أثار خطاب الزعيم الديني المولوي فضل الرحمن داخل البرلمان الباكستاني في 15 يونيو/ حزيران الحالي جدلاً واسعاً في باكستان، بعد انتقاده ما وصفه بسعي الجيش وأجهزة أمن الدولة في شمال غربي باكستان وفي المناطق القبلية المحاذية لأفغانستان، لإقناع القبائل بحمل السلاح وتشكيل الجيوش القبلية في باكستان ضد المسلحين، تحديداً ضد حركة طالبان الباكستانية.
وتوقف عند حقيقة أن المؤسسة العسكرية الباكستانية وأجهزة الأمن التابعة لها تستنزف جزءاً كبيراً من ميزانية الدولة، وهو ما يعزز رفض فكرة عدم الحاجة إلى الجيوش القبلية.
ويرى خبراء ومراقبون أن محاولات تشكيل الجيوش القبلية في باكستان لن تكون مجدية، لأن القبائل البشتونية معروفة بأنها ترفض خوض الحرب ضد أبناء القبائل نفسها، وأفراد" طالبان" الباكستانية من أبناء تلك القبائل.
ما هي الجيوش القبلية أو" لشكر"؟يشرح الزعيم القبلي سردار خان مهمند، في حديث مع" العربي الجديد"، تاريخ الجيوش القبلية.
ويوضح أن تشكيل الجيوش القبلية أو" لشكر" في القبائل يكون عادة لمواجهة قوة تأتي من الخارج وتغزو هذه المناطق، مثلما حدث مقابل الاستعمار البريطاني أو الغزو السوفييتي لأفغانستان.
ويشدد على أن تشكيل" لشكر" عادة قبلية، وبالتالي الجيش والاستخبارات يريدان إحياء ظاهرة خطة الجيوش القبلية في باكستان مقابل" طالبان" الباكستانية والجماعات الأخرى.
ويلفت خان مهمند إلى أن الجيش الباكستاني بعدما بذل جهداً كبيراً واستخدم كل ما أوتي من قوة لم ينجح في مواجهة المسلحين، والسبب أنهم من أبناء المنطقة، المعروفة بصعوبتها، و" بالتالي القادم من الخارج لا يمكنه هزيمة أبناء المنطقة".
وبرأيه، فإن الجيش شرع الآن في تشجيع القبائل على تطبيق خطة الجيوش القبلية في باكستان والتي تعرف محلياً بـ" لشكر".
ما هي مصاعب خطة الجيوش القبلية في باكستان؟يعتبر الزعيم القبلي سردار خان مهمند أن تشكيل" لشكر" مقابل أبناء القبائل و" لمصلحة جيش يديره إقليم البنجاب، وهو يقصف منازلنا ويتعامل معنا بكل قسوة وكبرياء، سيكون سابقة في تاريخ القبائل".
ويضيف" من هنا أقول إن تشكيل لشكر (جيش) قبلي مقابل أبناء القبائل، حتى ولو كانت أفكارهم متطرفة، من المستحيلات".
ويتابع: " يمكن للجيش تشكيل بعض العصابات مقابل المال، لكن تلك العصابات لن تكون مجدية أبداً".
ومن ضمن ما طرحه فضل الرحمن في الخطاب، ويطرحه كل مَن تطرق إلى القضية، هو أن الجيش الباكستاني يحصل سنوياً من ميزانية الدولة على أموال باهظة (في ميزانية هذا العام ميزانية الجيش والدفاع تصل إلى 10.
8 مليارات دولار)، فلماذا يُطلب من المواطنين الذين لا يملكون قوت يومهم حمل السلاح؟ ويوضح أن الجيش عليه أن يواجه التهديدات الأمنية بدلاً من تشجيع القبائل على حمل السلاح.
إنعام الله ختك: يبدو أن المؤسسة العسكرية لم تعد قادرة على محاربة المسلحينويقول الإعلامي الباكستاني إنعام الله ختك، وهو خبير في الشؤون القبلية، في حديث لـ" العربي الجديد"، إن" هذا عمل مخجل.
لم نكن نتصور أن يطلب جيش مدرب، لديه كل أنواع الإمكانيات، من القبائل، بشكل مباشر أو غير مباشر، حمل السلاح ومحاربة المسلحين".
وبرأيه، فإن هذا الأمر يعكس" فشلاً ذريعاً".
ويعتبر أنه" في حين أن المؤسسة العسكرية الباكستانية تشدد على مدى العقدين الماضيين على أنها تحارب المسلحين، فإنه يبدو أنها لم تعد قادرة على ذلك، لذا تطلب من القبائل والمجتمع المدني حمل السلاح ومحاربة التنظيمات المسلحة".
ويعتبر أن" هذه الحرب معقدة للغاية، وتلك التنظيمات لها تجربة كبيرة فيها، وعناصرها موزعون الآن في كل ربوع البلاد، وبالتالي القبائل لا يمكن لها محاربة تلك التنظيمات، هذا من عمل الجيش المدرب وأجهزة الاستخبارات والأمن العديدة في بلادنا".
ويتابع" حقيقة الأمر هو أن هذه الحرب بيد القوى الكبرى، وطالما تكون باكستان تابعة لسياسات القوى العالمية سوف تستمر هذه الحرب، والمجتمع المدني لا يستطيع أن يفعل شيئاً إذا كان الجيش لا يستطيع ذلك".
لماذا يلجأ الجيش إلى تشجيع الجيوش القبلية؟وحول الأسباب والدوافع وراء لجوء الجيش وأجهزة أمن الدولة إلى تشجيع الجيوش القبلية، يقول الزعيم القبلي سردار خان، لـ" العربي الجديد"، إن" السبب الرئيسي هو أن بيئة الحرب معقدة للغاية في تلك المناطق، وأبناء المنطقة يمكن لهم خوضها بسهولة.
كما أن المؤسسة العسكرية تريد العثور على شريك مسلح لها في الحرب لمساعدتها في جمع المعلومات الاستخباراتية".
ويعتبر أن خطة الجيوش القبلية في باكستان تهدف إلى تقليل كلفة الحرب، موضحاً أن" الجيش الرسمي مكلف للغاية بينما هؤلاء سوف يتقاضون رواتب ضئيلة ويحملون السلاح، ولا يحتاجون إلى التدريب، ومن أجل كل ذلك لجأ الجيش إلى تحريك القبائل.
أضف إلى ذلك كله أن الجيش لم تعد لديه جماعة مسلحة أخرى يضعها في مواجهة طالبان الباكستانية.
في الماضي كانت المؤسسة العسكرية تستخدم الجماعات المسلحة بعضها ضد بعض من أجل الوصول إلى أهدافها، والآن ليس أمامها خيار سوى أن يحارب الجيش بنفسه، وهو يقوم بهذا الأمر من دون جدوى".
ويعرب عن اعتقاده بأن خطوة تحريك القبائل لقتال المسلحين لن تجدي نفعاً أيضاً.
ما هي تأثيرات الجيوش القبلية على المدى البعيد؟سبوق سيد: قد يحتاج الجيش إلى جيش آخر لنزع السلاح من أيدي تلك الجيوش القبليةوحول تأثيرات خطوة الجيوش القبلية في باكستان على المدى البعيد، يقول الإعلامي الباكستاني سبوق سيد، لـ" العربي الجديد"، إنه" لو نظرنا إلى التاريخ فإن تشكيل الجيوش القبلية عرف قبلي، وهو أمر غير مخجل كما يراه البعض، ما يعني أن الجيش يحتاج الدعم في هذه المنطقة والقبائل تقدمه له.
هذا ليس فيه أي حرج".
ويضيف: " السؤال الحقيقي هو تأثير هذه الظاهرة.
نحن نريد التخلص من الجماعات المسلحة من أجل استتباب الأمن في المنطقة، ولكن إذا حملت القبائل السلاح، وطالبان من أبناء القبائل، هل سيتم القضاء على العنف؟ ".
ويضيف: " أنا أرى أن أشكال العنف سوف تتبدل وتتغير، من دون أن يكون هناك نفع لهذا الأمر، لأنه مع تشكيل الجيوش القبلية في باكستان سيتم نقل المعركة بين الجيش والمسلحين إلى القبائل والمسلحين، وهم من قبائل واحدة، وبالتالي يبدأ صراع طويل الأمد".
ويلفت إلى تأثيرات سلبية أخرى للجيوش القبلية قائلاً إن" الجيش قد يحتاج إلى جيش آخر لنزع السلاح من أيدي تلك الجيوش القبلية".
وبينما يؤكد أن" الوضع خطير جداً"، يعتبر أن" تصريح الزعيم الديني المولوي فضل الرحمن بأن البلاد تسير نحو حرب أهلية أمر مبالغ فيه.
نحن لسنا على حافة حرب أهلية، لكن الوضع مقلق للغاية ومأساوي".
متى بدأ العمل على فكرة الجيوش القبلية؟الجيوش القبلية في باكستان قفزت إلى الواجهة الآن، لكن العمل بدأ عليها منذ أشهر عديدة، كما يؤكد الزعيم القبلي وهاب غول محسود.
ويشير إلى رفض غالبية القبائل تلك الفكرة، ملقية اللوم على الجيش الباكستاني بما يحصل، لأن" الحرب انتقلت إلى منطقة القبائل مع دخوله إليها".
ويضيف: " كنا نعيش بخير، النظام القبلي كان أحسن نظام، لكن عندما دخل الجيش دمر كل شيء.
هذه التنظيمات من صنع الجيش نفسه، لكن السحر انقلب على الساحر".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك