في غمرة الإثارة التي يعيشها العالم مع منافسات كأس العالم لكرة القدم 2026، يقف عشاق الساحرة المستديرة أمام فراغ تركه غياب ناقدنا الكبير الأستاذ حسن المستكاوي جراء وعكته الصحية.
في هذه الأجواء تحديداً، ندرك القيمة الاستثنائية لمضمون كتاباته في" الشروق"، حيث لم يكن مجرد صحفي يرصد الأهداف، بل كان" فيلسوفاً" يفكك اللعبة، ويجعل من الرياضة مرآة للمجتمع، مستخدماً لغته" الفصحى الثالثة" الرصينة، ونقده الجاد الشجاع الممزوج بخفة ظل مصرية أصيلة وصك لتعبيرات تهكمية ذكية تلخص أعقد الأزمات.
جعل من الساحرة المستديرة محراباً لقراءة وجع المجتمع وآمال الوطن.
يغوص بقلمه في عمق القضايا، فيحارب التعصب الأعمى بصلابة الفارس، وينتقد عشوائية الإدارة بجرأة جراح يطهر الجرح دون تجريح، مستشرفاً استراتيجيات البناء والتخطيط العلمي، ومدافعاً بنبل عن الهوية الشعبية للأندية التي تمثل قلب مصر النابض.
اليوم، ونحن نرى منتخب مصر في هذا المونديال، نلمس بوضوح كيف كان لقلم المستكاوي أثر غير مجرى الأحداث، لقد تعلمت المنظومة أخيراً من أخطاء الماضي.
فبعد أن بح صوته نقدًا لعشوائية" معسكر جروزني" في كأس العالم التى نظمتها روسيا 2018، رأينا كيف أُغلق معسكر المنتخب الحالي بصرامة واحترافية.
ولم يتوقف الأثر عند الإدارة، بل امتد للهوية الفنية؛ فبعد سنوات من انتقاده للخطط الدفاعية" العقيمة"، انتفض الفراعنة ليقدموا كرة هجومية ممتعة وشجاعة ـ كما حدث في مباراتهم التاريخية أمام بلجيكاـ وهي العقلية الجريئة التي طالما نادى بها وطالب بأن تكون هوية لمصر.
هذا المونديال يبرهن أيضاً على صحة رؤيته الاستشرافية التي صاغها عقب ملحمة المغرب في قطر 2022، حيث نرى اليوم استمرار التجربة المغربية الملهمة القائمة على العلم والتخطيط.
وليس المغرب وحده، بل إن القارة السمراء انتفضت لتدافع عن كبريائها وترد بقوة في الملعب على التصريحات الساخرة والمتعجرفة لرئيس الاتحاد الأوروبي لكرة القدم ألكسندر تشيفرين، والذي زعم أن بعض مباريات المونديال الحالي لا تستحق المشاهدة بسبب كثرة عدد المنتخبات!كم كنا ننتظر قلم المستكاوي اليوم ليرد على هذا الصلف الأوروبي بأسلوبه الساخر وتهكمه اللامع، وهو يرى" كاب فيردي" تحرج إسبانيا بطلة أوروبا، ويرى أسود الأطلس يروضون السامبا البرازيلية، وفرحة مدرب بلجيكا بالتعادل مع مصر، لقد كان قلمه سيكون السوط اللاذع الذي يؤدب غرور" اليويفا" وينتصر للمستضعفين في عالم الكرة.
ولا يمكن اختزال الأستاذ حسن المستكاوي في وصف الصحفي الذي يرصد ركضة لاعب أو يحتفل بكأس؛ فهو يظل فيلسوفاً حياً يرى العالم في كرة القدم، ويجعل من الساحرة المستديرة محراباً لقراءة وجع المجتمع وآمال الوطن.
فكره الحاضر في" الشروق" أكثر بريقاً، إذ يغوص في عمق القضايا، فيحارب التعصب الأعمى بصلابة الفارس، وينتقد عشوائية الإدارة بجرأة جراح يطهر الجرح دون تجريح، مستشرفاً استراتيجيات البناء ومدافعاً بنبل عن الهوية الشعبية للأندية.
تنساب كتاباته دائماً بفصحى ثالثة تسحر الوجدان، لغة رصينة سالمة من التقعير، تجمع بين وقار الفكر وسلاسة السهل الممتنع الذي يخاطب كل الفئات، فيجد فيه المثقف عمق الرؤية، ويلمس فيه المشجع البسيط في المقهى نبض الشارع وشغفه الصادق.
وتكتمل عبقريته بقوة نقدٍ جاد وتفكيكٍ تكتيكي مبهر، يغلفه دائماً بروحه المصرية الساخرة، صاكّاً تعبيرات تهكمية ذكية تحولت إلى ماركة مسجلة باسمه، تداوي الجراح ببسالة المصلح ودعابة الصديق.
إن مدرسته الحية لا تقف عند حدود التنظير، بل هي البوصلة التي تلهم منظومتنا الكروية اليوم كيف تتعلم من عثرات الماضي وتصوب مسارها الإداري والفني نحو الاحترافية والشجاعة الهجومية.
إننا إذ نفتقد كلمات هذا القلم، نرفع الأكف بالتضرع إلى الله عز وجل أن يمنّ بالشفاء العاجل على الأستاذ حسن المستكاوي، وأن يتجاوز محنته الصحية، ليعود ويقود عقولنا برؤيته الثاقبة لمونديال 2026، ويمتعنا بقلمه الرشيق، وتعبيراته المبتكرة، وحسه الفكاهي الذي لا يعوض.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك