التلفزيون العربي - جنوب لبنان تحت النار.. إسرائيل تبرر الاحتلال وحزب الله يتوعد بالتصدي العربي الجديد - فيوري يكشف مكان "نزال القرن" ضد جوشوا قناة القاهرة الإخبارية - إنزال بري مشترك بين قوات الفلبين وكوريا الجنوبية ضمن مناورات «كامانداج» القدس العربي - بعد سنوات من التحديات.. العويس يتوهج من جديد قناة القاهرة الإخبارية - هجوم أوكراني واسع يهز القرم وسط تصعيد خطير واعتراض عشرات المسيّرات الروسية Euronews عــربي - مقاتلون من النخبة وهجمات على الخليج.. تقرير يكشف ما أعدّه الحرس الثوري في العراق قناة القاهرة الإخبارية - الجيش السوداني يمشط محاور القتال في كردفان والأمم المتحدة تدعو لخفض التصعيد في مدينة الأبيض CNN بالعربية - علاقة وثيقة بين أنواع التوت ومبيدات الآفات.. ما الطريقة الأفضل لغسله؟ قناة التليفزيون العربي - جبهة مشتعلة وكمين يطيح بقوة إسرائيلية وغارات عنيفة جنوبي لبنان.. التفاصيل في الخريطة التفاعلية وكالة الأناضول - خلال 251 يوما.. إسرائيل تقتل 1012 فلسطينيا في 3338 خرقا لاتفاق غزة
عامة

عودة "الكارتاز".. كيف تخطط إيران لخصخصة مضيق هرمز؟

الجزيرة نت
الجزيرة نت منذ 1 ساعة

لنبدأ قصتنا بمشهد تخيلي لكنه قادم من عالم الحقيقة. في الساعات الأولى من فجر أحد أيام أبريل/نيسان 2026، ناقلة نفط عملاقة تحاول شق مياه عنق زجاجة العالم في مضيق هرمز في خضم حرب عاصفة. فجأة، بدأت شاشات ا...

لنبدأ قصتنا بمشهد تخيلي لكنه قادم من عالم الحقيقة.

في الساعات الأولى من فجر أحد أيام أبريل/نيسان 2026، ناقلة نفط عملاقة تحاول شق مياه عنق زجاجة العالم في مضيق هرمز في خضم حرب عاصفة.

فجأة، بدأت شاشات الرادار في غرفة القيادة تضج بنقاط متسارعة؛ زوارق سريعة تابعة لبحرية الحرس الثوري الإيراني تحيط بالناقلة كأسراب الذئاب البحرية.

لم تكن هذه المرة نداءات روتينية للتحقق من الهوية؛ بل كان الأمر أشبه بـ" نقطة تفتيش برية" نُقلت إلى قلب المحيط.

عبر اللاسلكي، جاء صوت حازم باللغة الإنجليزية يطالب قبطان السفينة بدفع رسوم العبور.

لم يكن هذا المشهد المحتقن مجرد مناوشة عسكرية فرضتها حسابات الحرب المستعرة، بل كان بمثابة إعلان تاريخي عن إعادة واحدة من أقدم الكارتات البحرية في التاريخ.

لوهلة ظن العالم أن ما يحدث جزءا من الضريبة التي فرضتها إيران على التجارة العالمية بسبب الحرب، وأنها ستزول بمجرد انتهائها، ولكن بمرور الوقت سيتبين أن طهران كانت تضع الحجر الأخير في إستراتيجية صامتة ومدروسة لـ" توطين" المضيق، وإعادة تقديم أخطر اختناق مائي في العالم بوصفه ملكية خاصة و" شباك تذاكر" وطني خالص، فارضة على العالم واقعا جديدا: زمن العبور المجاني والآمن قد ولّى، وأهلا بكم في عصر" الكارتاز الإيراني".

list 1 of 2لماذا تعاطف المصريون مع إيران ضد أمريكا وإسرائيل؟list 2 of 2هذه القوة النووية القادمة التي يجب أن يخشاها العالملعقود طويلة من الزمن، تعامل أغلب المحللين وصناع القرار في الغرب مع إدارة إيران لملف مضيق هرمز من زاوية صِفرية لا ترى إلا سيناريو من اثنيْن: إما إبقاء المضيق مفتوحا على مصراعيه بضمانة انتشار البحرية العسكرية الدولية، أو إغلاقه عسكريا بشكل كلي.

لم يترك هذان الخياران أي مفر إلا نسف المعبد على رؤوس الجميع إن اندلعت حرب كتلك التي أشعلتها الولايات المتحدة وإسرائيل في فبراير/شباط 2026.

" كان صناع القرار في طهران، ربما منذ قرون، يرسون القواعد لفرض أمر واقع مختلف كليا"في الظل، كان صناع القرار في طهران، ربما منذ قرون، يرسون القواعد لفرض أمر واقع مختلف كليا.

لم تَعُد إيران مكتفية بالتخندُق دفاعيا وراء الشريان المائي الحرج، بل مارست سياسة اختراق مُتدرجة استهدفت" توطين" المضيق بسحب الصفة الدولية عنه، وتحويله إلى ممر وطني خالص.

كان نصيب آيات الله، ورثة هذه الفكرة، المخاطرة بمحاولة إلقاء حجر أخير في المياه الراكدة، سعيا لفرض واقع جيو-اقتصادي جديد، إما بانتزاع اعتراف عالمي بأن المضيق إيراني، أو بإجبار العالم على التواؤم مع فكرة أن زمن العبور الآمن والمجاني الذي اعتادوا عليه قد ولَّى.

هرمز.

النظام في مواجهة الفوضىلا يعتبر الوعي الجمعي الإيراني مضيق هرمز مجرد قناة مائية دولية تصادف وجودها على حدود البلاد، بل يُنظَر إليه على أنه امتداد للروح الفارسية التي منحت المضيق اسمه وفق الرواية الإيرانية.

ويرى بعض المؤرخين أن اسم" هرمز" تطوُّر لفظي لكلمة" أورمزد" في اللغة الفارسية الوسطى، التي تنحدر بدورها من" أهورامزدا"، الإله الأسمى وخالق الكون في الديانة الزرادشتية، التي دانت بها الإمبراطوريات الفارسية القديمة.

منح هذا الارتباط الديني المضيق في الوعي القومي الإيراني بُعدا يتجاوز الجغرافيا، إذ تحوَّل إلى مجال لسيادة النظام في مواجهة الفوضى التي يمثلها أعداء الأمة الإيرانية.

" في الإرث الفارسي، يملك صاحب البيت المقدس وحده مفاتيحه، ومن ثمَّ فهو وحده من يحق له تحديد من يعبر فيه، وتقاضي ثمن هذا العبور"صحيح أن هذا الارتباط يبقى مجرد نظرية، ضمن نظريات أخرى ربطت أصل تسمية المضيق بأصول متباينة، لكن التأصيل الزرادشتي على ما يبدو ترك أثرا في الوجدان الإيراني، الذي ترجم الأصل اللغوي المُفترَض بصرامة جيوسياسية.

فالمضيق الذي يحمل اسم إله الزرادشتية بات يمثل في العقل الإيراني جغرافيا مقدسة، تعتبر أي اعتداء خارجي عليه تدنيسا للنظام الذي ورثته طهران وحملت، على تباين مشارب وأيديولوجيات حكامها، عبء حراسته.

في الإرث الفارسي، يملك صاحب البيت المقدس وحده مفاتيحه، ومن ثمَّ فهو وحده من يحق له تحديد من يعبر فيه، وتقاضي ثمن هذا العبور.

وبناء على هذا الإرث، لم يكن مضيق هرمز متاحا للعبور المجاني تاريخيا، فقد عملت مملكة هرمز القديمة فعليا كأضخم" كارتة بحرية" في العالم القديم، وجَنَت ثروات طائلة من فرض الضرائب على سفن التوابل والحرير.

انقطع اتصال هذا السياق التاريخي مؤقتا في القرن السادس عشر باحتلال مضيق هرمز على يد القائد البرتغالي ألفونسو دي ألبوكيرك، إذ اعتبره أحد" المفاتيح الثلاثة" للسيطرة على تجارة العالم، إلى جانب مضيقيْ ملقا وعدن.

غير أن الإمبراطورية الفارسية لم تتسامح مع فقدان شبَّاك تذاكرها الأهم، ولذا شنَّ الشاه الصفوي عباس الأول حملة عسكرية ضخمة عام 1622، مُستعينا بأسطول شركة الهند الشرقية البريطانية، لطرد البرتغاليين واستعادة نقطة الجباية لخزائن إمبراطوريته.

بعد أكثر من 3 قرون، لم تتغيَّر نظرة حكام إيران إلى المضيق ومياه الخليج بشكل عام.

فمع انسحاب القوات البريطانية من الخليج العربي عام 1971، وقبيل إعلان قيام دولة الإمارات العربية المتحدة، انقضت البحرية الإيرانية بأمر من الشاه محمد رضا بهلوي للسيطرة على الجزر الاستراتيجية الثلاث طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى، التي تستمد قيمتها من كونها يابسة متقدمة عند المدخل الغربي للمضيق، حيث تمر بمحاذاتها مسارات المياه العميقة التي تحتاجها ناقلات النفط العملاقة.

" ورثت الجمهورية الإسلامية كنزا جغرافيا حوَّله الحرس الثوري إلى قواعد عسكرية مُدججة بمنصات الصواريخ وأسراب الزوارق السريعة"باحتلال الجزر، باتت بحرية الشاه تسيطر على عنق الزجاجة الأهم لتجارة النفط العالمية، قبل سنوات من اندلاع الثورة الإسلامية بقيادة آية الله الخميني، فيما يمكن اعتباره دليلا على اتصال النظرة الإيرانية للمضيق بتاريخ أقدم بكثير من تأسيس الجمهورية الإسلامية، التي ورثت هذا الكنز الجغرافي، فحوَّله الحرس الثوري إلى قواعد عسكرية مُدججة بمنصات الصواريخ المضادة للسفن وأسراب الزوارق السريعة.

مفارقات تاريخية في تشريع هرمزمن المفارقات الملفتة أن إيران لم تكن تاريخيا الطرف الذي صاغ الوضع القانوني والتنظيمي لمضيق هرمز.

فعلى مدار قرون طويلة، وقفت الإمبراطورية الفارسية في مقعد المتفرج، بينما كانت قواعد الاشتباك تصاغ على بُعد آلاف الأميال.

والمفارقة الأبرز هي أن" أعداء إيران الحاليين" لعبوا الدور الأهم في منح آيات الله مفتاح رسم المسار الذي يطرقون أبوابه حاليا، بناء على قواعد لم يكُن مضيق هرمز مقصودا بها، لكنهم صاغوها لحل نزاعات سيادية واقتصادية في محيطات ومضائق بعيدة.

بدأت خيوط هذه الشبكة التشريعية عام 1494، حين وقَّعت إسبانيا والبرتغال معاهدة تورديسيلاس لتقاسم محيطات العالم بخط طول وهمي، بحيث تملك إسبانيا المحيطات غربا، بينما تنضم محيطات الشرق، بما فيها المحيط الهندي والخليج، لأملاك البرتغال.

وللاستفادة من أملاكها، خصوصا مع اكتشاف طريق رأس الرجاء الصالح واختراق مياه المحيط الهندي، ابتكرت البرتغال نظام التصاريح البحرية" الكارتاز" بعد أقل من عقدين من توقيع المعاهدة.

" قام نظام الكارتاز على فرض الإمبراطورية البرتغالية جواز مرور ملاحي إجباري على السفن التي تبحر في أملاكها"يقوم نظام الكارتاز على فرض الإمبراطورية البرتغالية جواز مرور ملاحي إجباري على السفن التي تبحر في أملاكها، مع تصنيف المخالفين بوصفهم سفن قرصنة، يُستباح دم طاقمها وتُصادَر حمولتها كحق مشروع للتاج البرتغالي.

وفي تلك المنظومة، لعب مضيق هرمز في فترة احتلاله من البرتغال دور نقطة التفتيش وإصدار وثائق المرور.

لكن أثر معاهدة تورديسيلاس لم يَدُم، إذ وُلِدَت قوى بحرية جديدة، وتحديدا هولندا وإنجلترا، اللتان لم تعترفا بمعاهدة التقاسم القائمة بين البرتغال وإسبانيا، فاندلعت الشرارة عام 1603 حين أسر قبطان، يعمل بشركة الهند الشرقية الهولندية، سفينة سانتا كاتارينا البرتغالية في مياه آسيا، فيما يمكن اعتباره أول خرق عملي للمعاهدة.

لشرعنة الخطوة، كلَّفت الشركة الهولندية المحامي والفيلسوف هوغو غروتيوس بصياغة كتاب" البحر الحُر" عام 1609، استنادا على حجة أن البحر مائع بطبيعته، لا يمكن إحاطته بأسوار، ومن ثمَّ فالمحيطات ملك مشاع، والملاحة فيها يجب أن تتمتع بحرية مطلقة، أما نظام الكارتاز البرتغالي فهو عمل غير قانوني تجب محاربته وفقا لهذا التصوُّر.

ضمن تطبيقات النظرية الوليدة، أبحرت سفن هولندا للصيد في محيط الجزر الإنجليزية، ومرت أساطيلها التجارية دون دفع أي رسوم للتاج الإنجليزي.

وقد سمح ملك إنجلترا تشارلز الأول، للفقيه القانوني جون سيلدن، بنشره رده على كتاب البحر الحر عام 1635، عبر كتاب" البحر المُغلق"، الذي عُدَّ بعدها العقيدة الحاكمة للبحرية البريطانية.

" أسس كتاب البحر المغلق لفكرة خصخصة البحار عبر رسم خطوط وهمية تُحوِّل المياه إلى امتداد للإقليم البري"في كتابه، أسس سيلدن لفكرة خصخصة البحار عبر 3 قواعد تستند على أن تقسيم البحار ممكن عبر رسم خطوط وهمية تُحوِّل المياه إلى امتداد للإقليم البري، وملكية خاصة للدولة المُشاطئة، شريطة أن تملك القوة الكافية لنشر أسطولها لحراسة المياه ومنع الآخرين من دخولها دون إذن مسبق، مع حق الدول الساحلية في فرض رسوم على الأجانب، وإلزام السفن العابرة بأداء التحية البحرية، بخفض العلم أو إطلاق المدافع، اعترافا بسيادة مالك البحر.

استقر العرف العالمي على تبني نقطة وسط بين النظريتيْن، فالبحر حر عموما لتسيير عجلة الاقتصاد العالمي، مع منح الدول الساحلية حصة مُحددة تضمن لها حقوق المشاطئة، وتمنعها من التمدد العشوائي، وفق معيار عرفي لضبط السيادة، ابتكره الفقيه الهولندي كورنيليوس فان بينكرشوك في أوائل القرن الثامن عشر، وعُرف بقاعدة" رمية المدفع"، والتي حدَّدت نطاق السيادة بمدى نطاق وصول رمية المدافع الساحلية، وهو ما تُرجِم قانونيا إلى تحديد المياه الإقليمية لكل دولة بمسافة ثلاثة أميال بحرية من سواحلها.

لم يمثل تطبيق القاعدة أي أزمة سيادة في مضيق هرمز، إذ إن عرضه يصل في أضيق نقاطه إلى 21 ميلا بحريا، مما يكفي لتغطية المياه الإقليمية لإيران بعرض ثلاثة أميال، ومثلها لعُمان بمجموع ستة أميال، في حين يصير ما تبقى من مساحة في قلب المضيق بعرض 15 ميلا بحريا ممرا مائيا محايدا يُصنَّف قانونا بـ" أعالي بحار"، بما يمنح السفن العابرة حصانة مطلقة للمرور بحرية دون إخطار أو دفع رسوم، تحت حماية الإمبراطورية البريطانية التي لعبت دور شرطي المحيطات آنذاك، حيث نشرت بوارجها في مياه الخليج لحماية طريق تجارتها الحيوي إلى الهند.

استقرت تلك القاعدة حتى منتصف القرن العشرين، حين تداعى العرف الملاحي في أعقاب الحرب العالمية الثانية.

والمفارقة هنا أن شرارة التمرد الأولى لإسقاط قاعدة رمية المدفع انطلقت من الولايات المتحدة، حين أصدر الرئيس هاري ترومان إعلانا عام 1945 يبسط سيادته على موارد الجرف القاري الأمريكي.

وسرعان ما تلقفت دول العالم هذا الاستثناء؛ فقادت دول أمريكا اللاتينية (بيرو وتشيلي) ثورة قانونية لتوسيع مياهها، وتحدَّت أيسلندا الأساطيل البريطانية فيما عُرف بـ" حروب القد".

في الحقبة نفسها شهدت بحار العالم أزمتيْن متتاليتيْن، الأولى حادث قناة كورفو عام 1946، وهي سلسلة من الاشتباكات البحرية بين بريطانيا وألبانيا في عام 1946، والتي أدت إلى اندلاع أول نزاع قانوني دولي يُعرض أمام محكمة العدل الدولية التي أسست لمبدأ مسؤولية الدول عن الألغام الموجودة في مياهها الإقليمية وأصدرت حكما يمنع حظر المرور في المضايق الدولية وقت السلم.

والثانية فرض السيطرة المصرية على خليج العقبة ومضيق تيران عام 1956.

وسط كل تلك الأزمات، أتت اتفاقية جنيف للبحر الإقليمي عام 1958 شاملة نصا قاطعا يمنع إغلاق المضايق الدولية، مع إرساء قاعدة" المرور البريء"، الذي يضمن للسفن الأجنبية حق العبور، مع إلزام الغواصات بالتجرد من تخفيها الاستراتيجي والطفو على السطح وإظهار أعلامها، وحرمان الطائرات العسكرية من أي حق في التحليق المرافق دون إذن مسبق.

تزامن ذلك مع تصاعد موجات الاستقلال الوطني لدول العالم الثالث؛ حيث نظرت الدول الآسيوية والأفريقية إلى قاعدة الأميال الثلاثة على أنها" صنيعة إمبريالية" تخدم أساطيل المستعمر القديم، ولذا أخذت الدول المستقلة حديثا منذ أواخر الخمسينيات تصدر إعلانات أحادية تُوسِّع مياهها الإقليمية إلى 12 ميلا بحريا.

أجبر هذا التمرد المتصاعد المجتمع الدولي على تقنين الأمر الواقع، الذي تبلور رسميا مع انطلاق أعمال مؤتمر الأمم المتحدة الثالث لقانون البحار عام 1973، مع إجماع دولي على حق الدول في توسيع مياهها الإقليمية إلى 12 ميلا بحريا.

لكن هذا الإجماع خلق كابوسا للقوى العظمى في أكثر من مئة مضيق دولي، فمع تمدُّد المياه الإقليمية إلى 12 ميلا، ابتلعت الدول الساحلية ممرات أعالي البحار المحايدة التي كانت تتوسط تلك المضايق، ووجدت السفن نفسها مضطرة للإبحار داخل المياه السيادية الخالصة للدول المشاطئة للمضايق، وخاضعة تلقائيا لقيود نظام المرور البريء القديم.

ولإنقاذ حركة التجارة، ابتكرت القوى العظمى نظاما جديدا أسمته" المرور العابر" في المادة 38 من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار عام 1982، الذي فرض حصانة مطلقة تمنح السفن والغواصات حرية عبور سَلِسة ومجانية، وغير قابلة للتعليق لأي سبب.

في غضون ذلك كان القانونيون في طهران يحترفون التنقيب عن ثغرات القانون، وبناء دفاعهم بما يخدم الأهداف الإيرانية.

ففي يوليو/تموز 1934، وتحت وطأة هيمنة بريطانيا المطلقة على الخليج، التزم المشرع الإيراني بقاعدة رمية المدفع، مُحددا مياه الدولة الإقليمية بثلاثة أميال بحرية فقط، مُفضِّلا انتظار اللحظة المناسبة لاتخاذ الخطوة التالية، وهي لحظة حانت في أبريل/نيسان 1959، حين انفض مؤتمر جنيف 1958 دون اتفاق الدول المتفاوضة على توحيد الحد الأقصى للمياه الإقليمية لكل دولة، في ثغرة استغلتها طهران بالتزامن مع تحركات عدة دول في الاتجاه نفسه، واستبدلت بقانونها القديم تشريعا جديدا وسَّع سيادتها إلى 12 ميلا بحريا، وهو ما تبعته سلطنة عُمان بإصدار مرسوم مشابه عام 1972.

" مع توسيع إيران وسلطنة عمان سيطرتهما إلى 12 ميلا بحريا لكل منهما، أصبح مضيق هرمز بدون منطقة محايدة في قلب الممر"المشكلة هنا أن مضيق هرمز لم يكن قابلا لاستيعاب التشريع؛ فعرض الممر المائي لا يتجاوز 21 ميلا بحريا، ما يعني أنه، حال تطبيق القانون، لا يصلح للتقاسم بين الدولتين المُطلتين عليه، فضلا عن إبقاء منطقة محايدة في قلب الممر.

ولذا وجدت السفن المارة نفسها مُجبرة على الإبحار في المياه الإقليمية الإيرانية، ما يعني أن الأساطيل الدولية باتت مجبرة نظريا على الخضوع التلقائي لنظام" المرور البريء" المنصوص عليه في معاهدة جنيف لعام 1958.

يتطلب ذلك أن يكون مرور السفن متواصلا وسريعا، ولا يخل بأمن الدولة الساحلية وسِلمها، وأن تلتزم السفن المارة بالقوانين الداخلية للدولة، على أن يحق للدولة المشاطئة تعليق المرور مؤقتا في مناطق محددة إذا رأت ذلك ضروريا لحفظ الأمن، وإلزام الغواصات بالتجرد من تخفيها الاستراتيجي والطفو على السطح وإظهار أعلامها، وحرمان الطائرات العسكرية من أي حق في التحليق المرافق دون إذن مسبق.

وحين أضافت اتفاقية 1982 نظام المرور العابر، لم يعترض المفاوض الإيراني الذي وقَّع الاتفاقية الجديدة، مع إضافة" الثغرة" التي يبدو أنهم درسوها بعناية.

فقد أرفقت طهران توقيعها بـ" إعلان تفسيري" رسمي، يتمسَّك بحصر حق المرور العابر في الدول التي وقَّعت على المعاهدة وصادقت عليها.

وبما أن الولايات المتحدة امتنعت عن التصديق لأسبابها الداخلية، افترضت طهران أن المرور العابر لا ينطبق على الأسطول الأمريكي.

وإلى اليوم تستخدم طهران هذا التفسير غطاء تشريعيا، مُستندة إلى مبدأ أن المعاهدات لا تُلزِم غير أطرافها.

في المقابل تستند البحرية الأمريكية في عبورها للمضيق إلى عقيدة قانونية ترى أن معاهدة 1982 لم تبتكر نظام" المرور العابر" من العدم، بل قنّنت عرفا دوليا ملاحيا مستقرا.

ووفقا لـ" دليل القائد لقانون العمليات البحرية الأمريكي" فإن حقوق الملاحة في المضايق الدولية تتمتع بحصانة عالمية تسري على جميع الدول بغض النظر عن توقيع المعاهدات.

هذه المفارقة قد تضع المضيق في منطقة رمادية فريدة؛ حيث تعتمد طهران على" نص" الاتفاقية لتبرير المنع، بينما تحمي واشنطن بوارجها بـ" روح" العرف الدولي، مما يجعل كل عملية عبور أمريكية بمثابة إعادة تثبيت قسري للعرف في مواجهة التفسير الإيراني.

الأدهى أن الاتفاقية بقيت في أدراج البرلمان الإيراني حتى اللحظة دون التصديق عليها رسميا، ما يعني أن توقيع طهران كان مبدئيا، دون أن يدخل انضمامها للمعاهدة حيز التنفيذ.

ولا تتعلق مشكلة إيران هنا بسَريان الاتفاقية، التي تجادل الولايات المتحدة بأنها باتت العرف الدولي الحاكم للجميع سواء صادقوا عليها أو لا، بل تكمن في أحد بنود قاعدة سيلدن للبحار المغلقة؛ أن تملك الدولة القوة الكافية لحماية مياهها.

وقع أول اختبار حقيقي لهذه القدرة الإيرانية خلال حرب الناقلات في النصف الثاني من الثمانينيات أثناء الحرب العراقية الإيرانية، حين حاول العراق منع إيران من تصدير البترول بضرب معظم الموانئ النفطية الإيرانية، ومن ثمَّ ركَّزت إيران هجماتها على ناقلات النفط الخليجية تحت مزاعم الدعم الخليجي للعراق.

وتركزت معظم الخسائر في ناقلات النفط الكويتية، ما دفع الحكومة الكويتية لطلب الحماية الدولية لناقلاتها، فتدخَّلت البحرية الأمريكية بدعوى حماية حرية الملاحة، ورفعت العلم الأمريكي على الناقلات الكويتية.

وفي أبريل/نيسان 1988 أطلقت واشنطن" عملية فرس النبي"، التي دمَّرت نصف الأسطول الإيراني تقريبا في يوم واحد، حين اشتبكت البحرية الأمريكية مع نظيرتها الإيرانية داخل المياه الإقليمية الإيرانية ردا على تلغيم إيران مياه الخليج وإصابة سفينة حربية أمريكية إثر ارتطامها بلغم بحري أثناء انتشارها في الخليج لمرافقة حاملات النفط الكويتية.

ولم تكد طهران تبتلع الصدمة حتى باغتتها صدمة" عاصفة الصحراء" عام 1991؛ حين حشدت واشنطن أضخم قوة بحرية غربية وعبرت مضيق هرمز واستقرت في الخليج لضرب العراق، بينما وقفت طهران عاجزة أمام هذا الاستعراض المرعب للقوة على تخومها.

خرج العقل الإستراتيجي الإيراني من الصدمتين بنتيجة قاطعة: إذا كانت إيران لا تملك القوة العسكرية لمنع الأساطيل الأمريكية من دخول الخليج، فيجب عليها أن تنفذ عمليات قرصنة بحرية خاطفة في محاولة ردع خصومها الأقوى منها عسكريا، على أن تحمي طهران تلك العمليات بنصوص قانونية محلية تُجرِّم دخول السفن غير المرغوب فيها إلى المياه الإيرانية، ما يُحوِّل عبورها المياه دون إذن إيران إلى انتهاك للسيادة يستوجب الرد.

" أصدر البرلمان الإيراني قانون المناطق البحرية عام 1993، مُدعيا أن الساحل الإيراني يمتلك سلسلة جزر متناثرة في مضيق هرمز ينبغي تحديد المناطق البحرية بناء عليها"لتقنين هذا الانقلاب المفاهيمي، نقب المفاوض الإيراني في أرشيف القانون الدولي، ليجد ضالته في محاولة استنساخ مثيرة للجدل لسابقة المصايد النرويجية عام 1951.

وكانت محكمة العدل الدولية قد أقرَّت في تلك القضية بحق النرويج في حماية مناطق صيد الأسماك عبر ربط جزرها المتباعدة برسم خطوط أساس مستقيمة، دون الالتزام بالحدود الطبيعية التي تبدأ من الشواطئ شديدة التعرُّج لتلك الجزر.

وقد استنسخت طهران هذا الحكم الأوروبي وطبَّقته على مضيق هرمز، ففي مايو/أيار 1993، أصدر البرلمان الإيراني قانون المناطق البحرية، مُدعيا أن الساحل الإيراني يمتلك سلسلة جزر متناثرة في قلب مضيق هرمز.

وبناء عليه، رسمت طهران خطوطا هندسية مستقيمة تربط بين رؤوس هذه الجزر، متجاهلة خط الشاطئ الطبيعي.

بموجب هذا الإجراء، ادَّعت طهران تحوُّل كافة المسطحات المائية التي تقع خلف هذه الخطوط المستقيمة إلى مياه داخلية تخضع لسيادتها المطلقة، مع تحريك المياه الإقليمية بحيث يبدأ قياس الـ 12 ميلا من بعد خطوط الأساس الجديدة، ما يعني فعليا ابتلاع مسار الشحن الدولي المخصص لدخول السفن إلى الخليج.

ورغم أن المجتمع الدولي لا يعترف بهذا الترسيم ويعتبره مخالفا لاتفاقية عام 1982، فإن طهران استغلَّته لفرض أمر واقع عملياتي؛ إذ باتت الأساطيل الغربية مضطرة للعبور داخل ما تعتبره طهران مياها سيادية، ما يمنح الحرس الثوري الغطاء القانوني لاشتراط الإذن المسبق، وإجبار الغواصات على الطفو، واستخدام ذرائع حماية البيئة لاحتجاز الناقلات التجارية واقتيادها إلى الموانئ الإيرانية.

بكل تلك الترسانة التشريعية المصحوبة بردع صاروخي فعال، بات كل شيء جاهزا لإعادة الزمن قرونا إلى الوراء، واستدعاء نسخة حديثة من" الكارتاز" وعقيدة البحر المغلق، حيث تخطط إيران لإعادة تقديم مضيق هرمز إلى العالم بوصفه ملكية خاصة، على أن يكون العبور فيه امتيازا يستوجب دفع فاتورة السيادة.

كانت تلك خطوة أجَّلتها إيران حتى حين، انتظارا للحظة ذهبية تُحوِّل ما كان بمثابة انتحار عسكري قبل أشهر قليلة، إلى واقع قابل للتفاوض بعد نهاية الحرب.

" تخطط إيران لإعادة تقديم مضيق هرمز إلى العالم بوصفه ملكية خاصة، على أن يكون العبور فيه امتيازا يستوجب دفع فاتورة السيادة"في خضم التصعيد العسكري الذي شهده النصف الأول من هذا العام، قرَّرت طهران تفعيل" الكارتاز" رسميا.

ففي أواخر مارس/آذار 2026، أقرَّت لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني مشروع قانون لفرض رسوم عبور على السفن التجارية المارة بالمضيق، مع حظر تام لعبور السفن التابعة للولايات المتحدة وإسرائيل أو الدول المشاركة في العقوبات.

ولم تنتظر طهران التصديق الدستوري النهائي لتفعيل الجباية، فبدأ الحرس الثوري فرض رسوم غير رسمية تصل إلى مليوني دولار على بعض السفن، تُدفَع مسبقا بالريال الإيراني أو اليوان الصيني أو العملات الرقمية المشفرة.

وفي 23 أبريل/نيسان 2026، أعلن حميد رضا حاجي بابائي، نائب رئيس البرلمان الإيراني، أن طهران بدأت بالفعل تحصيل أولى إيرادات العبور وإيداعها في حسابات البنك المركزي.

ولإحكام هذه اللعبة الجيوسياسية، سارعت طهران لإعفاء حلفائها الاستراتيجيين في موسكو وبكين ونيودلهي من هذه الرسوم، مُكرِّسة واقعا جديدا تحوَّل فيه المضيق من ممر دولي حُر إلى أداة لتمويل الخزانة الإيرانية ومكافأة الحلفاء ومعاقبة الخصوم.

كانت كل تلك الخطوات كافية كي تُشعِل الحرب في الماضي، لكن الحرب كانت قائمة بالفعل، وستنتهي بتفاوض على الأغلب ربما يُثبِّت الوضع الجديد أو يُخفِّفه، أو ربما حتى يستقر على إعادة المضيق إلى حالته ما قبل الحرب، لكن المؤكد أن طهران كانت مستفيدة في كل الأحوال، إذ إنها أرست السابقة، التي سيستدعي تكرارها رد فعل أقل عنفا في المستقبل.

" ربما لا تباشر طهران خطتها بشأن المضيق حاليا لكنها أرست السابقة التي سيستدعي تكرارها رد فعل أقل عنفا في المستقبل"هنا تظهر واحدة من معالم المدرسة الإيرانية في التعامل مع الحساسية الدولية تجاه المضيق، ففي كل مرة يمثل إرساء الترسانة التشريعية نصف المعركة.

يدرك العقل الإستراتيجي الإيراني أن القوانين والاتفاقيات تظل حبرا على ورق ما لم يقترن بها تغيير في العقلية الدولية.

وهنا تُكمِّل إيران معركتها في الظل بهندسة الوعي في سلوك ربما يفسره مفهوم" نافذة أوفيرتون".

يقوم المفهوم على فكرة أن أي أزمة هي نافذة تجمع السياسات التي يعتبرها العالم مقبولة، بحيث يصبح أي خروج عن إطارها انتحارا.

ولتمرير واقع يبدو مستحيلا عسكريا وسياسيا، لا يجب الاندفاع إليه دفعة واحدة، بل الدفع به تدريجيا عبر سلسلة من الاستفزازات المحسوبة التي تتلاعب بحدود الاحتمال، حتى تنزاح النافذة ويتَّسِع إطارها، ثم يتحوَّل ما كان مستحيلا إلى أمر واقع قابل للتعايش شيئا فشيئا.

وبعدما كانت فكرة إعاقة إيران لقطعة بحرية أمريكية في خانة المستحيل الانتحاري الذي قد يدفع لإشعال الحرب، انتقلت إيران في المراحل التالية إلى إستراتيجية التدرُّج.

واستمرت المرحلة الأولى لسنوات، واصلت فيها إيران اختبار ردود الأفعال عبر عمليات احتكاك رمادي؛ أي الاقتراب الخطير والمناوشة دون اشتباك مباشر، عبر دفع زوارق الحرس الثوري السريعة للاقتراب بمسافات غير آمنة من المدمرات الأمريكية.

ورغم أن هذا السلوك كان يستدعي الرد العسكري في الماضي، ابتلعت واشنطن الطعم واكتفت بتصنيفه كـ" سلوك غير مهني".

وبمجرد انكسار الحاجز النفسي، تحرَّكت النافذة الإيرانية خطوة نحو الأمام.

مع تقبُّل العالم لهذا التحرش البحري الإيراني، أخذت إيران ترفع السقف.

فقد بدأت البحرية الإيرانية بتوجيه نداءات حازمة تُجبِر السفن الحربية على الإفصاح عن هويتها، مكرسة صورتها كشرطي المرور الأوحد للمضيق.

وتزامن ذلك مع تسيير طائرات مُسيَّرة فوق القطع البحرية الأمريكية لالتقاط الصور.

ومع تكرار هذه التحرُّكات التي تبلَّد تجاهها الإحساس الدولي، تحوَّلت من أعمال تنذر بالحرب إلى مجرد أخبار روتينية.

" لتمرير واقع يبدو مستحيلا عسكريا وسياسيا، لا يجب الاندفاع إليه دفعة واحدة، بل الدفع به تدريجيا عبر سلسلة من الاستفزازات المحسوبة التي تتلاعب بحدود الاحتمال"هذا التخدير التدريجي مهَّد الطريق لما يشبه القرصنة المُقنَّنة، فقد بدأت إيران في اقتياد ناقلات النفط البريطانية والكورية واليونانية إلى الموانئ الإيرانية تحت ذرائع بيئية.

ولأن العالم كان قد استُنزِف نفسيا، لم ينظر إلى السلوك الإيراني المتصاعد بوصفه من أعمال الحرب التي تستوجب تحريك الأساطيل، بل ابتلعه بوصفه جزءا من أزمة دبلوماسية يمكن حلها عبر الإفراج عن أموال مُجمَّدة في بنوك خارجية.

وحين اعتاد العالم على الخطر الجديد، فإن تقبُّل إجراء مزعج مثل فرض رسوم عبور أو إجراء بيئي يمنح البحرية الإيرانية حق جباية غرامات من السفن المارة بالمضيق بذريعة تلويث البيئة؛ بات تنازلا مريحا تتنفس له العواصم الغربية الصعداء، وصولا إلى الحرب التي شلَّت المضيق وحوَّلت مجرد مرور السفن إلى أمر قابل للطرح على طاولة التفاوض.

كيف يبتلع العالم" فاتورة الجباية"؟أمام هذا الواقع، تقف العواصم الغربية، وتحديدا واشنطن، في مواجهة معضلة صفرية، فهي من جهة لا ترى الخضوع لمبدأ" الجباية الإيرانية" حلا منطقيا، إذ ينسف عقيدة حرية الملاحة من جذورها، ويمنح الحرس الثوري انتصارا إستراتيجيا واعترافا فعليا بسيادته على المضيق.

لكنها من الجهة الأخرى تدرك أن البديل العسكري بتسيير قوافل بحرية محمية وسط حقول ألغام وزوارق انتحارية، يكلف ميزانية الدفاع الأمريكية مليارات الدولارات، ويبقي أسواق الطاقة العالمية تحت رحمة أقساط التأمين الفلكية.

من هذه الزاوية، تراهن إيران على أن حسابات الاقتصاد ستجبر العالم على الرضوخ لمطالبها في مضيق هرمز، فإضافة دولار واحد على سعر كل برميل نفط (كرسوم) يمنح طهران متوسط 8 مليارات دولار سنويا، لكنه لن يؤثر على أسعار النفط العالمية بأكثر من 1%، وهي نسبة لا تكاد تُذكَر لو ضمنت إبقاء الممر مفتوحا وآمنا، مقارنة بتكلفة شل الحركة، أو القفزات في أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب، أو حتى استنزاف ميزانيات الأساطيل الغربية.

" إضافة دولار واحد على سعر كل برميل نفط (كرسوم) يمنح طهران 8 مليارات دولار سنويا، لكنه لن يرفع أسعار النفط العالمية بأكثر من 1%"للخروج من هذا المأزق، اختار الغرب حلا وسطا لا يعترف بـ" الكارتاز الإيراني" رسميا، لكنه يعتمد على تكتيك" تعهيد الرضوخ"، والتعهيد هو إستراتيجية إدارية تعني الاستعانة بمصادر خارجية لتنفيذ مهام أو خدمات معينة، بدلا من القيام بها داخل المؤسسة.

ووفق هذا التكتيك، لن ترضخ الدول الغربية مباشرة لطلبات طهران، ولن تعترف رسميا بحق إيران في تحصيل رسوم مقابل عبور المضيق، لكنها ستغض الطرف عن قيام شركات الشحن ووكلاء التأمين بدفع هذه الرسوم لإيران تحت مسميات مموهة، مثل رسوم خدمات بيئية، أو مقابل سلامة بحرية، أو حتى عبر وسطاء إقليميين مثل صندوق مشترك لأمن المضيق، ضامنة بذلك تدفُّق النفط وانخفاض بوليصة التأمين دون الاضطرار لتوقيع صك اعتراف سيادي لطهران.

لكن ما قد تعتبره العواصم الغربية مخرجا تكتيكيا يحفظ كبرياءها، هو ذاته الفخ الإستراتيجي الذي تحاول طهران نصبه بعناية.

ففي العقل الإستراتيجي الإيراني، لا تمثل الـ 8 مليارات التي ستجنيها إيران من عبور النفط الغاية النهائية رُغم أهميتها للاقتصاد المُحاصَر، إذ تشير السوابق إلى أنها مجرد حصان طروادة لانتزاع السيادة.

لن تكترث طهران كثيرا لهوية الجهة الدافعة أو المسمى الذي ستُغلَّف به الفاتورة، طالما أن مبدأ الدفع مقابل العبور قد تكرَّس كأمر واقع، تمهيدا لتطبيع الوضع الجديد، ومن ثم توسيع النافذة مجددا.

هذا الرضوخ الغربي المُبطَّن هو بالضبط صك الملكية الذي تبحث عنه إيران.

بمجرد قبول العالم بدفع إتاوة، أيا كان اسمها أو دوافعها، تسقط عمليا صفة الممر الدولي الحر عن هرمز، ويتحول إلى مياه مشروطة.

وإرساء هذه السابقة القانونية يمنح النظام الإيراني الذريعة المستقبلية لرفع" تسعيرة الجباية" وقتما شاء، والأهم، استخدام ذات الحجج التي قد تُمرَّر بها الرسوم اليوم لتعليق الملاحة كليا غدا، أو حظر عبور سفن بعينها دون أن يُعَد ذلك إعلان حرب، ومن ثمَّ تصبح إيران الحارس الأوحد الذي يملك حق فتح المضيق وإغلاقه.

لكن هذه الصفقة البراغماتية قد تضع حلفاء طهران، وتحديدا الصين، أمام مفارقة اقتصادية معقدة.

فعلى مدار سنوات العقوبات، كانت المصافي الصينية المستقلة المستفيد الأكبر من العُزلة الإيرانية، إذ تبتلع بكين ملايين البراميل من النفط الإيراني المُهرَّب يوميا بخصومات هائلة تصل إلى 20 دولارا في البرميل الواحد مقارنة بخام برنت.

" لن تكترث طهران كثيرا للمسمى الذي ستُغلَّف به الفاتورة، طالما أن مبدأ الدفع مقابل العبور قد تكرَّس كأمر واقع"الآن، إذا أسفرت الحرب عن اتفاق يتضمَّن رفع العقوبات عن طهران وإعادة الأموال المُجمَّدة لها بالإضافة إلى تأسيس صندوق تنموي لتعويضها عن خسائر الحرب (تحت أي مسمى كان)، فإن إيران على الطريق كي تعود إلى أسواق الطاقة العالمية.

وحينها، لن يكون هناك أي مبرر لبيع النفط بأسعار مُخفَّضة، وللمفارقة سوف تتضرر الصين نسبيا لأنها ستضطر لشراء الخام الإيراني بالسعر العالمي.

هنا تتجلى السخرية الجيوسياسية: بكين، التي تدعم طهران ظاهريا في مواجهة الغرب، قد تكون أكبر الخاسرين اقتصاديا من نجاح إيران في تطبيع علاقاتها وشرعنة وضعها الدولي، ما يجعل المصلحة الصينية الحقيقية تكمن في بقاء طهران داخل المنطقة الرمادية، مزعجة للغرب، ومحاصرة، ومضطرة لبيع نفطها بسعر بخس.

المشكلة الأكبر التي قد تواجهها إيران الآن بضمان فرض سيطرتها على هرمز باتفاق دولي أو بالقوة، الآن أو مستقبلا، هي أن المخاطرة برفع السقف في خصخصة المضيق قد تحمل خطأ حسابيا مميتا لربما يرتد على طهران.

فلكل اختناق جغرافي نقطة تعادل اقتصادية.

تختار شركات الشحن طريقا ما لأنه الأقل في التكلفة مقارنة بأي بديل آخر.

هذا ينطبق على هرمز؛ فلا ممرات أخرى متاحة تضمن وصول كل هذه الكميات من النفط بتكلفة منافسة.

لكن، إذا ما تعرض وضع المضيق لتغيير يرفع تكلفته، سيصبح مهددا بفقدان هذه الميزة.

" لكل اختناق جغرافي نقطة تعادل اقتصادية، وإذا ما تعرض وضع المضيق لتغيير يرفع تكلفته، سيصبح مهددا بفقدان ميزته"في أوقات السلم، أو حتى مع التهديدات الروتينية، يبدو الهروب من هرمز مستحيلا، فالسعة القصوى لكل بدائل النقل الحالية لا تتجاوز بضعة ملايين من البراميل يوميا، تاركة الجزء الأكبر من نفط المنطقة رهينة في يد إيران.

لكن بمجرد أن تتجاوز تكلفة العبور، سواء بسبب الرسوم المباشرة أو أقساط التأمين الفلكية، حدود الجدوى الاقتصادية، سيتحول الاستثمار الملياري في بدائل الهروب من رفاهية مكلفة إلى ضرورة أمن قومي عالمية.

وسيدفع هذا الموقف رؤوس الأموال السيادية لمضاعفة سعات خطوط الأنابيب الالتفافية، مثل خط شرق-غرب السعودي لنقل النفط إلى البحر الأحمر، وخط حبشان-الفجيرة الإماراتي، أو بدائل أخرى قد تظهر مع الوقت لتجاوز المضيق نحو بحر العرب، بالإضافة إلى تسريع مشاريع الربط القاري للسكك الحديدية لتفريغ حاويات التجارة بعيدا عن زوارق طهران.

هنا تكمن" لعنة الكارتاز الإيراني".

فبدلا من أن يتحول المضيق إلى بقرة حلوب دائمة، قد يؤدي إفراط إيران في التسليع والجباية إلى تسريع مشاريع الاستغناء الكلي عن هذا الشريان، بحيث تستيقظ طهران يوما وتجد أن المضيق الذي قاتلت لقرون لتوطينه، وبنت ترسانة تشريعية وعسكرية لخصخصته، قد تحوَّل من عصب لا غِنى عنه للتجارة العالمية، إلى مجرد ممر مائي ثانوي باهظ التكلفة يتجنبه الجميع، ويُفقدها ورقتها الجيوسياسية الأقوى إلى الأبد.

" بدلا من أن يتحول المضيق إلى بقرة حلوب دائمة، قد يؤدي إفراط إيران في التسليع إلى تسريع مشاريع الاستغناء الكلي عن هذا الشريان"ولذا ليس غريبا أن إيران حتى الآن لم تُصدر تعليقا واضحا بخصوص مصير هرمز، سوى تعهُّدها بفتح المضيق في الاتفاق المُعلَن مؤخرا دون تفاصيل، في حين أعلن ترامب أن الاتفاق يضمن فتح المضيق دون رسوم عبور.

ويبدو أن المليارات التي وُعدت بها طهران من الأموال المجمدة والمكافآت الاستثمارية، كانت في جانب منها محاولة لتعويض إيران عن خسائر الحرب، وفي جانب منها أيضا محاولة لإثنائها عن إبقاء الرسوم المفروضة أثناء الحرب.

ورُغم أن الرسوم لم تكن هدفا بحد ذاتها بقدر ما كانت أهميتها في ترسيخ توطين المضيق، فإن المليارات التي ستتحصَّل عليها إيران، إن استُكمِل الاتفاق، وقد تُغنيها عن رسوم المضيق؛ لعلها كانت السبيل الوحيد لإنجاح الاتفاق.

لقد خرج النظام الإيراني صامدا في نهاية المطاف، وخرجت واشنطن بدون تحقيق أهدافها الاستراتيجية من شن الحرب.

ولعل هذا المكسب الأهم كافٍ لطهران في الوقت الراهن، دون ترسيخ" الكارتاز" بالضرورة، لا سيَّما وأن فوائده المالية ربما تأتي بأشكال أخرى مع اتفاق يُعيد لإيران مكتسبات اتفاق 2015 الذي ألغاه ترامب للمفارقة بعد عام واحد في فترته الرئاسية الأولى.

أما" الكارتاز الإيراني" فيظل يلوح في الأفق حال تعرَّض النظام للتهديد من جديد، لا سيَّما وقد أثبتت طهران أنها تملك القوة لفرضه في أي وقت شاءت، وهذا في الحقيقة هو التغيير الأكبر، والأقل اهتماما ورصدا، للحرب الحالية.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك