تترقب الأسواق خلال الفترة المقبلة تنفيذ منظومة جديدة لدعم الخبز تعتمد على التحول من الدعم العيني إلى الدعم النقدي، في خطوة تهدف إلى إعادة تنظيم آليات تقديم الدعم وضمان وصوله بشكل أكثر كفاءة إلى المواطنين.
إلا أن الإعلان عن التغيير المنتظر أثار العديد من التساؤلات بين المستهلكين وأصحاب المخابز، خاصة فيما يتعلق بتكلفة الإنتاج، وجودة الرغيف، وطريقة تسعيره، ومدى قدرة المخابز على الاستمرار في ظل ارتفاع أسعار مدخلات الإنتاج.
وفي الوقت الذي تؤكد فيه الحكومة أن المنظومة الجديدة تستهدف تطوير قطاع الخبز وتحقيق التوازن بين حقوق المواطن واستدامة عمل المخابز، يرى بعض العاملين في القطاع أن هناك تفاصيل فنية تحتاج إلى حسم قبل بدء التطبيق، أبرزها نوعية الدقيق المستخدم، وحرية اختيار المطاحن، إلى جانب آليات التعامل مع ارتفاع الأسعار العالمية للقمح والطاقة.
مخاوف من اختلاف جودة الدقيق وتأثيره على المنافسةأكد عدد من ممثلي قطاع المخابز أن طبيعة العمل لن تتغير بشكل كبير مع تطبيق منظومة الدعم النقدي، لكن هناك تحديات مرتبطة بتوحيد سعر بيع الرغيف رغم اختلاف نوعية الدقيق المستخدم في الإنتاج.
وأوضح أحد أعضاء شعبة المخابز باتحاد الصناعات أن هناك فارقاً واضحاً بين أنواع الدقيق، وهو ما قد ينعكس على جودة الرغيف النهائي.
وأشار إلى أن الخبز الحر المصنوع من دقيق استخراج 72% يتم بيعه حالياً بسعر يبلغ نحو جنيه ونصف للرغيف، بوزن يتراوح بين 60 و70 جراماً، بينما تشير التوجهات الجديدة إلى بيع الخبز المدعم بالسعر نفسه تقريباً رغم إنتاجه من دقيق استخراج 87.
5%.
ويرى أصحاب المخابز أن هذه النقطة تحتاج إلى دراسة دقيقة، لأن اختلاف نوعية الدقيق قد يؤدي إلى تفاوت في جودة المنتج، وهو ما يطرح تساؤلاً حول قدرة المخابز على المنافسة إذا تم بيع أنواع مختلفة من الخبز بالسعر نفسه.
خفض وزن الرغيف يثير مخاوف المستهلكينمن أبرز الملفات التي أثارت الجدل خلال الفترة الأخيرة ملف وزن رغيف الخبز المدعم، بعد تصريحات وزير التموين بشأن خفض الوزن من 90 جراماً إلى 70 جراماً ضمن المنظومة الجديدة.
ويأتي هذا القرار بعد سلسلة من التخفيضات التي شهدها وزن الرغيف خلال السنوات الماضية.
ففي عام 2014 تم خفض وزن الرغيف المدعم بنحو 20 جراماً ليصل إلى 110 جرامات بدلاً من 130 جراماً، ثم شهد عام 2020 خفضاً جديداً ليصل الوزن إلى 90 جراماً، مع استمرار سعر الرغيف عند خمسة قروش في ذلك الوقت.
وفي عام 2024 تم رفع سعر رغيف الخبز المدعم إلى 20 قرشاً مع الإبقاء على وزنه عند 90 جراماً، بينما تتجه المنظومة الجديدة إلى تقليل الوزن مرة أخرى ليصل إلى 70 جراماً.
ويرى بعض أصحاب المخابز أن تقليل وزن الرغيف قد يؤثر على جودة المنتج، مقترحين بديلاً يتمثل في الحفاظ على وزن أكبر للرغيف مع تقليل عدد الأرغفة المخصصة لكل مواطن، بحيث يتم تحقيق التوازن بين الحفاظ على الجودة وترشيد الدعم.
مطالب بتحرير سوق الدقيق أمام المخابزومن بين المطالب الرئيسية التي يرفعها قطاع المخابز ضرورة إعادة النظر في منظومة توزيع الدقيق، بحيث يتم تحريرها بالتزامن مع تطبيق النظام الجديد للخبز.
ويرى عدد من أصحاب المخابز أن إجبار المخابز على شراء الدقيق من مطاحن محددة قد يحد من قدرتها على تحسين جودة الإنتاج، مطالبين بمنح كل مخبز حرية اختيار نوعية الدقيق المناسبة من بين عدة موردين.
وقال محسن بركات، العضو السابق بالشعبة العامة للمخابز، إن بعض المخابز تعمل حالياً وفق نظام يلزمها بالتعامل مع مطاحن معينة بناءً على قرارات تنظيمية، لكن المرحلة الجديدة تحتاج إلى تغيير هذا الأسلوب، بحيث يستطيع كل مخبز اختيار الدقيق الذي يحقق أفضل جودة ممكنة.
وأشار إلى أن جودة الدقيق لا تعتمد فقط على المواصفات الرسمية، بل ترتبط أيضاً بنوعية القمح المستخدم، وهو عامل أساسي يؤثر على طعم الخبز وشكله وقدرته على جذب المستهلك.
ارتفاع تكاليف الإنتاج وتأثيرها على أسعار الخبزتظل تكلفة الإنتاج من أكبر التحديات أمام تطبيق المنظومة الجديدة، خاصة مع ارتفاع أسعار الطاقة والخامات المستخدمة في صناعة الخبز.
وأوضح مصدر في الشعبة العامة للمخابز أن قائمة التكاليف التي تم إعدادها وعرضها على وزارة التموين جاءت أعلى بكثير من التكلفة الحالية، بسبب الزيادة الكبيرة في أسعار مختلف عناصر الإنتاج.
ومن أبرز الزيادات المتوقعة ارتفاع تكلفة الطاقة، حيث ستتعامل المخابز مع أسعار أكثر ارتباطاً بالسوق الحرة، إلى جانب ارتفاع أسعار الخميرة وباقي مستلزمات التشغيل.
وأشار المصدر إلى أن سعر الغاز الطبيعي المستخدم في المخابز سيشهد زيادة كبيرة مقارنة بالأسعار القديمة، كما سترتفع تكلفة الخميرة وغيرها من المواد الداخلة في الإنتاج، ما يتطلب إعادة احتساب تكلفة الرغيف بشكل واقعي.
وفي المقابل، تم الاتفاق على زيادة هامش ربح المخابز ليصل إلى نحو 30 جنيهاً لجوال الدقيق زنة 50 كيلوغراماً بدلاً من 9 جنيهات سابقاً، بهدف ضمان استمرار النشاط وعدم اضطرار أصحاب المخابز للبحث عن وسائل أخرى لتعويض ارتفاع التكاليف.
تقلبات أسعار القمح العالمية.
تحدٍ أمام التسعيريرى العاملون في القطاع أن تحديد سعر الخبز يحتاج إلى وضع آلية مرنة تأخذ في الاعتبار تغيرات الأسواق العالمية، خاصة أن القمح يعد العنصر الأساسي في صناعة الخبز.
وأوضح ممثلو الشعبة أن الأزمات العالمية، مثل الحرب الروسية الأوكرانية عام 2022، تسببت في ارتفاع أسعار القمح عالمياً إلى مستويات قياسية، وهو ما يؤكد ضرورة ربط حساب التكلفة بالأسعار الحقيقية للمدخلات.
وتحتاج مصر سنوياً إلى نحو 10 ملايين طن من القمح لتوفير احتياجات منظومة الخبز المدعم، يتم توفير جزء منها من الإنتاج المحلي، بينما يتم استيراد الكميات المتبقية من الأسواق الخارجية.
موعد تطبيق المنظومة الجديدةوفقاً لتصريحات ممثلي شعبة المخابز، من المتوقع أن تبدأ المرحلة الأولى من تطبيق المنظومة الجديدة مع بداية العام المالي المقبل في شهر يوليو، بالتعاون مع نحو 30 ألف مخبز.
ومن المنتظر أن يبدأ التطبيق بشكل تدريجي في بعض المحافظات الأقل من حيث الكثافة السكانية، ثم يمتد إلى باقي المحافظات حتى يشمل الجمهورية بالكامل.
وتتضمن المنظومة الجديدة تقديم حوافز للمواطنين والمخابز، حيث يدفع المواطن قيمة الرغيف وفق النظام الجديد، بينما يحصل على قيمة الدعم المخصص له من الدولة.
كما شكلت وزارة التموين لجنة جديدة لمتابعة شكاوى أصحاب المخابز ودراسة المقترحات المتعلقة بالمنظومة الحالية والجديدة، مع اتجاه لتحرير المخابز من الارتباط الإجباري بمطاحن محددة.
يبقى التحول إلى منظومة الدعم النقدي للخبز خطوة تحمل العديد من التحديات والفرص في الوقت نفسه.
فبينما تسعى الدولة إلى تطوير منظومة الدعم وتحقيق كفاءة أكبر في إدارة الموارد، يترقب المواطنون وأصحاب المخابز تفاصيل التنفيذ التي ستحدد شكل المرحلة المقبلة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك