في فيلم" نسور الجمهورية" يختار المخرج المصري-السويدي، طارق صالح، منذ البداية تقديم الوجه الأقسى من نظام الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي.
تظهر السلطة داخل عالم الفيلم قادرة على التدخل في عمل الفرد وعائلته وعلاقاته الخاصة، بينما تضيق أمامه مساحة الاختيار، حتى يكاد الخضوع يصبح طريق النجاة الوحيد.
تقوم الحكاية على جورج فهمي (فارس فارس)؛ نجم سينمائي مصري شهير يُدفع إلى تجسيد شخصية السيسي في فيلم تنتجه الدولة.
تفتح هذه الفكرة الباب أمام القضية الأساسية في العمل: العلاقة بين الفن والسلطة، والجهة التي تتحكم في الصورة التي تصل إلى الجمهور.
يقدم" نسور الجمهورية" السينما باعتبارها مساحة يمكن للسلطة الاستيلاء عليها من خلال الرقابة، والتحكم في الحكاية والممثل والصورة النهائية.
لا يملك جورج حرية قبول الدور أو رفضه.
تفقد شهرته معناها أمام أجهزة تستطيع إبعاده عن العمل وتهديد أسرته، فيتحول الفنان من صاحب صورة عامة إلى شخص لا يملك حتى صورته الخاصة.
تسعى السلطة في الفيلم إلى صناعة نسخة بطولية من الرئيس، وتحتاج إلى وجه معروف يمنح روايتها قبولاً لدى المشاهدين.
بهذا، تمسي السينما أداة تعيد صياغة الواقع وفق ما تريده الجهة الأقوى.
ينجح الفيلم في هذه النقطة تحديداً، لأن إجبار ممثل على أداء شخصية الرئيس يقول الكثير من دون حاجة إلى خطاب سياسي مباشر.
تبدو السيطرة على الخيال امتداداً للسيطرة على المجتمع، ويصبح اختيار الممثل قراراً سياسياً أكثر منه فنياً.
يصبح ابن جورج نقطة ضعف، والعلاقة العاطفية مادة للابتزاز، والصداقة امتحاناً للطاعة.
تعرف السلطة تفاصيل حياة جورج، وتستطيع استخدام كل منها ضده.
تظهر قسوة هذا العالم حين يصبح خوف الممثل على ابنه أقوى من خوفه على نفسه.
لا يحتاج الفيلم دائماً إلى إظهار العنف كي يجعل حضوره محسوساً؛ يكفي أن يعرف الفرد أن ابنه قد يُؤخذ منه وأن عمله يمكن أن يختفي وأن علاقته الخاصة قد تتحول إلى ملف أمني.
تحتل الشخصيات النسائية مساحة مهمة في" نسور الجمهورية"، لكنها تتحرك غالباً داخل عالم يرسمه الرجال ويتحكمون في قواعده.
تمثل رولا حداد (شيرين دعيبس) المرأة التي تدفع ثمن الرفض.
يُطلب منها المشاركة في رواية تسيء إلى جورج، وحين ترفض، يتضرر مستقبلها المهني وتدخل حياتها مساراً خطراً.
تكشف قصتها أن العقاب لا يطاول المعارض السياسي وحده، بل يصل أيضاً إلى الفنان الذي يرفض المشاركة في تشويه الآخرين.
يظهر وجه آخر للمرأة من خلال علاقة جورج بزوجة أحد رجال السلطة.
تبدأ العلاقة في مساحة تبدو شخصية، ثم تتحول إلى وسيلة لمحاصرته، إذ تستخدم الأجهزة العلاقة والجسد لكشف ضعفه وإبقاء التهديد قريباً منه.
لا يقدم الفيلم النساء في صورة واحدة، لكن معظمهن يبقين مرتبطات بمسار جورج، إما لإغوائه وإما لتهديده وإما لكشف هشاشته.
ينجح العمل في إظهار استغلال النساء داخل منظومة ذكورية، لكنه يستخدمهن أحياناً بالطريقة نفسها التي ينتقدها، أي بوصفهن أدوات لتحريك أزمة الرجل، بدلاً من منحهن عوالم مستقلة ومكتملة.
لا يظهر جورج مناضلاً سياسياً ولا بطلاً مثالياً.
يبدو ممثلاً مغروراً ومتعلقاً بشهرته، ولا يدخل في مواجهة مع السلطة دفاعاً عن موقف أو مبدأ، بل يحاول حماية حياته ومصالحه.
تمنح هذه التناقضات الشخصية قدراً من التعقيد والواقعية؛ فلا ينتمي جورج بالكامل إلى البطولة أو الخيانة.
يخضع تحت الضغط ويحاول في الوقت نفسه الاستفادة من قربه من السلطة وحماية ابنه من دون التخلي عن موقعه وامتيازاته.
يؤدي فارس فارس هذا التردد من دون مبالغة، وينتقل بالشخصية من ثقة النجم بنفسه إلى ارتباك رجل يكتشف أن شهرته لا تحميه، وأن كل محاولة للنجاة تورطه أكثر.
يعتمد أداؤه على النظرات والصمت وتبدل حركة الجسد أكثر من اعتماده على الانفعالات الصاخبة، ما يمنح انهيار الشخصية التدريجي صدقية أكبر.
يستمر الفيلم (ساعتان وتسع دقائق) داخل المناخ النفسي نفسه: خوف ومراقبة وتهديد وابتزاز وعنف.
لا تظهر لحظة فرح كاملة، ولا نرى حياة طبيعية بعيدة عن يد السلطة.
تتحول حتى العلاقات التي تبدأ ببعض الدفء سريعاً إلى فخ.
تصبح الصداقة خطراً والحب وسيلة ابتزاز والعائلة نقطة ضعف، والعمل باباً للخضوع.
تخدم هذه النبرة رسالة الفيلم السياسية، لكنها تجعله مملاً في بعض أجزائه.
يأتي هذا الملل من غياب التنوع في الإيقاع والشعور.
يعرف المشاهد بعد فترة أن كل مساحة آمنة ستنقلب إلى تهديد، وأن كل محاولة للنجاة ستقود إلى خسارة جديدة.
تعمل الصورة والإضاءة والأماكن المغلقة على ترسيخ الإحساس بالمراقبة والاختناق، لكن ثبات النبرة البصرية والنفسية يحد من أثرها مع استمرار الفيلم.
تفقد العتمة شيئاً من قوتها عندما لا يقابلها أي ضوء، ويصبح الألم حالة ثابتة بدلاً من أن يمثل تحولاً درامياً.
يدعم طارق صالح هذا الإحساس ببناء دائري، إذ يفتتح الفيلم ويختتمه بمشهد مجموعة من كبار السن المصريين يجلسون معاً في فضاء مفتوح، يتبادلون الحديث وينشغلون بوقتهم بعيداً عن عالم القصور والأجهزة ومواقع التصوير.
يمنح تكرار المشهد الفيلم إحساساً بالعودة إلى نقطة البداية، ويضع حياة الناس العاديين في مقابل العالم المغلق الذي تتحرك داخله السلطة.
لا يخفي طارق صالح موقفه السياسي.
يقدم نظام السيسي، وفق رؤيته السينمائية، من خلال القمع والدعاية والمراقبة والعقاب خارج إطار القانون، ولا يفسح مجالاً تقريباً لرؤية مختلفة.
عام 2015، وفي أثناء تحضيره لتصوير فيلمه" حادثة النيل هيلتون" في القاهرة، دهمت الأجهزة الأمنية موقع العمل وطلبت منه مغادرة البلاد مع طاقمه الأجنبي فوراً لأسباب تتعلق بالأمن القومي.
منذ ذلك الحين، لا تُعرض أفلام طارق صالح في مصر، ولا تصوّر هناك بطبيعة الحال.
إلى جانب ذلك، يُشار إلى أن" نسور الجمهورية"، هو آخر أعمال ثلاثية القاهرة التي تضم، إلى جانبه، كلّاً من" حادثة النيل هيلتون" و" صبي من الجنة".
وصل الفيلم إلى دور العرض البريطانية والأيرلندية في 22 مايو/أيار 2026، وعُرض منذ ذلك التاريخ في عدد من صالات لندن، بينها معهد الفنون المعاصرة وباربيكان.
يملك المخرج حق اختيار زاويته، ولا يُفترض بالفيلم السياسي أن يكون محايداً.
لكن الاتفاق مع انتقاد السلطة لا يلغي حق المشاهد في مساءلة محدودية هذه الرؤية سينمائياً.
يختصر العمل مصر في أجهزتها الحاكمة، ثم يختصر هذه الأجهزة في أقصى درجات القسوة.
لا يظهر المجتمع المصري بتنوعه ولا تظهر الحياة اليومية التي تستمر رغم السياسة والخوف.
تبدو مصر مكاناً بلا فرح أو علاقات طبيعية، ولا يقدمها الفيلم بوصفها مدينة حقيقية بقدر ما يقدمها كابوساً سياسياً.
قد يجد المشاهد المعارض للنظام في هذه الصورة تأكيداً لموقفه، لكن قوة الرسالة السياسية لا تعني بالضرورة اكتمال الفيلم فنياً.
كانت الشخصيات ستبدو أكثر إقناعاً لو امتلكت تناقضات أوسع، وكانت السلطة ستبدو أكثر واقعية لو أظهر الفيلم قدرتها على الإغراء وصناعة الولاء، لا قدرتها على التهديد والعقاب فقط.
ينجح" نسور الجمهورية" أكثر حين يتناول السيطرة على الفن وصناعة الصورة الرسمية.
تحمل فكرة إجبار ممثل على تجسيد صورة الرئيس دلالة أعمق من بعض مشاهد العنف المباشر، لأنها تكشف قدرة السلطة على الوصول إلى الجمهور عبر الشاشة.
قد يترك الفيلم شعوراً بالحزن أمام ما يعرضه من ظلم وعجز، لكنه يثير أيضاً شيئاً من الملل بسبب ثبات نبرته وإصراره على إبقاء الحكاية داخل الجانب نفسه من الواقع.
تكمن جرأة" نسور الجمهورية" في انتقاده المباشر للسلطة، بينما تكمن محدوديته في أن موقفه السياسي يطغى أحياناً على ثراء التجربة السينمائية.
يقدم طارق صالح مصر من زاوية قاتمة ومغلقة لا يصل إليها الضوء، لكنها تبقى زاوية واحدة من واقع أوسع وأعقد.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك