«الأطباء» تحظرها داخل غرف الكشف والعمليات.
و«الأسنان» تدعو لتشريع ينظم استخدامهابين كاميرات مراقبة معلقة داخل غرف العلاج بالعيادات، وفيديوهات «قبل وبعد» التى تغزو منصات التواصل الاجتماعى، تتصاعد التساؤلات حول الحدود الفاصلة بين التوثيق الطبى المشروع وانتهاك خصوصية المرضى، فبينما ترفض بعض النقابات وجود الكاميرات داخل غرف الكشف والعلاج باعتبارها اعتداء على حرمة المريض، يرى آخرون أنها قد تكون وسيلة لحماية الأطباء من الاتهامات وتوثيق الإجراءات الطبية، وبين الرأيين تظل حقوق المرضى وأخلاقيات المهنة فى قلب الجدل.
وحذرت النقابة العامة للعلاج الطبيعى، برئاسة الدكتور سامى سعد النقيب العام للعلاج الطبيعى، من استمرار بعض المراكز الخاصة فى وضع كاميرات داخل الغرف العلاجية وتصوير المرضى أثناء تلقى الخدمة العلاجية، مؤكدة أن هذه الممارسات تمثل مخالفة تمس خصوصية المرضى، فضلا عن كونها مخالفة شرعية قبل أن تكون قانونية.
من ناحيته، أكد الدكتور سامى سعد، النقيب العام للعلاج الطبيعى، أن قرار حظر وضع كاميرات المراقبة داخل غرف الكشف والوحدات العلاجية هو قرار استراتيجى يهدف إلى حماية خصوصية المرضى وصون كرامتهم، مشيرا إلى أن النقابة رصدت تجاوزات من بعض الأطباء الذين وضعوا كاميرات فى وحدات «العلاج المائى»، وهى أماكن تتطلب من المرضى، وخاصة السيدات، ارتداء ملابس ذات طبيعة خاصة، ما يجعل وجود الكاميرات انتهاكا صارخا للأعراف المهنية وكشفا للعورات لا يمكن التغاضى عنه، مؤكدا أن النقابة تتعامل مع هذه الشكاوى بحزم فور ورودها، حيث تم بالفعل إلزام أحد المراكز بإزالة كاميراته فورا فى نفس يوم تلقى الشكوى.
وأوضح النقيب العام، لـ«اليوم السابع»، أن التجاوزات لم تقتصر على مراقبة المرضى داخليا، بل امتدت إلى استغلال البعض لمنصات التواصل الاجتماعى مثل «تيك توك» للترويج الشخصى من خلال تصوير المرضى أثناء تلقى العلاج، لا سيما فى حالات آلام الظهر والرقبة، حيث تظهر الفيديوهات أجزاء من أجساد المرضى - خاصة النساء - دون علمهم أو إدراكهم لخطورة ذلك، مشددا على أن موافقة المريض على التصوير لا تعفى الطبيب من المساءلة التأديبية إذا كان المحتوى المنشور يتنافى مع آداب المهنة أو يخدش الحياء، لأن الحفاظ على «حرمة المريض» هو المبدأ الأول فى لائحة آداب المهنة التى تلتزم النقابة بتطبيقها حرفيا.
وأشار الدكتور سامى سعد، إلى أن النقابة تمتلك سلطة قانونية تبدأ من التنبيه والإنذار، وتصل إلى الوقف عن ممارسة المهنة أو الشطب النهائى من السجلات، مستشهدا بوقائع سابقة تم فيها فصل ممارس لمدة أربع سنوات لقيامه بتصوير حالة فنانة داخل غرفتها، كما تم شطب ممارس آخر نهائيا من سجلات النقابة بعد تورطه فى انتهاكات أخلاقية وتصوير سيدات فى وضعيات مخلة، مؤكدا أن النقابة لن تتهاون مع أى عضو يخرج عن المسار الأخلاقى، فالفشل الأخلاقى يتبعه حتما فشل مهنى.
كما شدد سعد على ضرورة وجود ضوابط رقابية صارمة داخل المراكز الطبية، حيث أصدرت النقابة تعليمات تمنع خلو الطبيب بالمريضة بمفردهما، ملزمة بضرورة تواجد مرافق من الدرجة الأولى أو ممرضة داخل الغرفة العلاجية لضمان الانضباط وحماية الطرفين، كما انتقد بشدة غياب الرقابة الفاعلة من قبل المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام على القنوات الفضائية التى تفتح أبوابها لمدعى الطب والدخلاء، مثل واقعة انتحال كوافيرة لصفة خبيرة تغذية أو ما عرف بـ«سمكرى بنى آدمين»، داعيا إلى ضرورة التنسيق المؤسسى بين نقابات الأطباء والأسنان والعلاج الطبيعى مع جهاز تنظيم الإعلام لتقنين ظهور الممارسين الطبيين وفقا لمؤهلاتهم الموثقة.
فيما قال الدكتور خالد عبدالباسط، عضو مجلس النقابة العامة لأطباء الأسنان، بأن ملف تركيب كاميرات المراقبة داخل عيادات الأسنان لا يزال يشهد حالة من الجدل القانونى والمهنى، مشيرا إلى وجود تواصل «ودى» سابق جرى قبل سنوات بين النقيب العام الدكتور إيهاب هيكل ومساعد وزير العدل، انتهى إلى جواز تركيب الكاميرات فى عيادات الأسنان لكونها لا تشمل كشفا لعورات المرضى بخلاف تخصصات أخرى، إلا أن هذا الرأى لم يخرج فى إطار قرار رسمى، وظل خاضعا لتفسيرات قانونية متباينة تجعل البعض لا يحبذ التوسع فيه خشية استخدامه ضد الطبيب فى ظل غياب تشريع صريح.
وأوضح الدكتور خالد عبدالباسط، فى تصريحات لـ«اليوم السابع»، أن الرغبة فى تركيب الكاميرات تنبع أساسا من الحاجة إلى حماية الأطباء وتوثيق التعاملات الطبية بشكل كامل لمنع أى محاولات للابتزاز أو الادعاءات الكاذبة، مؤكدا أن النقابة تشدد حاليا كإجراء احترازى على ضرورة تواجد «مساعدة طبيب» بصفة دائمة أثناء العلاج، بالإضافة إلى وجود مرافق للمريض إن أمكن، لضمان أعلى مستويات الانضباط المهنى، وأشار إلى أن الطب لا يجب أن يستخدم فى الترويج عبر وسائل التواصل الاجتماعى أو تصوير «التريندات» داخل العيادات، موضحا أن توثيق الحالات الطبية لأغراض علمية يتم بموافقة المريض الخاصة وبطرق تصوير مهنية، وليس عبر كاميرات المراقبة العادية.
وشبه عضو مجلس النقابة الحاجة لتوثيق إجراءات عيادات الأسنان بما يتم فى غرف العمليات الكبرى، حيث تم إقرار التصوير هناك كضمانة ضد مشكلات جسيمة مثل تجارة الأعضاء أو الأخطاء الجسيمة، معتبرا أن عيادة الأسنان تحتاج لغطاء قانونى مشابه يتيح للطبيب توثيق عمله، خاصة فى مواجهة الحالات الطبية النادرة والخطيرة، مستشهدا بوقائع تسببت فيها «حساسية البنج» المفاجئة فى وفاة مرضى، ما قد يعرض الطبيب لاتهامات جائرة بالخطأ الجراحى، بينما يثبت التوثيق المرئى أن الطبيب اتبع البروتوكول الصحيح ولم يرتكب أى جرم طبي.
وأشار إلى أن الطبيب فى مواجهة ثغرة قانونية حتى لو وضع لوحات إرشادية تفيد بأن المكان مراقب، مؤكدا أن الحل الأمثل يكمن فى إقرار تشريع قانونى واضح ينظم استخدام الكاميرات فى التوثيق الطبي، بما يضمن حقوق المريض فى الخصوصية ويوفر للأطباء الحماية اللازمة أثناء ممارسة مهنتهم.
فى سياق متصل، أكد الدكتور محمد فريد، مقرر الهيئة التأديبية بالنقابة العامة للأطباء، أن النقابة تفرض حظرا تاما على وضع كاميرات المراقبة داخل غرف الكشف الطبى أو غرف العمليات، نظرا لما تتمتع به هذه الأماكن من خصوصية شديدة تتطلب كشف عورات المرضى، مشيرا إلى أن السماح بتركيب الكاميرات يقتصر فقط على الممرات الخارجية واستراحات الانتظار، وذلك بهدف حفظ النظام العام وتمكين إدارة المنشأة من متابعة سير العمل والتأكد من حسن معاملة المرضى وكرامتهم دون انتهاك لحرمة أجسادهم.
وأوضح الدكتور محمد فريد، لـ»اليوم السابع»، أن ما يتم تداوله من فيديوهات لتصوير حالات التجميل أو التخسيس يختلف تماما عن كاميرات المراقبة المثبتة، حيث يتم هذا النوع من التصوير عبر أدوات خاصة وبموافقة صريحة ومسبقة من المريض أو ذويه، ويكون الغرض منه توثيق الحالة الطبية قبل وبعد الإجراء لشرح وجهة النظر العلمية، مع الالتزام التام بإخفاء الملامح التى قد تفصح عن شخصية المريض، والتصوير يصبح حينها وسيلة إثبات قانونية للطرفين فى حال الإخلال بالاتفاق الطبى.
وكشف مقرر الهيئة التأديبية عن أن لجنة الشكاوى بالنقابة تستقبل عددا كبيرا من البلاغات المتعلقة بانتهاك خصوصية المرضى وتصويرهم دون إذن، مؤكدا أن النقابة تتعامل بحسم مع هذه التجاوزات، حيث أشار إلى واقعة محددة لجراح تم تحويله للهيئة التأديبية بعد ثبوت قيامه بوضع كاميرا داخل غرفة العمليات، وهو ما اعتبرته النقابة تعديا على حرية المريض أثناء غيابه عن الوعي، مشددا على أن العقوبات النقابية تترتب وفقا لتوصيف الجرم وتتدرج من توجيه اللوم والإنذار والغرامة، وصولا إلى الإيقاف عن ممارسة المهنة أو الشطب النهائى من سجلات النقابة فى الحالات الجسيمة.
وفيما يخص المسار الإجرائى للمحاسبة، أوضح فريد أن تحويل الطبيب للهيئة التأديبية يمر بمراحل تبدأ بتقديم شكوى للجنة آداب المهنة، وفى حال ثبوت الإدانة يعرض الأمر على مجلس النقابة الذى يقرر الإحالة للتأديب، مبينا أن الهيئة التأديبية تضم فى تشكيلها عضوين من مجلس النقابة العامة بالإضافة إلى مستشار من مجلس الدولة لضمان النزاهة القانونية، كما أكد أن الأحكام الصادرة عن الهيئة التأديبية داخل النقابة تعد أحكاما أولية، حيث كفل القانون للطبيب حق الطعن عليها أمام محكمة الاستئناف باعتبارها الدرجة الأعلى للتقاضى.
من ناحية أخرى، أكد الدكتور علاء غنام، خبير السياسات الصحية، أن ما يشهده الوسط الطبى حاليا من تجاوزات عبر منصات التواصل الاجتماعي، وما يعرف بظاهرة «الأطباء البلوجرز»، يمثل حالة من الفوضى الناتجة عن غياب نظام صحى موحد ومتكامل، موضحا أن الخلل يتعلق بوجود نظم صحية متعددة بين التأمين الصحى القديم، والمنظومة الجديدة التى ما زالت قيد البناء، بالإضافة إلى تعدد جهات الإشراف ما بين وزارة الصحة ووزارة التعليم العالى، ما يخلق بيئة تسمح بحدوث ممارسات غير منضبطة.
وأوضح غنام، لـ«اليوم السابع»، أن الفضاء المفتوح للسوشيال ميديا، رغم إيجابياته فى تسليط الضوء على الأحداث بسرعة، إلا أنه أحدث حالة من التشويش والارتباك التى قد تحجب الرؤية عن الهدف الأساسى للدولة، وهو تعميم نظام التأمين الصحى الشامل، مشددا على أن أى نظام صحى لا يتمتع بالحصانة والحوكمة سيظل عرضة للتجاوزات من قبل مقدمى الخدمة أو متلقيها، خاصة فى ظل غياب الوعى الكافى بالحقوق والواجبات، وعدم تحديث المناهج التعليمية والتعليم الطبى بشكل يواكب المتغيرات الحالية.
وطرح خبير السياسات الصحية رؤية للإصلاح تعتمد على تفعيل «لجان حقوق المرضى» داخل كل مؤسسة طبية لضمان حوكمة المنظومة، معتبرا أن وجود تمريض وممثلين عن المرضى داخل هذه اللجان هو السبيل الوحيد لضبط الأداء المهنى وحل المشكلات من جذورها، كما أشار إلى أن دور النقابات المهنية يحتاج إلى تطوير وتحديث شامل للقوانين ولوائح آداب المهنة التى أصبحت قديمة ولا تناسب العصر، مؤكدا فى الوقت ذاته أن النقابة لا يمكنها وحدها ملاحقة هذه الأعداد الكبيرة من التجاوزات لأن دورها الأساسى هو الدفاع عن مصالح أعضائها.
وأكد الدكتور علاء غنام بتأكيده على أن المسؤولية تقع بالدرجة الأولى على عاتق الحكومة فى توحيد جهات الإشراف والرقابة، داعيا إلى ضرورة تبعية المستشفيات الجامعية لوزارة الصحة لضمان وحدة السياسات والتخطيط، مع تحول دور الوزارة مستقبلا إلى وضع الاستراتيجيات والإشراف العام بينما تتولى هيئة الرعاية تقديم الخدمة، مؤكدا أن النظام القوى هو الضمانة الوحيدة لضبط سلوك الأفراد، فبينما يفسد النظام السيئ الممارسين الجيدين، يستطيع النظام المحكم ضبط وتوجيه الجميع للالتزام بالخط المهنى القويم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك