أعادت مذكرة التفاهم الأميركية الإيرانية رسم ملامح المشهد السياسي والأمني في الشرق الأوسط، بعدما أوقفت الحرب بين الطرفين وفتحت الباب أمام مرحلة جديدة من المفاوضات، لكنها في الوقت ذاته تركت العديد من الملفات الشائكة دون حسم، ما أثار تساؤلات واسعة حول مستقبل المنطقة وإمكانية تحول الاتفاق إلى تسوية دائمة أو مجرد هدنة مؤقتة لإدارة الصراع.
وكانت إيران والولايات المتحدة قد أعلنتا في 14 يونيو/ حزيران الجاري التوصل إلى اتفاق من 14 بندًا عُرف باسم" مذكرة تفاهم إسلام أباد"، ينص على وقف الحرب ومعالجة الخلافات عبر التفاوض خلال مرحلة انتقالية تمتد لعدة أسابيع.
مذكرة التفاهم الأميركية الإيرانيةووقع الاتفاق رقميًا الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان والرئيس الأميركي دونالد ترمب، ويتضمن بنودًا تتعلق بوقف العمليات العسكرية في عدد من الجبهات، وإعادة فتح مضيق هرمز، ورفع الحصار البحري الأميركي المفروض على إيران، إضافة إلى التأكيد على احترام سيادة لبنان ووحدة أراضيه.
وتنص المذكرة على الامتناع عن استخدام القوة أو التهديد بها، غير أن مواقف داخل الحكومة الإسرائيلية، خصوصًا لدى وزراء اليمين المتطرف، أبدت رفضًا لربط أي اتفاق مع إيران بوقف العمليات العسكرية في لبنان أو تقديم تنازلات أمنية، مؤكدة تمسكها بمواصلة عملياتها في الجنوب اللبناني.
ورغم أن المذكرة نجحت في وقف المواجهة العسكرية المباشرة، فإنها فتحت الباب أمام مجموعة واسعة من الأسئلة السياسية والأمنية المرتبطة بمستقبل لبنان، ودور إسرائيل، ومستقبل النفوذ الإيراني في المنطقة، فضلاً عن قضايا الملاحة في مضيق هرمز والبرنامج النووي الإيراني.
ويرى مراقبون أن الاتفاق قد يمثل بداية لتسوية أوسع في الشرق الأوسط، بينما يعتبره آخرون مجرد محطة مؤقتة لإدارة التوترات وإعادة ترتيب الأولويات قبل جولات تفاوض أكثر تعقيدًا.
هل يعرقل نتنياهو مسار التفاهم؟في هذا السياق، أوضحت كارولين روز، رئيسة قسم في مركز" صوفان" للأبحاث، أن مذكرة التفاهم تنطوي على مخاطر عديدة، من بينها استمرار رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في حملته ضد إيران ووكلائها أينما وجدوا.
وفي حديث للتلفزيون العربي من نيويورك، أشارت إلى أن إسرائيل ستسعى لمواجهة النفوذ الإيراني في مختلف المناطق، ولبنان ليس سوى مثال على ذلك.
وعند سؤالها عن سبب عجز الرئيس الأميركي عن فرض إرادته أمام نتنياهو، قالت روز إن شخصية ترمب وعلاقاته مع" الرجال الأقوياء" لا تنطبق على نتنياهو، لافتة إلى وجود روابط شخصية وسياسية، إضافة إلى أن كلاً من ترمب ونتنياهو يجدان في استمرار بقائهما السياسي مصلحة مشتركة.
أضافت أن نتنياهو كان يواجه اتهامات بالفساد قبل السابع من أكتوبر/ تشرين الأول، بينما ترمب واجه فضائح سياسية واتهامات بالفساد والابتزاز المالي، ما جعل ترمب ينظر إلى نتنياهو وكأنه انعكاس له.
وتابعت روز أن المشكلة الجوهرية تكمن في أن الولايات المتحدة تسعى لتقليص انخراطها في الشرق الأوسط، بينما يريد ترمب أن يظهر أنه حقق اتفاقًا قبل الانتخابات النصفية، مدركًا أن استمرار التورط الأميركي في المنطقة قد يضر بمصالحه.
في المقابل، يسعى نتنياهو إلى العكس تمامًا، إذ يريد إبقاء الصراع مع إيران قائمًا وضمان استمرار انشغال واشنطن به.
وأشارت إلى أنه رغم وجود قواسم سياسية مشتركة بين ترمب ونتنياهو، فإن أهدافهما الإستراتيجية مختلفة تمامًا.
وأضافت أن بعض الأصوات في المفاوضات دفعت الأميركيين لتبني نهج مختلف، لكن الحزب الجمهوري وترمب ركّزا على قضايا مرتبطة بالاتفاق النووي خلال فترة الرئيس السابق باراك أوباما، مثل تقليص المساعدات الاقتصادية وتشديد العقوبات وفرض قيود على البرنامج النووي الإيراني.
غير أن الاتفاق الحالي يختلف جذريًا عن اتفاق أوباما، ويمنح إيران تنازلات واسعة، وهو ما اعتبرته روز نوعًا من" النفاق السياسي"، وربما يمثل تحولًا في إستراتيجية إدارة ترمب.
لبنان في قلب التفاهم الأميركي الإيرانيوفيما يتعلق برفض نتنياهو الانسحاب من جنوب لبنان رغم أن الفقرة الأولى من المذكرة تؤكد على سيادة لبنان، أوضح الباحث في العلاقات الدولية طارق وهبي أن الإشكالية تكمن في أن الولايات المتحدة تعتبر إسرائيل الحليف الأول، بينما إدراج لبنان في المذكرة جاء باعتباره دولة، لا مجرد" حزب مقاتل" أي حزب الله.
وفي حديثه للتلفزيون العربي من بورغنستوك، أشار وهبي إلى أن ترمب يحاول إقناع نتنياهو بأن هناك مفاوضات جارية في واشنطن مع الدولة اللبنانية، وأنه يجب الالتزام بما تم تقديمه للجمهورية الإسلامية الإيرانية، بما في ذلك وقف الاعتداءات على لبنان.
وأضاف أن رغم الإعلان عن وقف إطلاق النار، فقد سقط 47 قتيلًا في لبنان، ما يفرض على ترمب إقناع نتنياهو بضرورة التوقف ولو مؤقتًا لإيجاد حل، خاصة أن إسرائيل تطرح حلولًا أبرزها إعادة رسم خط أمني يعتقد الإسرائيليون أنه يحمي شمال البلاد.
أما بشأن إصرار إيران على إدراج حزب الله كحليف في الاتفاق الذي وقعه ترمب شخصيًا، أوضح وهبي أن ذلك يمثل مكسبًا إستراتيجيًا لإيران، إذ إن الاتفاق يذكر لبنان كدولة لا كحزب، لكن القراءة بين السطور تكشف أن الأمر يرتبط مباشرة بحزب الله وأذرع إيران في المنطقة.
من جهته، أكد حسين رويوران، أستاذ العلوم السياسية في جامعة طهران، أن لبنان يشكل جزءًا أساسيًا من الاتفاق، إذ يرد في البند الأول من مذكرة التفاهم المتعلقة بوقف إطلاق النار، مشددًا على أن إيران متمسكة بهذا البند.
وفي حديثه للتلفزيون العربي من طهران، أوضح أن إيران تعتبر أن الولايات المتحدة ضمنت أمن إسرائيل، بينما إيران ضمنت حزب الله في موضوع وقف إطلاق النار.
لكنه أشار إلى أن واشنطن لم تبذل حتى الآن جهدًا كافيًا لوقف الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان وإنهاء الحرب.
وتطرق رويوران إلى تصريحات نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس، الذي شدد على ضرورة وجود اتفاق أمني لإدارة مضيق هرمز بين دول الخليج وإيران، معتبرًا أن إيران تصر على أن المضيق جزء من سيادتها، وأن الوضع بعد الحرب لن يكون كما كان قبلها.
وأضاف أن عبور 12 مليون برميل عبر المضيق يعكس أن إيران فتحت الممر جزئيًا، لكن إزالة الألغام ما زالت جارية، ما يحد من خطوط العبور الآمنة.
وأشار إلى أن طهران لا تدّعي إدارة المضيق منفردة، إذ إنه يقع بين إيران وعُمان، بل تدعو إلى تنسيق جماعي مع الدول المتشاطئة لضمان حماية البيئة البحرية.
كما شدد على أن إيران تطالب بفرض" ضريبة بيئية" على الناقلات العابرة، نظرًا لأن المنطقة نفطية وتتعرض لتفريغ مياه التوازن من السفن، ما يستدعي الحفاظ على التوازن البيئي.
وأضاف أن إيران تستند في موقفها إلى قانون البحار لعام 1958، الذي يضمن عبورًا آمنًا لا يضر بأمنها، مؤكّدًا أن الموقف الإيراني ليس مزاجيًا بل يستند إلى قواعد دولية.
وأوضح أن الدول التي ليست بينها وبين إيران خلافات يمكنها العبور بشكل طبيعي، بينما الأعداء الذين يهددون أمنها لن يُسمح لهم بذلك.
وعن احتمال مرور البوارج الأميركية من المياه الإقليمية الإيرانية، قال رويوران إن ذلك غير ممكن في الوقت الراهن بسبب استمرار الحرب والاكتفاء بوقف إطلاق النار، معتبرًا أن رفض إيران السماح بالعبور الآن أمر طبيعي.
لكنه أضاف أن المستقبل قد يشهد تغيرًا في الموقف إذا تبدلت طبيعة العلاقة بين واشنطن وطهران، حيث يمكن أن تسمح إيران بالعبور الآمن في حال التوصل إلى تفاهمات جديدة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك