تتكرر ظواهر الطقس المتطرفة الناتجة من التحول المناخي في ليبيا، من سيول وفيضانات، إلى العواصف الترابية، وارتفاع درجات الحرارة، بينما تتجاهل السلطات دراستها بجدية.
تتجاوز مظاهر التغير المناخي الذي تشهده ليبيا الوقائع الاستثنائية، ما يلفت انتباه الكثير من النشطاء والخبراء الذين حذروا من مغبة التجاهل الرسمي في حين تتكرر موجات الحر والعواصف الترابية على المناطق الساحلية، والسيول في مناطق الجنوب.
وتعد الكارثة التي خلفها الإعصار دانيال في مدينة درنة (شرق)، في سبتمبر/أيلول 2023، أبرز مظاهر الخطر الناتج من التغير المناخي، كما ضربت سيول وفيضانات عارمة مناطق الجنوب خلال الأعوام الثلاثة الماضية، في تغير مثير للدهشة كونها مناطق صحراوية جافة تعد من أقل مناطق العالم تسجيلاً للأمطار، وآخرها سيول اجتاحت مناطق تهالة وغات والبركت قبل أسبوعين، وتسبب في غرق أحياء كاملة.
وسجلت مراكز الرصد الجوي المحلية طيلة العامين الماضيين ارتفاعاً لافتاً في درجات الحرارة على مناطق الساحل التي كانت معروفة بأجواء معتدلة، وكذلك موجات من العواصف الترابية والرملية، أحدثها العاصفة التي اجتاحت الساحل الشرقي، وخفضت مستوى الرؤية إلى حد إعلان حالة الطوارئ.
وعلى مدار عام 2024، شهدت مدينة زليتن ارتفاع منسوب المياه الجوفية، وترتب على ذلك غمر منازل وأراض زراعية وطرق ومرافق عامة، ما تسبب في هجرة سكان أجزاء من المدينة، وتزامن ذلك مع انتشار واسع لظاهرة التشققات الأرضية في العديد من مناطق جنوبي العاصمة طرابلس، واتساعها وعمقها بشكل لافت للانتباه.
وفي مقابل كل هذا لم تُبد السلطات في ليبيا أي اهتمام بالرصد أو دراسة الأسباب، باستثناء تشكيل لجان علمية لدراسة ظاهرة التشققات الأرضية خلال الأشهر الماضية، من دون أن تعلن أي نتائج.
ويرجح الناشط البيئي أبو بكر بوشحيمة، ألا تعلن نتائج هذه اللجان، كما لم تعلن نتائج لجان حكومية شكلت لدراسة ظاهرة النيران التي شبت في منازل منطقة الأصابعة.
وينحصر حضور الحكومتين الليبيتين في الوقائع المتصلة بالظواهر المناخية المستجدة، إذ تعلن حالة الطوارئ لمتابعة تداعياتها وتقديم العون الطبي أو الإغاثي.
لكن بوشحيمة يؤكد لـ" العربي الجديد"، أن" الظواهر المناخية بدأت تأخذ حيزاً من اهتمام المواطنين، مستشهداً بانتشار العديد من الصفحات على مواقع التواصل الاجتماعي التي تنقل مستجدات النشرات الجوية، وما تصدره المراكز الفلكية حول ظاهرة إلنينيو، ومطابقتها للواقع الليبي، رغم ابتعاد مناطق حدوث هذه الظاهرة جغرافياً عن النطاق الليبي".
ويوضح الناشط الليبي أن" النشرات الجوية اليومية باتت أكثر حضوراً في وسائل الإعلام المحلية، بينما تكرار ظواهر مثل السيول أو تساقط الأمطار في غير موسمها يحتم على الخبراء الأكاديميين القيام بواجبهم حيالها".
ويتفق معه أستاذ الدراسات المناخية سليمان الزحاف، مؤكداً أن" جهود الخبراء الليبيين متفرقة، وتظهر في شكل أوراق بحثية تصدر بالجهود الذاتية رغم النقص الحاد في الإمكانات لدى مختلف الباحثين"، ويلفت إلى أن" المراكز البحثية المتخصصة في دراسة الظواهر المناخية، مثل الزحف الصحراوي وغيرها، ضرورة في ظل المستجدات المناخية، لكن هذه المراكز شبه معطلة بسبب ضعف الدعم".
ويشرح الزحاف لـ" العربي الجديد"، أن التغير المناخي الذي تمر به منطقة شمال أفريقيا من بين أبرز أسبابه" ارتفاع متوسط درجات الحرارة الذي يؤدي إلى زيادة الطاقة المختزنة في الغلاف الجوي والبحار، وينعكس ذلك في صورة ظواهر أكثر تطرفاً، سواء كانت الأمطار الغزيرة، أو موجات الحر، أو العواصف، ومنطقة البحر المتوسط من أكثر المناطق حساسية للتغير المناخي، وليبيا معرضة لهذه التغيرات بسبب موقعها".
وحول التداعيات المتوقعة، يوضح الأكاديمي الليبي أنها قد تتمثل في تزايد ارتفاع درجات الحرارة، وتقلص الموارد المائية، وتزايد مخاطر التصحر، وربما العواصف والموجات الهوائية المفاجئة، وكل هذا يشكل تحديات تتطلب تطوير شبكة وطنية حديثة للرصد المناخي، ورفع قدرات الإنذار المبكر، وهي مسائل مبنية على جودة الدراسات المتخصصة التي تفتقد من يرعاها ويحولها على برامج عمل.
ويطالب الزحاف بضرورة دراسة مظاهر التحول المناخي الأخيرة بهدف إنشاء خرائط للمخاطر تشارك في بنائها البلديات والجامعات للوصول الى آليات عملية، بالتوازي مع مراجعة شاملة لأوضاع الأودية والسدود ومجاري السيول في مختلف المدن، ومراقبة المخزون المائي الجوفي، ونسب الملوحة في البحر، مع توفير إمكانيات الرصد والبحث لبناء قاعدة البيانات.
ويستطرد أن" الحديث عن التغير المناخي لا يعني إشاعة حالة الهلع والخوف في أوساط الناس، أو الاعتقاد بأن البلاد مقبلة على كوارث، فأغلب ظواهر التغير المناخي تحدث تدريجياً على مدار سنوات طويلة، والقول إن ليبيا لا يزال فيها هامش زمني يسمح بتقليل المخاطر لا يعني أن تهمل السلطات الأمر، بل يتوجب عليها الاتصال بمراكز البحث الدولية، والتعرف على التجارب الخارجية، واستدعاء الخبرات وتطوير الإمكانات لتقليل الكلفة في المستقبل".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك