نشرت الجريدة الرسمية في تركيا، اليوم السبت، قرارات تحت رقم" 33286" بتوقيع الرئيس رجب طيب أردوغان تنص بالموافقة على بيع أراض وعقارات شملت ولايات أنطاليا، وإسكي شهير، وكوجالي، ومانيسا، وغيرها بعد موافقة إدارة الخصخصة ليبدأ التنفيذ من تاريخ التوقيع.
وأثار القرار استغراب في الأوساط المحلية، ومنها ما وصفت الأمر بأنه شبيه بحقبة الرئيس تورغوت أوزال الذي خصخص القطاع الحكومي في منتصف ثمانينيات القرن الماضي وأسس لنهج اقتصاد السوق التي تسير عليه تركيا حتى اليوم.
وتعود ملكية الأراضي والعقارات في تركيا للدولة، فوزارة المالية والخزانة التركية تمتلك الأراضي بولاية أنطاليا التي بيعت إلى مجموعة المشاريع المشتركة" بين باي - توبديمير نالبوري" وأخرى بالولاية نفسها إلى شركة" أكفن تاسريم إنشات" وبيعت أراض أخرى بولاية كوجالي القريبة من إسطنبول وأراض وعقارات بولاية مانيسا.
وقال مدير مركز الفكر للدراسات في إسطنبول، باكير أتاجان، إن ما تشهده تركيا اليوم لا يشبه موجة الخصخصة التي عرفتها البلاد عام 2003 بعد وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة، بل يندرج ضمن إطار الحاجة المتبادلة بين الدولة والقطاع الخاص.
وأوضح أن الأمر يتعلق باستثمار مواقع وأصول مهمة يملك القطاع الخاص قدرة أكبر على إدارتها واستغلالها بكفاءة، بما يحقق عوائد للخزينة العامة تُستخدم في تقليص العجز المالي وتمويل بنود الموازنة.
وأوضح أتاجان، لـ" العربي الجديد"، أن" عهد الرئيس توركوت أوزال هو الذي كسر المحرمات وفتح الباب أمام الخصخصة في تركيا، غير أن حزب العدالة والتنمية، وتحديداً منذ عام 2003 عندما كان رجب طيب أردوغان رئيساً للوزراء، هو من مضى بجرأة في هذا المسار، ناقلاً نهج أوزال إلى مرحلة التنفيذ الفعلي والشامل، وأضاف" لم تعد الخصخصة بيع شركات صغيرة أو ممتلكات حكومية جزئية، بل تحولت إلى استراتيجية ساهمت في صياغة ملامح الاقتصاد التركي الحالي".
وعن أسباب لجوء أردوغان وحزبه، ومعه وزير الاقتصاد آنذاك علي باباجان، إلى خصخصة واسعة، يوضح مدير مركز الفكر للدراسات أن واقع تركيا الاقتصادي كان يتطلب جرأة ووضوحاً، فالتضخم كان مرتفعاً، والليرة في وضع صعب، قبل أن تُلغى ستة أصفار منها لاحقاً.
والأهم، وفق أتاجان، أن أنقرة كانت تريد إعلان توجهها الاقتصادي الجديد للخارج والمستثمرين، بما يعني طمأنة رؤوس الأموال وجذب الاستثمارات، وتأكيد أن الدولة حسمت خيارها بالانسحاب من القطاعات الإنتاجية والتجارية.
لكن المحلل التركي يستدرك قائلاً إن الدولة لم تنسحب كلياً من الأسواق، فبينما خصخصت أجزاء من قطاعي المحروقات والطاقة، أبقت على شركة البترول الحكومية التركية" تباو"، كما احتفظت بمصارف حكومية، مثل بنك زراعات، واعتمدت نهجاً مشتركاً في بعض القطاعات الحيوية المرتبطة مباشرة بالمستهلك، سواء في النقل أو الطاقة أو غيرهما.
ولا يتوقع أتاجان أن" تثير قرارات الخصخصة الصغيرة اليوم ردّات فعل واسعة في الشارع التركي أو لدى النقابات العمالية، أو اتهامات ببيع أصول الدولة"، لأن معظم المبيعات المطروحة حالياً تتعلق بأراض وعقارات وبعض المباني الحكومية، إضافة إلى محطة حرارية لتوليد الكهرباء في مانيسا، ولا يُنتظر أن تؤدي إلى زيادة البطالة أو تشريد العمال كما كانت تخشى النقابات وترفع شعاراتها عام 2003.
يذكر أن تركيا أعلنت، في مايو/أيار 2003، عن استراتيجية الخصخصة الجديدة، رفعت خلالها وتيرة بيع أصول حكومية بقطاعات البتروكيماويات والاتصالات والإنتاج الصناعي، كما أعادت هيكلة القطاع المصرفي وفتحت باب الاستثمار والمشاركة لرأس المال المحلي والدولي، وكانت تلك الخطوة، برأي مراقبين، من الأسباب الأساسية بتوفير الأموال والتغلب على التضخم الهائل وواقع تركيا الاقتصادي المتردي وقتذاك.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك