دمشق ـ «القدس العربي»: أعاد تجديد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب طرح فكرة اضطلاع دمشق بدور في مواجهة «حزب الله» داخل لبنان، رغم النفي السوري الرسمي، فتح باب التساؤلات حول حدود الدور الذي يمكن أن تلعبه سوريا في المرحلة المقبلة، وما إذا كان المقترح الأمريكي يرتبط بمسار المفاوضات السورية – الإسرائيلية وانسحاب أبيب من الجنوب السوري، في وقت تؤكد فيه دمشق أن أولوياتها تتركز على استعادة الاستقرار الداخلي وحماية السيادة الوطنية ورفض الانخراط في صراعات إقليمية جديدة.
وفي قراءة للتداعيات المحتملة للمقترح الأمريكي، يرى الخبير في العلاقات السورية ـ الإسرائيلية، خالد خليل، في حديثه لـ «القدس العربي»، أن الموقف السوري العلني والرسمي من مسألة التدخل في لبنان «واضح وحاسم»، ويتمثل في رفض التدخل في الشؤون اللبنانية «جملة وتفصيلاً» واحترام سيادة لبنان، مشيراً إلى أن دمشق باتت تتبنى مقاربات مختلفة تقوم على الواقعية السياسية والانفتاح الدبلوماسي وسياسة التوازن الدقيق في مساراتها الإقليمية والدولية المتعددة.
وقال إن دمشق أعلنت منذ البداية أنها «لن تكون مصدر قلق لأي أحد»، وأن أولوياتها تتمثل في الحفاظ على المصالح الوطنية والسيادة عبر حماية الحدود، مؤكداً أنها ترفض حتى مجرد المساومة على سيادتها الوطنية في ظل المقترح الأمريكي واستمرار المفاوضات السورية – الإسرائيلية، وترفض أن يكون التفاوض مشروطاً بأي تنازلات تتعلق بالسيادة.
وأضاف أن إفادة صادرة عن معهد دراسات الأمن القومي التابع لجامعة تل أبيب، جاءت عقب مقترح ترامب المثير للجدل بشأن تدخل سوريا في لبنان، أشارت إلى أن النشاط العسكري «غير المبرر» الذي يمارسه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في سوريا، إلى جانب غض الطرف الأمريكي عن هذه التوغلات المتكررة، يبدو أنه يهدف إلى ممارسة ضغوط على دمشق ومساومتها تحسباً لأي تسويات أو ترتيبات تتصل بقضايا الأمن الإقليمي.
وأوضح خليل أن دمشق تعتمد اليوم مقاربات تنسجم مع التوافقات الإقليمية والدولية، وتنتهج سياسة الانفتاح على العديد من القوى، حتى تلك المتباعدة في مواقفها إقليمياً ودولياً.
وأضاف أنه رغم أن «حزب الله» يشكل تحدياً للأمن القومي اللبناني والسوري، ويحتضن بقايا فلول نظام الأسد بما يشكل خطراً على سوريا، فإن دمشق منذ البداية رفضت الانجرار إلى أي صراع إقليمي لصالح أي طرف.
وأكد أن سوريا تلتزم ما وصفه بـ «الحياد الدفاعي»، الذي يضع مصالح البلاد في أعلى سلم الأولويات، وفي مقدمتها حفظ الحدود وبسط سيطرة الدولة على كامل الأراضي السورية.
ورأى أن الحديث عن تحول سوريا إلى ساحة لتصفية الصراعات الإقليمية، أو إلى ذراع أو وكيل لقوى إقليمية أو دولية في ظل التحولات التي تشهدها المنطقة، «بات من الماضي»، مؤكداً أن دمشق ترفض أن تؤدي دور «الشرطي الأمني» لأي جهة.
وأضاف أنه رغم وجود مصلحة سورية في القضاء على «حزب الله»، فإن دمشق تدرك خطورة هذا المسار، وتنتهج سياسة تنسجم مع الموقف العربي العام، ولا سيما مع دول الخليج التي رفضت الانخراط في الصراع رغم محاولات إيران وإسرائيل، بقيادة اليمين المتطرف، توسيع رقعة المواجهة وجر المنطقة إلى حرب مدمرة.
وأشار خليل إلى أن الرئيس السوري أحمد الشرع يضع في مقدمة أولوياته أهدافاً استراتيجية تتمثل في بسط نفوذ الدولة على كامل الأراضي السورية، ومعالجة الملف الأمني الداخلي، وتعزيز التحالفات الإقليمية والدولية، لافتاً إلى أن سوريا تمر بمرحلة انتقالية تحتاج إلى «التقاط الأنفاس» وإعادة بناء البيت الداخلي، بما يجنبها الانخراط في أي صراع داخلي أو خارجي.
وأضاف أن دمشق تضع اليوم تحقيق الاستقرار الداخلي في صدارة أولوياتها، وتسعى إلى أن تكون ركيزة في صناعة الاستقرار، ليس داخل سوريا فحسب، وإنما على المستوى الإقليمي أيضاً، مشيراً إلى أنها تعيد تموضعها في الخارطة الإقليمية والدولية، وتعيد تعريف نفسها بوصفها دولة عربية ومتوسطية وشريكاً في بناء الاستقرار، بعيداً عن الأدوار الوظيفية السابقة أو لعبة المحاور التقليدية والمشاريع العابرة للحدود.
وفيما يتعلق بإمكانية رفض دمشق للمقترح الأمريكي، قال خليل إن الرفض السوري كان واضحاً حتى قبل انعقاد قمة مجموعة السبع الأسبوع الماضي، موضحاً أن تقارير تحدثت حينها عن توجيه دعوة للرئيس أحمد الشرع للمشاركة في القمة، وهو ما لم يحدث، كما أن تقارير أخرى تحدثت عن زيارة مرتقبة للرئيس السوري إلى البيت الأبيض، إلا أن الحديث عن هذه الزيارة تراجع بصورة لافتة خلال الأيام الأخيرة.
وأشار إلى أن تقارير غير رسمية تحدثت عن احتمال انسحاب إسرائيلي في الجولان والعودة إلى ترتيبات اتفاق فض الاشتباك لعام 1974، لافتاً إلى أن الباحثة كارمن متفلنسي، في إفادة لمعهد دراسات الأمن القومي التابع لجامعة تل أبيب، رأت أن الأنشطة الإسرائيلية في سوريا تهدف إلى مساومة دمشق ودفعها إلى الاضطلاع بدور في التصدي لـ «حزب الله».
إلا أن دمشق، حسب خليل، وضعت خطوطاً حمراء منذ البداية، في مقدمتها رفض المساومة على السيادة السورية خلال مسار المفاوضات المتجددة مع إسرائيل، والمطالبة بانسحاب إسرائيل إلى خطوط الثامن من كانون الأول/ ديسمبر وفق اتفاقية عام 1974.
وختم بالقول إن هناك رفضاً رسمياً وشعبياً في سوريا لفكرة التدخل في لبنان، رغم وجود مصالح سورية في القضاء على «حزب الله» باعتباره يمثل تهديداً لكل من سوريا ولبنان، مؤكداً أن دمشق ترفض مقايضة استعادة الجنوب السوري بالتدخل في لبنان، وتسعى بدلاً من ذلك إلى نقل المواجهة من الميدان إلى الساحة الدولية عبر «معركة الشرعية» وبناء شبكة تحالفات إقليمية ودولية تدعم موقفها السيادي.
وكان قد نفى الرئيس السوري أحمد الشرع، خلال لقائه وفداً من وجهاء وأعيان ريف دمشق، وجود أي نية لدى دمشق للدخول إلى لبنان أو التدخل عسكرياً فيه، مؤكداً أن ما يتداول بهذا الشأن «لا يعدو كونه شائعات».

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك