برزت ظاهرة" ثقافة الترند" في الآونة الأخيرة بوصفها قوة جديدة تتحكم في الذوق العام وتعيد تشكيل أولويات النقاش العام.
فالترند لم يعد مجرد موجة عابرة، بل تحول إلى أداة للسلطة الناعمة تصنعها الخوارزميات وتفرضها على الجماعة الرقمية، حيث يصبح التقليد تعبيرًا عن الخوف من الاختلاف، ويذوب الصوت الفردي في ضجيج الجماعة.
في المقابل، يظل النقد الثقافي ممارسة فكرية تسعى إلى كشف أعماق النصوص والخطابات، وإعادة قراءة الأدب والفن في سياقاتهما الاجتماعية والسياسية.
غير أن هذا النوع من القراءة يتطلب وقتًا للتأمل وعمقًا في التحليل، بينما يفرض الترند إيقاعًا سريعًا يختزل الثقافة في لحظة استهلاكية عابرة.
هل عوّض الترند النقد الثقافي؟من هنا تبرز الإشكالية الأساسية: هل حلّ الترند محل النقد الثقافي؟ وهل أصبح التفاعل اللحظي والسطحي بديلاً عن القراءة النقدية العميقة؟ أم أن الترند ليس سوى انعكاس لقلق جماعي لا يلغي دور النقد، بل يضعه أمام تحديات جديدة؟وبين المثقف الذي يتراجع حضوره أمام هيمنة المنصات الرقمية، والجمهور الذي يلهث وراء كل ما هو رائج، والثقافة التي تتعرض للتسليع والاختزال في لحظات قصيرة، يبقى السؤال مفتوحًا: " هل يستطيع النقد الثقافي استعادة مكانته في مواجهة الترند، أم أن زمنه قد أُزيح لصالح زمن الخوارزميات؟ ".
وقبل تفكيك هذه التساؤلات، لا بد من العودة إلى مفهوم النقد الثقافي.
فمنذ منتصف ثمانينيات القرن الماضي، برز هذا الحقل المعرفي مع الأكاديمي الأميركي فينسنت ليتش، الذي ربط الأدب بالأنساق الثقافية وفتح الباب أمام قراءة النصوص ضمن سياقاتها الاجتماعية والسياسية.
وفي العالم العربي، شكّل كتاب" النقد الثقافي: قراءة في الأنساق الثقافية العربية" للناقد السعودي عبد الله الغذامي، الصادر عام 2000، بداية مشروع عربي سعى إلى تعرية الخطابات المهيمنة وكشف البنى الثقافية الكامنة في المجتمع.
ومع الانتشار الواسع لوسائل التواصل الاجتماعي، تعاظم حضور الترند بوصفه قوة تصنعها الخوارزميات وتعيد ترتيب أولويات الاهتمام العام.
فلم يعد الرائج مجرد انعكاس تلقائي لما يهم الجمهور، بل أصبح مرتبطًا بآليات رقمية تحدد ما يظهر وما يختفي، وما يحظى بالانتشار وما يبقى خارج دائرة الضوء.
وبذلك، بات الترند في كثير من الأحيان منافسًا للنقاش النقدي العميق، إذ اختزل الثقافة في لحظات استهلاكية سريعة، وأعاد طرح أسئلة حول تراجع دور المثقف التقليدي أمام صعود المنصات الرقمية والخوارزميات التي باتت تتحكم في إنتاج المعنى وتداوله.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك