نواكشوط –«القدس العربي»: عاد ملف المواطنين الموريتانيين، وغالبهم من الأقليات الزنجية الموريتانية الذين لم يتمكنوا من التسجيل في منظومة الحالة المدنية البيومترية، إلى واجهة النقاش السياسي والبرلماني في موريتانيا بعد أن خصصت الجمعية الوطنية جلسة مساءلة لوزير الداخلية وترقية اللامركزية والتنمية المحلية، محمد أحمد ولد محمد الأمين، حول ما تصفه المعارضة الناشطة في الدفاع عن الزنوج، باستمرار العراقيل التي تحول دون حصول آلاف المواطنين على وثائقهم المدنية.
وجاءت الجلسة بطلب من النائبة المعارضة كادياتا مالك جالو، التي دافعت في سؤال شفهي مع نقاش يتعلق بملف التسجيل والإشكالات التي ما تزال، بحسبها، تمنع مواطنين موريتانيين من الولوج إلى السجل الوطني للسكان والحصول على الوثائق المدنية الأساسية.
ويُعد هذا الملف من أكثر القضايا حساسية في المشهد الموريتاني منذ إطلاق نظام الحالة المدنية البيومتري مطلع العقد الماضي، نظراً لتداخله مع قضايا الهوية والانتماء الوطني والتوازنات الاجتماعية والعرقية في بلد متعدد المكونات.
وقد تحوّلت قضية الموريتانيين غير المسجلين في سجلات الحالة المدنية البيومترية خلال السنوات الأخيرة من ملف إداري وتقني إلى قضية سياسية بامتياز، تبنّتها أحزاب ومنظمات معارضة باعتبارها مرتبطة بحقوق المواطنة والمساواة أمام القانون، فيما جعلتها بعض الحركات المدافعة عن حقوق الزنوج الموريتانيين عنواناً لمطالبها المتعلقة بالهوية والتمثيل والإنصاف.
وفي المقابل، تؤكد السلطات أن الإشكال يتجاوز البعد الحقوقي إلى اعتبارات سيادية وأمنية مرتبطة بحماية السجل السكاني الوطني، في ظل الحدود المفتوحة والتداخل العرقي والاجتماعي مع دول الجوار، خاصة السنغال ومالي، وما يرافق ذلك من مخاوف رسمية من تسلل أجانب إلى منظومة الحالة المدنية والحصول لاحقاً على وثائق موريتانية تتيح لهم التمتع بحقوق المواطنة والتجنيس.
وبين هذين المنظورين، ظل الملف أحد أكثر القضايا حساسية في النقاش الوطني، لما يثيره من أسئلة تتعلق بالتوازن بين ضمان حق المواطنين في الوثائق المدنية وحماية الدولة لهويتها القانونية وسجلها السكاني.
وتعود جذور الأزمة إلى عملية إصلاح واسعة للحالة المدنية أطلقتها الدولة بهدف تأمين الوثائق الرسمية ومكافحة التزوير وتحديث قاعدة البيانات الوطنية، غير أن العملية أثارت منذ بدايتها شكاوى متكررة من مواطنين، خصوصاً في بعض المناطق الحدودية والأوساط الزنجية الموريتانية، تحدثوا عن صعوبات في إثبات الجنسية أو استكمال إجراءات التسجيل.
ويؤكد أصحاب هذه الشكاوى أن غياب الوثائق المطلوبة أو وجود أخطاء في السجلات القديمة حرم فئات من المواطنين من الحصول على بطاقات التعريف الوطنية وجوازات السفر وشهادات الميلاد، ما انعكس على حقهم في التعليم والعمل والتنقل والاستفادة من الخدمات العامة.
في المقابل، ترى السلطات أن الملف يرتبط أساساً بضرورة التحقق الدقيق من الهوية الوطنية ومنع أي تسلل محتمل لغير الموريتانيين إلى السجل المدني.
وتكتسب هذه القضية حساسية خاصة بحكم الموقع الجغرافي لموريتانيا وحدودها الطويلة مع كل من مالي والسنغال، حيث امتدادات قبلية وعائلية وإثنية عابرة للحدود.
وتقول السلطات الموريتانية إن التشدد في إجراءات التحقق من الهوية يهدف إلى حماية السجل الوطني للسكان ومنع تجنيس أو تسجيل أشخاص لا يحملون الجنسية الموريتانية أصلاً، خاصة في ظل تشابه الأسماء واللغات والانتماءات الاجتماعية بين سكان المناطق الحدودية.
وترى منظمات حقوقية وبعض قوى المعارضة أن هاجس مكافحة التسلل الأجنبي لا ينبغي أن يؤدي إلى حرمان مواطنين موريتانيين فعليين من حقوقهم المدنية الأساسية أو إطالة معاناتهم الإدارية لسنوات.
وخلال رده أمام النواب، أكد وزير الداخلية محمد أحمد ولد محمد الأمين، أن الحكومة انتقلت إلى مقاربة جديدة لمعالجة الإشكال، حيث أنشأت 238 لجنة محلية على مستوى جميع بلديات البلاد، وتم تعيينها منذ نهاية سبتمبر الماضي، مع استكمال مختلف الترتيبات الفنية والإدارية اللازمة لبدء عملها.
وأكد أن هذه اللجان حققت، وفق الأرقام الرسمية، نتائج ميدانية مهمة، حيث تمكنت من تسجيل 36 ألفاً و516 مواطناً جديداً خلال أقل من سنة، بعد دراسة عشرات آلاف الملفات المتعلقة بأشخاص لم يكونوا مدرجين في السجل الوطني للسكان.
واعتبر الوزير أن هذه الأرقام تمثل دليلاً على فعالية الآلية الجديدة وقدرتها على معالجة الإشكالات المتراكمة التي ظلت مطروحة منذ سنوات.
وشدد الوزير على أن الإصلاح الجديد يمثل تحولاً نوعياً في فلسفة التعاطي مع الملف، موضحاً أن التسجيل السكاني لم يعد مرتبطاً بحملات مؤقتة تنتهي بانتهاء آجال محددة، بل أصبح خدمة عمومية مستمرة ومفتوحة بشكل دائم.
وبحسب الوزير، فإن أي مواطن تتوفر فيه الشروط القانونية ولم يسبق له التسجيل يمكنه التوجه إلى المراكز المختصة، حيث تتولى اللجان المحلية التحقق من هويته ودراسة ملفه واتخاذ القرار المناسب بشأن إدراجه في السجل الوطني للسكان.
وأضاف أن الهدف من هذه المقاربة هو إنهاء معاناة المواطنين الذين لم يتمكنوا من التسجيل خلال المراحل السابقة، وضمان حصول كل مستحق على وثائق الحالة المدنية المؤمنة وفق إجراءات قانونية وشفافة.
بين المقاربة الأمنية والحقوقيةوتعكس المناقشات البرلمانية حول الملف استمرار التباين بين رؤيتين مختلفتين لمعالجة القضية؛ فمن جهة، تؤكد الدولة على ضرورة المحافظة على مصداقية السجل المدني باعتباره إحدى ركائز الأمن القانوني والسيادة الوطنية، خصوصاً في بيئة إقليمية تشهد تحركات سكانية متزايدة وتحديات أمنية متنامية في منطقة الساحل.
ومن جهة أخرى، تدعو المعارضة ومنظمات حقوق الإنسان إلى تبسيط الإجراءات وتسريع معالجة الملفات العالقة وتوفير ضمانات أكبر للمواطنين الذين يواجهون صعوبات في إثبات هويتهم، مع التأكيد على أن الحق في الوثائق المدنية يعد مدخلاً أساسياً للتمتع ببقية الحقوق الدستورية.
ورغم الأرقام التي قدمتها الحكومة بشأن تسجيل عشرات الآلاف من المواطنين خلال الأشهر الماضية، فإن إثارة القضية مجدداً تحت قبة البرلمان تشير إلى أن الملف لا يزال مفتوحاً، وأن الجدل حول التوازن بين حماية الهوية الوطنية وضمان حق جميع المواطنين في التسجيل المدني سيظل حاضراً في النقاش العمومي الموريتاني خلال المرحلة المقبلة.
فبينما ترى الحكومة أن الآليات الجديدة بدأت تؤتي ثمارها، تصر أطراف معارضة وحقوقية على أن نجاح الإصلاح لن يقاس بعدد المسجلين فقط، بل بمدى تمكن جميع الموريتانيين، دون استثناء، من الحصول على اعتراف إداري كامل بمواطنتهم وحقوقهم المدنية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك