تواجه مصفاة الزور الكويتية، التي تُصنَّف بوصفها أحدث وأكبر منشأة تكريرية في البلاد، بطاقة تصميمية تبلغ 615 ألف برميل يومياً، خفضاً اضطرارياً حاداً في عملياتها التشغيلية ليصل إلى نحو 50% من قدرتها الاستيعابية، نتيجة تداعيات توقف حركة الملاحة البحرية لفترة طويلة وامتلاء الوحدات التخزينية عقب اضطرابات في مضيق هرمز.
ما سلّط الضوء على تأثير خفض التشغيل في الهوامش الربحية المستهدفة لمشروع بتروكيماويات الزور، وكيفية معالجة الكويت لهذه التداعيات.
وقاد انخفاض التشغيل مجمل إنتاج التكرير الكويتي (باستثناء الغاز المسال) إلى الهبوط عند مستوى 627 ألف برميل يومياً في مارس/ آذار الماضي، وهو أدنى مستوى يُسجَّل منذ أكتوبر/ تشرين الأول 2022، بعدما بلغ الإنتاج ذروته التاريخية عند 1.
31 مليون برميل يومياً في فبراير/ شباط.
ما دفع مؤسسة البترول الكويتية إلى إعلان حالة القوة القاهرة لعدم قدرتها على تلبية التزاماتها التعاقدية، بحسب تقرير نشرته" أرغوس ميديا" (Argus Media)، المتخصصة في شؤون الطاقة والسلع العالمية، في 10 يونيو/ حزيران الجاري.
إعادة جدولة شحنات مصفاة الزوروفي هذا الإطار، يشير الباحث المختص بشؤون الطاقة عامر الشوبكي إلى أن خفض تشغيل مصفاة الزور خطوة دفاعية ضرورية وليست خياراً تجارياً مثالياً، إذ إن المشكلة لا تتعلق بكفاءة المصفاة أو جودة منتجاتها، بل بتكدس المنتجات المكررة نتيجة تعطل حركة الناقلات وإغلاق مضيق هرمز.
ومع تراكم المنتجات في الخزانات، يصبح خفض التشغيل إلى 50% إجراءً ضرورياً لتفادي الاختناقات أو التوقف الاضطراري.
ما يعني أن الكويت تواجه أزمة تصريف ولوجستيات أكثر من كونها أزمة إنتاج، إذ يؤدي ذلك إلى عدم استغلال أكثر من 300 ألف برميل يومياً من الطاقة التصميمية، ما يضغط على الهوامش الربحية عبر ارتفاع التكاليف الثابتة وتراجع كميات المنتجات المتاحة.
ويضيف الشوبكي أن مصفاة الزور مشروع تكاملي بين التكرير والبتروكيماويات، وبالتالي فإن انخفاض التشغيل ينعكس سلباً على القيمة المضافة ويؤخر تحقيق العوائد المستهدفة، ويؤكد أن المعالجة تتطلب ثلاث مراحل، تبدأ بإدارة مرنة للتشغيل لتجنب الاختناق التخزيني.
وتشمل الحلول إعادة جدولة الشحنات والاستفادة من مراكز التخزين الخارجية، فضلاً عن تصدير الفائض حتى لو بهوامش ربح أقل، بينما تتطلب المرحلة الاستراتيجية تطوير بنى تحتية تخزينية وتسويقية خارجية، وتقليل الاعتماد على مضيق هرمز، إذ تكشف الأزمة أن قوة المصفاة تكمن في قدرة الدولة على تصريف منتجاتها في الأزمات.
وترى الباحثة كارين يونغ، من مركز سياسات الطاقة العالمية بجامعة كولومبيا، أن الكويت ودول الخليج ستواجه علاوة مخاطر جيوسياسية إضافية تؤثر على جاذبية الاستثمار الأجنبي، وتشير إلى أن متطلبات الاقتراض لدول مجلس التعاون تضاعفت لتصل إلى 3.
5 مليارات دولار أسبوعياً منذ بداية الأزمة، بحسب تحليل نشرته منصة" إندكس بوكس" (IndexBox) في التاسع من يونيو الجاري.
وتضيف يونغ أن الأزمة ستدفع دول الخليج إلى تبني استراتيجيات بعيدة المدى، تشمل تطوير بنى تحتية احتياطية، وزيادة الإنفاق الدفاعي لحماية المنشآت الحيوية، وتوسيع نطاق الاستثمارات جغرافياً.
وتخلص يونغ إلى أن مستقبل الأمن الاقتصادي والطاقة في الخليج سيتطلب إعادة هيكلة شاملة تقوم على تنويع البنى التحتية التشغيلية، وتعزيز الحماية الأمنية، وتوسيع الاستثمارات خارج نطاق المخاطر الإقليمية المباشرة.
ويُظهر تتبع حركة المنتجات النفطية تراجعاً حاداً في الإنتاج والتصدير خلال أزمة مارس/ آذار مقارنة بمتوسط عام 2025؛ إذ هبط إنتاج وقود الطائرات والكيروسين بنسبة 58% ليصل إلى 110 آلاف برميل يومياً، وتراجعت صادراته بنحو 78% لتستقر عند 57 ألف برميل يومياً.
كما انخفض إنتاج الديزل (زيت الغاز) بنسبة 45% ليسجل 180 ألف برميل يومياً، وهبطت صادراته بنسبة 63% لتصل إلى 106 آلاف برميل يومياً.
بينما سجل زيت الوقود تراجعاً في الإنتاج بنسبة 17% ليصل إلى 206 آلاف برميل يومياً، مع انخفاض صادراته بنسبة 32% إلى 87 ألف برميل يومياً، في حين سجّلت النفثا التراجع الأعمق في الإنتاج بنسبة 73% لتبلغ 53 ألف برميل يومياً، وتراجعت صادراتها بنسبة 59% لتصل إلى 67 ألف برميل يومياً، بحسب تقديرات منصة" ديسكفري أليرت" (Discovery Alert)، المتخصصة في تحليل أسواق النفط والأمن الجيوسياسي، في 22 مايو/ أيار الماضي.
وأدى هذا الانسداد الملاحي إلى تراجع صادرات المشتقات النفطية الكويتية بأكثر من 60% مقارنة بمتوسطات العام الماضي، ما تسبب في تراكم كميات كبيرة من المنتجات عالية الجودة، ووضع مصفاة الزور أمام ضغوط تخزينية غير مسبوقة تهدد سلامة المنتجات وصلاحيتها الفنية مع مرور الوقت.
ولمعالجة هذا التراكم، اعتمدت مؤسسة البترول الكويتية حزمة تدابير شملت إعادة توجيه أسطول ناقلاتها إلى المياه الإقليمية وتفريغ الخزانات المتاحة لتعظيم القدرة الاستيعابية قبل تفاقم الأزمة.
كما استفادت الكويت من مرونة مستودعات مصفاة الزور الضخمة التي تضم 66 خزّاناً بسعة تصل إلى 17 مليون برميل، على مساحة تمتد إلى أربعة كيلومترات مربعة، لامتصاص الفائض التشغيلي المؤقت، ونجحت في تأسيس نظام تبادل وتجارة بينية مع دول مجلس التعاون الخليجي، حيث جرى تصدير منتجات المصفاة إلى السعودية والإمارات وقطر والبحرين، بالتوازي مع استيراد الغاز الطبيعي المسال القطري لتأمين احتياجات محطات الطاقة المحلية دون اللجوء إلى تسييل المنتجات المكررة، بحسب دراسة نشرها مركز سياسات الطاقة العالمية بجامعة كولومبيا (Center on Global Energy Policy at Columbia University) في 19 مارس الماضي.
غير أن أثر خفض التشغيل إلى 50% يمتد ليضغط على الهوامش الربحية لمشروع بتروكيماويات الزور المتكامل، المصمم لإنتاج المواد العطرية والبولي بروبيلين بطاقة 2.
76 مليون طن سنوياً، إضافة إلى 1.
7 مليون طن من وقود السيارات.
إذ أدى تراجع طاقة التكرير إلى تقليص إمدادات لقيم النفثا الأساسي لعمليات التكسير البتروكيماوي بنسبة 73% لتصل إلى 53 ألف برميل يومياً، ما يحرم وحدات البتروكيماويات من مدخلاتها الحيوية ويقوّض مزايا التكامل الهيكلي بين المصفاة والمجمع، والتي كان يُتوقع أن تحقق وفورات تشغيلية سنوية تُقدَّر بنحو 30 مليون دولار.
ولمعالجة الاختناق الجغرافي الذي فرضته أزمة هرمز، بحثت مؤسسة البترول الكويتية مع السعودية والإمارات إمكانية الاستفادة من خطوط الأنابيب البديلة لتصريف جزء من الكميات، وتركزت المحادثات على ربط الحقول الكويتية بالشبكات الإقليمية، خصوصاً خط أنابيب" شرق – غرب" السعودي الممتد بطول 1200 كيلومتر من بقيق إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر بطاقة سبعة ملايين برميل يومياً، وخط" أدكوب" الإماراتي الواصل إلى ميناء الفجيرة خارج المضيق بطاقة تراوح بين 1.
5 و1.
8 مليون برميل يومياً.
غير أن هذه الحلول تواجه عوائق فنية وأمنية، إذ تبقى موانئ التصدير عرضة للمخاطر، حيث تعرّض ميناء الفجيرة لعدة هجمات وميناء ينبع لهجوم واحد خلال الحرب، إضافة إلى تضرر إحدى محطات الضخ في خط شرق – غرب بطائرة مسيّرة، ما أدى إلى خفض طاقته مؤقتاً بنحو 700 ألف برميل يومياً.
كما أن إصلاح منشآت الضغط والتصدير المتضررة يستغرق وقتاً أطول مقارنة بإصلاح الأنابيب التقليدية، فضلاً عن الكلفة العالية لإنشاء وصلات كويتية جديدة وتخصيص هذه الخطوط للنفط الخام دون المنتجات المكررة، بحسب تقرير نشرته منصة" إنرجي نيوز بيت" (Energy News Beat) في التاسع من يونيو الجاري.
وعند إعادة فتح مضيق هرمز بعد توقيع مذكرة التفاهم الأميركية الإيرانية، تشير التوقعات إلى أن تعافي قطاع التكرير الكويتي، بما في ذلك مصفاة الزور، سيكون أسرع من تعافي قطاع المنبع.
إذ تتوقع الخطط الجيولوجية لآبار الإنتاج أن يستغرق استرجاع 70% من الطاقة الإنتاجية للنفط الخام (نحو 1.
82 مليون برميل يومياً) فترة تراوح بين ستة وثمانية أسابيع، فيما تحتاج النسبة المتبقية إلى ثلاثة – أربعة أشهر للعودة إلى مستوياتها الكاملة عند 2.
6 مليون برميل يومياً، بحسب" ديسكفري أليرت" في الرابع من يونيو الجاري.
لكن هذه التقديرات تتعارض مع تقديرات وكالة الطاقة الدولية، التي تشير إلى أن التطبيع الكامل لحركة الملاحة وتطهير الممرات المائية في الخليج قد يستغرق ما بين ستة وثمانية أشهر من تاريخ التوصل إلى اتفاق شامل لوقف الأعمال العدائية، بحسب دراسة نشرها مركز لاهاي للدراسات الاستراتيجية (The Hague Centre for Strategic Studies) في 11 يونيو الجاري.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك