أشعل احتفال لاعب كرة القدم في المنتخب السويدي ياسين العياري بسجود الشكر، بعد تسجيله هدفَين في مرمى تونس، موجة واسعة من الجدال السياسي والإعلامي في السويد، بعدما تحوّل مشهد رياضي في مونديال 2026 إلى مادة جديدة في النقاش المحتدم في خلال اليومَين الماضيَين حول الهوية والانتماء والدين في المجتمع السويدي.
وأثار احتفال ياسين العياري انتقادات زعيم حزب" ديمقراطيو السويد" اليميني القومي جيمي أوكيسون، الذي رأى أنّ هذه الممارسة لا تعكس ما وصفه بالقيم السويدية، مستغلاً الحادثة لتجديد انتقاداته للإسلام ودوره في المجتمع السويدي.
وأعاد أوكيسون طرح مواقف سبق أن أثارت جدالاً، عندما قال إنّه يجد صعوبة في تصوّر أن يكون الشخص" مسلماً ملتزماً وسويدياً في الوقت نفسه".
تجدر الإشارة إلى أنّ أوكيسون يُعَدّ واحداً من أكثر سياسيي السويد تأييداً للصهيونية والاحتلال الإسرائيلي، وهو يتردّد دائماً على الأراضي الفلسطينية المحتلة، على الرغم من أنّ حزبه" ديمقراطيو السويد" اتُّهم مراراً بأنّه يضمّ شخصيات متعاطفة مع الفكر النازي وبأنّه" معادٍ للسامية"، قبل أن تجد السلطات الإسرائيلية فيه مع غيره من اليمين المتطرّف" أقرب الحلفاء".
في المقابل، واجهت هذه التصريحات موجة انتقادات من شخصيات أكاديمية وثقافية وإعلامية.
وكان من أبرز المنتقدين الكاتب واللاهوتي السويدي المعروف جويل هالدورف، الذي وصف تصريحات أوكيسون بأنّها" هراء"، مضيفاً أنّ المنتخب السويدي بتنوّع خلفيات لاعبيه يمثّل الصورة الحقيقية للمجتمع السويدي المعاصر.
ورأى هالدورف أنّ سجدة ياسين العياري لم تكن سوى تعبير شخصي عن الامتنان بعد إنجاز رياضي، لكنّها تحوّلت في نظر بعض من الناس إلى رمز أوسع يعكس حضور مواطنين سويديين من خلفيات دينية وثقافية متنوّعة في الفضاء العام.
وقال إنّ مشهد لاعب يرتدي ألوان المنتخب السويدي ويسجد شكراً لله، بعد تسجيله هدفَين، يجسّد ما وصفه بـ" الإسلام الأزرق والأصفر"، في إشارة إلى ألوان العلم السويدي.
وُلد ياسين العياري في مدينة سولنا، إلى الشمال من استكهولم، في عام 2003، وهو من أصول تونسية ومغربية.
فوالده تونسي، فيما تعود أصول والدته إلى المغرب، وقد نشأ في السويد ومثّل كلّ الفئات العمرية للمنتخب السويدي قبل انضمامه إلى المنتخب الأول.
وفي مباراة السويد وتونس الأخيرة في بطوبة كأس العالم لعام 2026، لفت العياري الانتباه إلى امتناعه عن الاحتفال بهدفه الأول في مرمى تونس، احتراماً لجذوره العائلية التونسية قبل أن يحتفل لاحقاً بهدفه الثاني.
وانتشر السجال بخصوص سجدة ياسين العياري سريعاً على مواقع التواصل الاجتماعي، فانقسمت التعليقات بين منتقدين رأوا أنّ الاحتفال الديني لا مكان له في الرياضة، وبين مؤيّدين رأوا أنّ اللاعب مارس حقاً شخصياً لا يختلف عن قيام رياضيين مسيحيين برسم إشارة الصليب أو رفع الصلوات بعد تسجيل الأهداف.
كذلك دافع عدد من السويديين عن ياسين العياري، مع الإشارة إلى أنّ الانتماء الوطني لا يتعارض مع المعتقد الديني.
ولفت معلقون إلى أنّ لاعبين من مختلف الرياضات اعتادوا التعبير عن معتقداتهم الدينية علناً، من دون أن يثير ذلك اعتراضات مماثلة، متسائلين عن سبب تحوّل سجود لاعب مسلم إلى قضية جدلية وفرصة لمهاجمة مجموعة محدّدة من مواطني السويد.
ويأتي الجدال في وقت يُقدَّر فيه عدد المسلمين في السويد بما بين 800 ألف ومليون شخص، أي نحو 8 إلى 10% من مجموع عدد السكان، الأمر الذي يجعلهم أكبر أقلية دينية في البلاد، في حين تحفظ القوانين السويدية مبدأ حرية المعتقد والمساواة بين المواطنين بغضّ النظر عن خلفياتهم الدينية أو الثقافية.
وترى شخصيات ثقافية وأكاديمية أنّ الجدال يتجاوز كرة القدم ليعكس نقاشاً أوسع حول الهوية السويدية في بلد بات أكثر تنوّعاً دينياً وثقافياً.
بالنسبة إلى تلك الشخصيات، فإنّ المدارس والمستشفيات والبلديات وأماكن العمل في السويد تشهد يومياً تعاوناً طبيعياً بين أشخاص من خلفيات دينية مختلفة، ومن جهته يعكس المنتخب الوطني هذا الواقع الاجتماعي أكثر ممّا يعكسه الخطاب السياسي الاستقطابي.
ويشير المدافعون عن ياسين العياري إلى أنّ المنتخب السويدي يضمّ لاعبين من أصول وخلفيات متعدّدة، يجمعهم هدف واحد هو تمثيل البلاد رياضياً، مضيفين أنّ نجاح الفريق وتنوّعه يمثّلان نموذجاً لوحدة المجتمع أكثر من كونهما سبباً للانقسام.
وبينما يواصل اليمين القومي في السويد توظيف قضايا الهوية والهجرة والدين في النقاش السياسي، يرى منتقدوه أنّ قضية ياسين العياري أظهرت مجدّداً الفجوة ما بين خطاب الإقصاء الذي يربط الوطنية بخلفية ثقافية أو دينية محدّدة وبين رؤية أوسع ترى أنّ المواطنة والانتماء لا يتعارضان مع التنوّع الديني وكذلك الثقافي.
وفي نهاية المطاف، تحوّلت سجدة لاعب شاب بعد هدفَين في مباراة كرة قدم إلى رمز لنقاش أعمق في داخل السويد حول معنى الهوية الوطنية وحدود التعددية في مجتمع يتغيّر باستمرار.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك