والاتفاق الذي يُصمّم من أجل إخماد نيران الحرب يظلّ ناقصاً ما لم يمتلك آليات رادعة تمنع خروقاته، وما لم يجد ضمانات كافية تجعله فوق حسابات التصعيد اليومية.
وفي سياقٍ إقليمي معقّد مثل الذي نعيشه، حيث تتداخل المصالح وتتشابك الأجندات، تبرز أهمية أي تفاهم في قدرته على إغلاق كافة منافذ التوتر، لا سيما على الجبهات الأكثر هشاشة، وتلك الأكثر قدرة على تحويل أي خرق إلى كارثة إنسانية وسياسية.
في هذا الإطار، يُقرأ الحديث عن مذكرة التفاهم بين إيران والولايات المتحدة، التي تستهدف وقف القتال على جميع الجبهات، خاصة جبهة لبنان، بوصفها محاولة لإعادة ضبط قواعد اللعبة.
بيد أن ما يهدّد هذه المذكرة لا يقتصر على حسن نوايا الموقعين، بل يتجاوز ذلك إلى مواقف معتدٍ أثيم، وهو کيان الاحتلال الاسرائيلي عبر استمرار عدوانه على لبنان، في خرق واضح لأحد البنود الجوهرية في مذکرة التفاهم الايرانية الامريکية.
إن تفسير الموقف الإسرائيلي لا يمكن اختزاله في قراءة سياسية آنية، بل يمتدّ إلى منطق استراتيجي عميق، يقوم على اعتبار أن أي اتفاق يحدّ من هامش المناورة العسكرية يشكّل تهديداً مباشراً لمصالحها.
فالقوى التي ترى في الاستقرار الإقليمي خطراً على مشروعها، تنظر إلى كل هدنة باعتبارها خسارة، وإلى كل تفاهم كعائق أمام فرض الوقائع على الأرض.
ومن هنا، لا تكون المشكلة في الاتفاق ذاته، بل في ما يمثّله من تحول في موازين القوى، وما يفرضه من قيود على منطق التصعيد الذي بات جزءاً من أدوات هذا الکيان في التعامل مع الملفات الإقليمية.
لكن التجارب التاريخية تؤكد، مراراً وتكراراً، أن خرق الاتفاقات لا يمرّ دون عقاب، بل غالباً ما يجرّ المنطقة إلى دوامات من العنف تفوق التوقعات، وتُفقد الأطراف الخارقة القدرة على التحكم في مسار الأحداث.
فكل خرق يفتح باباً لردود فعل متسلسلة، ويُعيد تشكيل التحالفات، ويُحدث شرخاً في الثقة الدولية، وقد ينقلب في النهاية على صانعيه، سواء عبر انهيارات سياسية داخلية، أو عبر عزلة دولية، أو عبر حروب لا تُحمد عقباها، تستنزف الدولة وتُسقط أنظمتها.
1.
عندما يُخرق الاتفاق، تُفتح أبواب جهنم من جديدتقوم الاتفاقات التي تهدف إلى وقف إطلاق النار على ركيزتين أساسيتين: الأولى، ردع الأطراف عن العودة إلى القتال عبر توفير ضمانات قوية؛ والثانية، فتح أفق سياسي يبدّد دوافع التصعيد ويقدّم بديلاً للحرب.
فحين يُخرَق الاتفاق، ينهار هذا البناء الهش بسرعة، وتتحول الهدنة إلى مجرد اسم، وتُصبِح الجبهات مسارح لعمليات انتقامية متبادلة، يصبح فيها المدنيون هم الضحايا الأوائل، وتتحملهم الدولة كاملةً مع أولى جولات التصعيد الجديدة التي لا تُبقي على شيء مما كان.
2.
لماذا يُعدّ الخرق مقدّمة لسقوط الدول والأنظمة؟لكي ندرك لماذا يُشكّل خرق الاتفاقات بداية النهاية لصنّاع القرار فيه، يكفي أن ننظر إلى المحطات التاريخية التي تكرّر فيها هذا النمط.
فالحكام أو الدول التي مزّقت تعهداتها الدولية، أو خالفت شروط تفاهمات مصيرية، وجدت نفسها عاجلاً أم آجلاً في مواجهة حروب أشد، أو أزمات داخلية خانقة، أو انهيارات سياسية مدوّية.
فالخرق، وإن وفّر لحظات قصيرة من الشعور بالسيطرة، يتحوّل سريعاً إلى فخّ: يخلق ردود فعل متراكمة، ويجمع خصوماً في الداخل والخارج، ويحوّل التفوق العسكري إلى كابوس اقتصادي وأمني، ثم لا يلبث أن تفلت ديناميكية التصعيد من قبضة المخطّطين لها.
نموذج صدام: من خرق الاتفاق إلى حرب الإستنزاف والسقوط المدوييُعدّ" صدام" واحداً من أبرز النماذج التي جسّدت العواقب الوخيمة لخرق الاتفاقات.
فبعد توقيع" اتفاق الجزائر" عام 1975، الذي أعاد تنظيم المشهد الإقليمي ووضَع خطوطاً للتهدئة وضبط العلاقات بين الأطراف المتجاورة، أقدم صدام، بعد انتصار الثورة الاسلامية في ايران، على تمزيق الاتفاق، معتقداً أن الطريق أصبح مفتوحاً لتحقيق مكاسب سياسية وعسكرية كبيرة.
لكنه سرعان ما اكتشف أن تمزيق الاتفاق ليس نهاية المطاف، بل كان بوابة لحربٍ أطول وأكثر تدميراً، حين انزلقت المنطقة إلى الحرب العراقية–الإيرانية التي استمرت ثماني سنوات، وأعادت تشكيل الحدود الاقتصادية والاجتماعية والسياسية بأقسى الطرق، وأدخلت العراق في نفق من الاستنزاف أنهك مقدراته.
في هذا المسار، تحوّل الخرق من مجرد حادثة دبلوماسية عابرة إلى منهجٍ ثابت: كلما طال القتال، زادت كلفة التراجع، وكلما تعاظمت الخسائر، اشتدّت الحاجة إلى تصعيد جديد لتعويض الفشل.
وهكذا أصبح قرار الخرق بوابة حربٍ تجاوزت بكثير قدرة صانعها على ضبطها، وفي النهاية، لم يخسر صدام حرباً واحدة فقط، بل خسر نموذجاً سياسياً بأكمله، وانهارت صورته كقائد قادر على فرض إرادته دون ثمن، وانتهى المسار بسقوطه المدوّي.
نموذج هتلر: نقض التفاهمات في أوروبا وإشعال حرب عالمية أنهت نظامهعلى الجانب الآخر من العالم، يبقى النموذج النازي في أوروبا شاهداً على أن خرق الاتفاقات لا يزيد القوة فحسب، بل يحوّل العالم إلى جبهة واحدة ضد المخترق.
حين نقض هتلر تعهداته الدولية وخرق تفاهمات كانت تُشكّل عموداً فقرياً للاستقرار الأوروبي، أطلق يديه في التوسع العسكري، معتقداً أنه يستطيع فرض وقائع جديدة دون أن يدفع ثمناً باهظاً.
لكن النتيجة كانت مغايرة تماماً: إذ تسبّبت خروقاته في تشكيل تحالفات مضادة عابرة للقارات، وحوّلت الحرب من نزاع إقليمي إلى صراع عالمي شامل.
وهنا تبرز القاعدة ذاتها: حين يكسر طرف ما التوازنات القائمة على التعهدات الدولية، يفقد الآخرون ثقتهم بالمسار الدبلوماسي، فيتجهون لتجهيز كامل لمنطق المواجهة.
ومع الوقت، تتعاظم تكلفة الاستمرار في الحرب، ويصبح إقناع الجمهور والمؤسسة العسكرية بأن النصر ما زال ممكناً أمراً شبه مستحيل، وتصل الأمور إلى نهايتها حين تصبح المكاسب الموعودة غير كافية لتغطية الأثمان، وحين تزداد عزلة الدولة وتنهار قدرتها على التفاوض، فلا ينتهي الأمر فقط بهزيمة ميدانية، بل بانهيار سياسي شامل.
نموذج ميلوسيفيتش: عرقلة التسويات وسقوط النفوذ في يوغوسلافياوفي سياق مختلف، يقدّم نموذج يوغوسلافيا السابقة وصربيا في عهد سلوبودان ميلوسيفيتش دليلاً آخر على أن تعطيل مسارات التسوية وخرق التفاهمات، يقودان إلى ترسيخ التصعيد واتساع دائرة العزلة.
فلم يقتصر أثر هذه السياسات على مسرح القتال في البلقان، بل امتد إلى الشرعية الدولية، وإلى قدرة النظام على كسب تأييد القوى الكبرى.
حين حوّل ميلوسيفيتش الاتفاقات إلى مجرد مهلة لتأجيل المواجهات، أو أداة لعرقلة الحلول، أصبحت الحرب عملية ممتدة بلا أفق، يبرّر فيها كل طرف خسائره بمزيد من التصعيد، وتتحوّل الأزمة من نزاع محلي إلى ملف دولي تتزايد فيه الضغوط، حتى ينهار النفوذ وتتفكك المؤسسات، وتأتي النهايات المأساوية التي لا تحمد عقباها.
3.
خرق اليوم يعيد إنتاج نمط قديم، والسؤال: لماذا؟إذا كان التاريخ يعيد نفسه، فالسؤال الأكثر إلحاحاً هو: لماذا تُصِرّ بعض الأطراف على خرق الاتفاقات رغم معرفتها المسبقة بالعواقب الوخيمة؟ الإجابة تكمن في أن الخرق يُقدَّم غالباً باعتباره وسيلة لتحقيق أهداف قصيرة المدى، كمنع خصم سياسي من مكاسب، أو الحفاظ على تفوق عسكري، أو عرقلة تسوية تُنقص النفوذ.
غير أن التجارب المتكررة تُثبت أن هذه الحسابات واهية، فالخرق لا يضيف سلاماً، ولا يعزز استقراراً، بل يرفع كلفة الحرب، ويزيد عزلة الخارقين، ويُطلق ديناميكية انتقام تتسع وتتجاوز حدود النزاع الجغرافي لتطال الاستقرار الإقليمي برمته.
4.
التهدئة لا تُختبر بالتصريحات، بل بالالتزام الفعلييمكن القول إن قيمة أي اتفاق تُقاس بقدرته الحقيقية على إيقاف الحرب، وحماية المدنيين، وترميم الثقة بين الأطراف.
والتهدئة، مهما كانت طموحة، تظل رهينة الالتزام العملي، لا التصريحات الإعلامية.
وإذا كان الاحتلال الإسرائيلي يُصِرّ على خرق مذکرة التفاهم الايرانية الامريکية بالعدوان علی لبنان، فإن التاريخ يؤكد أنها تسير في نمط معروف سلفاً، نمطٌ يجرّ إلى تصعيد متصاعد، ويزيد كلفة العدوان، ويُفضي غالباً إلى نتائج سياسية وعسكرية غير متوقعة، تفقد معها الدولة الخارقة السيطرة على مسار الأحداث، وتتحوّل من فاعل رئيسي إلى رهينة لما أطلقت يديه.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك