من وجهة نظر إسرائيلية، تعتبر مذكرة التفاهم الموقعة بين الولايات المتحدة وإيران وثيقة سيئة جداً.
وعلى النقيض من مزاعم ترامب، تعتبر هذه المذكرة اتفاق استسلام أمريكي، رغم أن إيران كانت في الجانب الخاسر في ساحة المعركة.
فبالإضافة إلى وقف الأعمال العدائية، قدمت طهران إعلانات عامة بالتزامها بعدم تطوير السلاح النووي.
وفي المقابل، تقدم الولايات المتحدة مساعدات فورية: رفع الحصار المتبادل على مضيق هرمز، تخفيف سريع للعقوبات، بل وحتى التزام مدهش بضخ 300 مليار دولار في المستقبل لإعادة بناء اقتصاد إيران.
كم من هذه الأموال سيستخدم لإعادة دعم الطبقة الحاكمة، النظام نفسه الذي قتل آلاف من مواطنيه في كانون الثاني الماضي، الذي وعده ترامب بأن”المساعدة قادمة”؟ وكم منها سيرسل لحماس وحزب الله لمساعدتهما في التعافي من الضربات التي تعرضوا لها قبل إسرائيل منذ مذبحة 7 أكتوبر؟الخلاصة، أن ترامب تراجع وانسحب من الخليج، وربما قلل الاهتمام بكل المنطقة.
لا بد أن هذه الفكرة قد خطرت على باله بعد أسبوع على بدء الجولة الحالية في نهاية شباط، عندما أدرك أن الضربات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية لن تؤدي إلى انهيار إيران كما أمل.
عندما تم طرح هذا الاحتمال هنا كسيناريو مطروح، في مكان معين في الأسبوع الثاني من آذار، رد المتحدثون باسم رئيس الحكومة نتنياهو بصرخات استهجان.
ولكن تبين أن التحالف بين ترامب ونتنياهو أضعف مما كان يعتقد في البداية.
لترامب اعتبارات خاصة.
فبعد أن وعده نتنياهو بنصر سهل خلال اللقاء بينهما في البيت الأبيض في بداية شهر شباط، شعر الرئيس الأمريكي بالإغراء.
ولكن عندما اصطدمت التوقعات بالواقع، واستمرت الحرب، وأغلقت إيران مضيق هرمز (مثلما كان متوقعاً طوال عقود) بدأ ترامب يبحث عن مخرج.
أوضح الرئيس، الثلاثاء، بأنه “كان يمكننا قصفهم سنتين أخريين”، لكن حتى في ذلك الحين، لم تكن إيران لتتراجع، وكان مضيق هرمز سيبقى مغلقاً، ولم يكن سوق النفط سينتعش، بل كان سيشهد انخفاضاً للأسعار يثير خيال ترامب الآن.
وبناء على ما رآه، لم يكن أمامه خيار إلا التوقيع، وهذا يتناقض تماماً مع ادعاءاته المتكررة بالنصر.
لم تكن تصريحات الرئيس في قمة “جي 7” في باريس، عندما وقع على مذكرة التفاهم في قصر فرساي (أليس حوله أحد على وعي بالتاريخ؟ )، مريحة للإسرائيليين.
فالادعاء بأن إيران كجارة مسموح لها أيضاً امتلاك صواريخ بالستية، لم يجد قبولاً سهلاً بالنسبة لمن قد يصبحون من جديد الهدف الرئيسي لهذه الصواريخ.
وبعد أن حاصرته الانتقادات الموجهة للاتفاق، عاد ترامب إلى أسلوبه المعتاد – أسلوب مستخف ومهين.
وصف نتنياهو بأنه شريك ثانوي لا أكثر، وصور من انتقدوا الاتفاق بأنهم مجموعة أغبياء.
وكالعادة، قدم سلسلة اقتراحات لتحسين الكفاءة: مزيج من منطق ما (قال إنه لا يجب على إسرائيل هدم المباني في بيروت رداً على كل قنبلة من طائرة مسيرة)، مع افتراضات لا أساس لها (ربما يكون من الأفضل أن تتولى سوريا التعامل مع حزب الله).
مذكرة التفاهم لا تجيب إلا على المسألة الأهم في الاتفاق، وهي مصير اليورانيوم، سواء الـ 440 كغم المخصب بمستوى عال أو الـبضعة أطنان مخصبة بمستوى منخفض، بشكل عام.
وتنص المذكرة على إجراء نقاش حول هذا الأمر، وعلى تخفيف تركيز اليورانيوم على الأقل.
ولكن فعالية التخفيف هي حل مشكوك فيه.
وبمجرد حصول إيران على ما تحتاجه (وقف إطلاق النار ورفع العقوبات ورفع الحصار) يظهر التساؤل حول دوافعها لإبرام اتفاق نهائي يقتضي منها تقديم تنازلات.
ويفهم ضمنياً من المذكرة أن ترامب لا يتوهم القدرة على الحفاظ على نظام رقابة دولية لالتزامات إيران النووية.
يتخلى ترامب عن حرب لا تحظى بشعبية كبيرة في الجبهة الداخلية، التي أحدثت انقساماً في قاعدته الشعبية في حركة “ماغا” (لنجعل أمريكا عظيمة من جديد)، وتسببت في توتر مع حلفاء الولايات المتحدة في الخليج.
أدركت الدول السنية بسرعة أن الأمريكيين لا يملكون أي خطة يمكنها إسقاط النظام في طهران، وسعت إلى الحد من خسائرها، نظراً للأضرار التي ألحقتها الصواريخ الإيرانية والضربة التي لحقت بصادرات النفط.
أما الضرر الذي لحق بإيران فكان أشد.
فحسب مجلة “الإيكونيميست”، تم تسريح حوالي 7 في المئة من عمال البلاد أثناء الحرب.
أما ضخ الأموال الضخم الذي وعد به فما زال نظرياً في الوقت الحالي، لا سيما أن النظام أثبت وجود فساد وعدم كفاءة اقتصادية لعقود.
قد تشير هذه التطورات إلى مسار بديل تم التخلي عنه: ربما كان من الأفضل لترامب الاستمرار في الضغط الاقتصادي، بدلاً من السعي إلى اتفاق فوري يتضمن التخلي عن معظم أهداف الحرب.
نتنياهو يعرف ترامب بما فيه الكفاية ليدرك أن مواجهة الرئيس مباشرة أمر خطير جداً.
ليس صعباً تخيل ماذا كان سيحدث لو وقع بايدن على مثل هذا الاتفاق في فترة رئاسة بينيت للحكومة.
لا شك أن المقارنة مع اتفاق ميونيخ من العام 1938 كانت ستسمع في كل المواقع الإلكترونية اليمينية.
لا يعتبر الاتفاق الإيراني فشلاً لترامب فقط، بل لنتنياهو أيضاً، وهو يتوج حرب 7 أكتوبر التي ربما انتهت الآن كخسارة استراتيجية.
في مواجهة الانتقادات، ظهر الأمر وكأن الشخصين يتنافسان في إطلاق تصريحات متطرفة.
تفاخر نتنياهو بأنه أنقذ أرواح ملايين المواطنين الإسرائيليين بقرار شن الحرب على إيران لمنعها من امتلاك السلاح النووي، وذهب ترامب أبعد من ذلك حين أعلن بأن إسرائيل كانت ستدمر بالفعل من دونه.
يجلس المواطن الإسرائيلي في البيت وهو يسمع من جهة أن بلاده قوة عسكرية وتكنولوجية عالمية، ومن جهة أخرى يقال له بأنه معرض لخطر الدمار باستمرار.
الحياة هنا مربكة بعض الشيء.
التآكل يزداد بتنازل أمريكي حاسم آخر يتعلق بوحدة ساحات القتال؛ فمذكرة التفاهم تنص أيضاً على وقف الأعمال العدائية في لبنان، والاعتراف بوحدة أراضي لبنان.
ما زالت إسرائيل تحاول معرفة إذا كانت الولايات المتحدة تنوي في القريب فرض انسحاب كامل للجيش الإسرائيلي من جنوب لبنان.
لم يكن هذا هو وضع وقف إطلاق النار السابق، بعد هزيمة حزب الله في تشرين الثاني 2024.
في حينه، بقيت خمسة مواقع عسكرية تابعة للجيش الإسرائيلي في لبنان، ولم يتم الوفاء بوعد إسرائيل الغامض، الانسحاب من هناك في المستقبل.
الظروف تختلف أيضاً في هذه المرة؛ لأن الصراع الحالي في لبنان لم ينته بشكل حاسم، وازدادت التخوفات لدى سكان الحدود الشمالية.
في غضون ذلك، أعلن الجيش الإسرائيلي بأن قواته ستبقى في لبنان في هذه المرحلة على خط يمتد 10 كم شمال الحدود.
مع ذلك، تم تقييد نشاطات الجيش الإسرائيلي في لبنان بشكل كبير بالفعل.
بدأ هذا الجدل، الأحد، حول هجوم بيروت الذي تبرأ منه ترامب علناً بعد وقوعه.
وأصبح واضحاً الآن أن رد الجيش الإسرائيلي محدود ويقتصر على جنوب لبنان.
في سلسلة حوادث، الأربعاء، قتل جندي إسرائيلي وأصيب 12 بسبب انفجار عبوة ناسفة وهجمات بمسيرات مفخخة.
وقد استخدم حزب الله مسيرات مزودة بألياف بصرية بفعالية قاتلة.
إذا استمر القتال المتقطع، سيواجه الجيش الإسرائيلي صعوبة في استيعاب الخسائر على المدى البعيد.
من جهة أخرى، استئناف القتال بكثافة أكبر سيعطي إيران ذريعة لاستخدام المزيد من الضغط على ترامب.
تختلف مذبحة 7 أكتوبر عن الكارثة الإيرانية بسبب الثمن الباهظ المدفوع بالأرواح في إسرائيل.
ولكن عملياً، يصعب استبعاد احتمالية حدوث مواجهة عاصفة أخرى في وقت لاحق من هذه السنة، تشعل فتيل صراع جديد.
هذا ليس مجرد استعراض لضعف إسرائيل في مواجهة الاتفاق المتبلور والخلاف الواضح بين ترامب ونتنياهو، فالأمر يتعلق أيضاً بحالة الجيش الإسرائيلي، وهو ما حذر منه رئيس الأركان إيال زامير باستمرار مجلس الوزراء.
هاكم بعض الأمور التي يظهر أن زامير لم يذكرها بالتفصيل، من الذي يرغب في كشف عيوبه؟ يعاني الجيش الإسرائيلي من مشكلة كبيرة في الكفاءة، لا يقتصر الأمر على نقص المقاتلين الذي يشير إليه رئيس الأركان في سياق الجدل حول مشروع قانون الإعفاء؛ فثلاث سنوات من الحرب المتواصلة تستنزف أيضاً احتياطي الدبابات وناقلات الجنود المدرعة والاحتياط والتسليح.
يحتاج احتلال الأراضي في لبنان وسوريا (حيث يتمركز لواء بشكل دائم) وفي قطاع غزة إلى قوة بشرية كبيرة واستخدام كثيف لوحدات الاحتياط، التي سيخدم جنودها لمدة لا تقل عن 100 يوم في هذه السنة.
من المفارقة وجود مشكلة الخبرة العملياتية أيضاً، رغم القتال المستمر.
فالوحدات لا تملك الوقت الكافي للتدرب، ويصعب جداً تعلم الدروس من الحرب الطويلة.
في غضون ذلك، لم يكتسب الجنود الشباب الذين انضموا للجيش خلال الحرب نفس الخبرة التي اكتسبها الذين قاتلوا في بدايتها.
وتتجلى أوجه القصور والثغرات في الخطط العملياتية في جولة القتال الأخيرة في لبنان.
فعملية الاستيلاء على قلعة شقيف، التي تبعد بضعة كيلومترات عن الحدود، لم تتم إلا بعد حوالي 100 يوم قتال، ما يثير تساؤلات جدية حول الطريقة التي دخل فيها الجيش الإسرائيلي إلى الجولة الحالية في الشمال.
وهناك مشكلة أصبحت سائدة في الدورات التدريبية، يحث ارتفع معدل التسرب من بعض الوحدات القتالية بشكل حاد، وتتلقى الألوية فصائل مقاتلين قليلة العدد بعد انتهاء التدريب.
ويتحدث الجنود عن تراجع في الدافعية في مرحلة مبكرة نسبياً، ما يرجح ارتباطه أيضاً بتقليص الإجازات في التشكيلات القتالية.
ويعود هذا التغيير إلى دروس 7 أكتوبر، حيث عاد نصف المقاتلين من جبهة غزة إلى بيوتهم لقضاء عطلة العيد، لكن ربما تم تطبيق ذلك بشكل مفرط.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك