لندن ـ “القدس العربي”: نشرت مجلة “فورين بوليسي” الأمريكية مقالا تحليليا للصحافية الأمريكية ديبورا آموس بعنوان “معضلة جرائم الحرب في سوريا” وكيف وبعنوان فرعي “يمكن للحكومة إعدام مجرمي الحرب أو الحصول على الدعم الدولي الكامل ـ لكن ليس كلاهما”، تناولت فيه ما اعتبرته معضلة تواجهها حكومة الرئيس أحمد الشرع في سوريا الجديدة في مرحلة ما بعد سقوط نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد، بين الاستجابة للمطالب الشعبية بإعدام المتورطين في جرائم الحرب والانتهاكات الجسيمة، أم الالتزام بالمعايير الدولية التي تتيح لها الحصول على الدعم والتعاون الخارجي اللازمين لكشف مصير المفقودين وتحقيق العدالة الانتقالية.
وانطلق الكاتب من قضية أمجد يوسف، المعروف باسم “جزار التضامن” الذي اعتقل بعد أن وثقت مقاطع مصورة مشاركته في عمليات إعدام جماعية بحق مدنيين في حي التضامن بدمشق في عام 2013.
وقد أثار اعتقال أمجد يوسف ارتياحا واسعا بين السوريين الذين عانوا من سنوات القمع والحرب، وتصاعدت الأصوات المطالبة بإعدامه باعتباره رمزا لجرائم النظام السابق، خاصة أن كثيرا من الضحايا وذويهم يرون أن العقاب الأقصى هو الشكل الوحيد المقبول للعدالة بعد سنوات طويلة من القتل والتعذيب والاختفاء القسري.
غير أن الحكومة السورية برئاسة أحمد الشرع تواجه تحديا بالغ التعقيد، لأن إعادة بناء الدولة وتحقيق الاستقرار يتطلبان تعاونا وثيقا مع الأمم المتحدة والمنظمات الدولية المتخصصة في البحث عن المفقودين والتعرف على رفات الضحايا المنتشرين في عشرات المقابر الجماعية.
بحسب المقال فإن بعض هذه المؤسسات الدولية، وفي مقدمتها المؤسسة المستقلة المعنية بالمفقودين في سوريا التابعة للأمم المتحدة، لا تستطيع التعاون الكامل مع الدول التي تطبق عقوبة الإعدام، مما يعني أن تنفيذ أحكام الإعدام بحق المدانين قد يؤدي إلى فقدان مصادر حيوية للمعلومات والأدلة والخبرات التقنية.
ووفقه تبرز أهمية هذا التعاون في ظل وجود عشرات الآلاف من السوريين الذين اختفوا داخل السجون ومراكز الاحتجاز خلال حكم الأسد، علما أن الكثير من العائلات لا تزال تجهل مصير أبنائها، وتعتمد على التحقيقات الدولية وتقنيات الحمض النووي للكشف عن أماكن دفنهم وهوياتهم.
ويحذر خبراء حقوق الإنسان من أن إعدام المتهمين بسرعة قد يحرم السلطات من فرص الحصول على معلومات إضافية عن المقابر الجماعية وسلاسل القيادة والمسؤولين الحقيقيين عن إصدار الأوامر.
وأشار المقال إلى أولى محاولات العدالة الانتقالية في سوريا من خلال محاكمة عاطف نجيب، ابن خال بشار الأسد والمسؤول الأمني السابق في درعا، وهو متهم بالإشراف على اعتقال وتعذيب أطفال كتبوا شعارات مناهضة للنظام عام 2011، ويُنظر إلى قضيته باعتبارها اختبارا مبكرا لقدرة الدولة الجديدة على محاسبة رموز النظام السابق عبر القضاء بدلا من الانتقام المباشر.
تقف سوريا أمام مفترق طرق حساس بين مطلب شعبي مشروع بالقصاص من مرتكبي الفظائع، وحاجة إستراتيجية إلى الحفاظ على الدعم الدولي الضروري لكشف الحقيقة وتحقيق عدالة انتقالية شاملةوتوقفت الكاتبة عند قصة حمزة الخطيب، الطفل الذي أصبح أحد أشهر رموز الثورة السورية بعد مقتله تحت التعذيب عام 2011، إذ ما يزال مصير شقيقه عمر مجهولا رغم ثبوت وفاته في سجن صيدنايا.
وتُجسد هذه العائلة التناقض الذي يتحدث عنه المقال، فهي تطالب بمعاقبة المسؤولين بأشد العقوبات، لكنها في الوقت نفسه تحتاج إلى التعاون الدولي لمعرفة مصير أبنائها المفقودين.
ولفتت إلى أن محاكمات جرائم الحرب المرتبطة بسوريا لم تبدأ اليوم، إذ سبق للمحاكم الأوروبية في ألمانيا وفرنسا والسويد وهولندا أن دانت عددا من المتورطين الذين وصلوا إلى أراضيها، إلا أن السلطات السورية تسعى إلى إجراء المحاكمات داخل البلاد وأمام قضاة سوريين، مما يسمح للضحايا وعائلاتهم بالمشاركة المباشرة في مسار العدالة.
غير أن تطبيق عقوبة الإعدام يمثل عقبة إضافية، لأن كثيرا من الدول الأوروبية ترفض تسليم المتهمين إلى دول قد تنفذ فيهم أحكاما بالإعدام.
وتناولت الكاتبة ما وصفته بالصعوبات البنيوية التي تواجه القضاء السوري بعد سقوط النظام، لأن الكثير من القضاة غادروا البلاد أو أُقصوا من مناصبهم، كما أن التشريعات الحالية لا تتضمن نصوصا واضحة تتعلق بالجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب ومسؤولية القيادات العليا.
وتضيف الكاتبة: يطرح ناشطون حقوقيون رؤية مختلفة للعدالة، مفادها أن شخصيات مثل أمجد يوسف قد تكون أكثر فائدة وهي على قيد الحياة داخل قاعات المحاكم منها على أعواد المشانق.
ويرى هؤلاء أن استجواب أمثال أمجد يوسف يمكن أن يكشف شبكات أوسع من المسؤولين، ويساعد في تحديد أماكن المقابر الجماعية، ويثبت العلاقة بين الجرائم والمنظومة الأمنية والعسكرية التي أمرت بها أو تسترت عليها.
وتؤكد الكاتبة أنه من هذا المنظور فإن الهدف لا يقتصر على معاقبة المنفذين المباشرين، بل يمتد إلى كشف الحقيقة الكاملة وتحقيق مساءلة شاملة تشمل جميع مستويات القيادة.
وتخلص إلى القول إن سوريا تقف أمام مفترق طرق حساس بين مطلب شعبي مشروع بالقصاص من مرتكبي الفظائع، وحاجة إستراتيجية إلى الحفاظ على الدعم الدولي الضروري لكشف الحقيقة وتحقيق عدالة انتقالية شاملة، مما يعني أن طريقة التعامل مع قضية عقوبة الإعدام قد تحدد شكل العدالة السورية ومستقبل المصالحة الوطنية في السنوات المقبلة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك