفاً وغير عسكري، على إنتاج لغة مدنية للذاكرة، بعيدة عن خطاب الثأر أو الغلبة".
ويحذر مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان" ينبغي الحذر من تصور أن الرموز وحدها تبني المصالحة.
فالاعتراف الرمزي لا يكفي إذا استمرت سرديات نزع الإنسانية، أو بقيت أسماء المفقودين مجهولة، أو ظلت الأدلة غير محمية، أو غابت المحاسبة.
لذلك ينبغي أن يقترن اليوم الوطني بمراجعة الخطاب العام، وإدماج الحقيقة في التعليم، وحماية الأرشيفات، ومساءلة المسؤولين عن الجرائم الدولية، وإصلاح المؤسسات التي شاركت في الانتهاكات أو سهلتها".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك