تُشكّل علاقة الكاتبة بأمّها محور الأحداث في" خيوط الشكّ"، فنتعرّف من خلالها إلى سيرة كلٍّ منهما، في إطار خطاب روائي، وفق خطين سرديين، ينتظم أحدهما التحوّلات الصحّية التي تطرأ على صحّة الأم، ويُقاس طوله بالأشهر، وتعهد الكاتبة بسرده إلى راوٍ عليم.
وينتظم الآخر الوقائع السيرية العائدة لكلٍّ منهما، ويُقاس بالسنوات، وتتولّى رويه الكاتبة بنفسها.
وبذلك، نكون إزاء رواية ثنائية الصوت، يتناوب على السرد فيها صوتان اثنان، يتعاقبان وفق وتيرة معيّنة، يتفاوتان في الزمان والمكان والفضاء، ويتكاملان في تقديم الحكاية الروائية.
على أنّ محرّك السرد في الرواية هو عبارة معيّنة، راحت تشغل الروائية/ الراوية، وتطلع لها بين فترة وأخرى كلازمة، وتتعلّق بصلة القرابة التي تربطها بآليس، فلا تعرف ما إذا كانت ابنة خالتها أم أختها من أبٍ آخر، وتحاصرها شرنقة الشك، ويحول غموض الأمّ وتكتّمها دون جلائه، فتروح تبحث عن الحقيقة الغامضة، ولا تصل إلى جوابٍ شافٍ.
لعلّ هذه العبارة اللازمة والتداعيات المترتّبة عليها تشير إلى القالب الروائي الذي تصبّ فيه الكاتبة الوقائع السيرية، بما لا يقدّم إجابة شافية عن السؤال الذي تطرحه العبارة، ولا يقطع الشك باليقين.
وهو ما ينسجم مع فهم الكاتبة لوظيفة الرواية الذي تعبّر عنه بالقول: " تتّسم كتبي دائماً بنهايات غير مؤكّدة.
فأنا لا أبحث عن الجواب؛ سواء أعاشت الشخصية سعيدة حتى يومها الأخير أم تعيسة، وإنّما أبحث عن الحل؛ عن النقطة التي تتراجع عندها الموجة لتوليد موجة أخرى.
فالأجوبة لا فائدة منها، إنّها مجرّد تزييف وموت" (ص211).
وهذا الفهم لا يشذّ عن الفهم العام لوظيفة الرواية المتمثّلة في طرح الأسئلة لا في تقديم الإجابات.
تتمظهر العلاقة بين الكاتبة وأمها في مجموعة من السلوكيات والوقائع الروائية الموزّعة وفق الخطين، المعيش والمتذكّر، تعكس طبيعة العلاقة وتحوّلاتها في مراحل مختلفة، وتظهّر كلاً من الشخصيتين في أطوارها المختلفة.
فتتشابهان وتتناقضان، تقتربان وتبتعدان، في إطار من التكامل بينهما.
تثبت الأولى أنّها بنت أمّها، وتثبت الثانية أنّها أمّ إبنتها.
هذه العلاقة والعلائق الأخرى المتعالقة معها، بشكل أو بآخر، ليست معلّقة في الفراغ، بل تضعها الكاتبة في إطارها المكاني مواكبةً تحوّلات المكان.
وفي سياقها الزماني راصدةً الأحداث الكبرى التي تشكّل خلفية تاريخية للأحداث.
وهكذا، يحيل الروائي على الجغرافي والتاريخي، وتصبح الرواية، على خصوصية أحداثها، شهادة على مرحلة معيّنة.
تزاوج الكاتبة في نصّها بين السرد الزمني، والوصف البصري، والوقائع السيرية، والمشاهد السينمائية، والأحداث الروائية، والانطباعات الثقافية، والأحكام النقدية، وأسماء الأفلام والروايات والأغنيات.
فتعزّز البعد الثقافي فيها، فلا تعود مجرد أداة للاستمتاع وتزجية الوقت بل تتحوّل إلى وثيقة معرفية تفيد بقدر ما تمتع.
وهو ما نراه في الاتجاهين، المعيش والمتذكّر، على حدّ السواء.
في الاتجاه المعيش، يُشكّل عثور الابنة الكاتبة على أمّها الثمانينية ممدّدة في حمّام شقّتها، الواقعة قرب جسر توليباك، إثر إصابتها بجلطة دموية، بداية لسلسلة تحوّلات دراماتيكية.
وينجم عنها نقلها إلى المستشفى، وإصابتها بشلل نصفي، وصعوبة القدرة على الكلام، وفقدان الإحساس بالجسد، والانفصال عن الواقع، وإجراء فحوص طبية، والخضوع لإعادة التأهيل.
حتى إذا ما أمضت ستّة شهور وثمانية أيام في المستشفى، وبعد التجاوب البطيء مع العلاج، يتمّ نقلها إلى مركز رعاية اجتماعية، لبضعة شهور.
فتخضع خلالها لآليات رعاية أخرى، وينتهي بها المطاف في شقّة ابنتها، في مدينة تور.
في مواجهة هذه التحوّلات، تلازم الابنة أمّها، وتبدي الكثير من الاهتمام بها، فتغسلها، وتُطعمها، وتُحدّثها، وتقرأ لها، وتختبر ذاكرتها، وتُحفّزها على الكلام، وتتواصل مع الأطباء.
وهنا، نقع على تبادل أدوار بينهما، فتتحوّل الابنة إلى أمّ والأم إلى ابنة، بما ينسجم مع المرض الذي يُشكّل انزياحّاً عن طبيعة الأشياء.
وإذ تصطدم الابنة بالبيروقراطية والروتين الإداري والفساد المالي والإهمال الوظيفي وسوء الخدمة وبطء الإجراءات في المستشفى، تلجأ إلى الاعتراض، وترفع الصوت، وتُجري الاتصالات بما يؤدّي إلى تحسين الأداء وتجاوب الأم مع إجراءات العلاج.
وعندما يحين أوان نقلها إلى مركز الرعاية، تبذل جهوداً كبيرة حتى تتمكّن من العثور على غرفة شاغرة.
وهكذا، تتفانى الابنة في خدمة أمّها، وتبذل الكثير من دون توفير العلاج المناسب لها.
ولعلّها تفعل ذلك، بدافع من واجبها نحوها، من جهة، وتكفيراً عن شعورها بالذنب لأنّها لم تكن معها لحظة سقوطها، من جهة ثانية.
وهي التي ما إن تقوم بتوجيه ملاحظة لها، حين تضيق ذرعاً بتصرّفاتها، حتى تندم على ما بدر منها.
وبذلك، نكون إزاء ابنة نموذجية، إلى حدٍّ كبير.
في المقابل، تتنازع الأم مشاعر مختلفة، هي مزيج من الشعور بالعجز، والضيق بالشيخوخة، واليأس من الحياة، والتعلّق بها، والخوف من الموت، والتصالح معه.
والمفارق أنّها حين تريها ابنتها بعض الكتب وتطلب إليها الإمساك بها، في نهاية الرواية، تعيدها إليها قائلة: " لا بدّ من أن أقرأها مرّة أخرى، في يوم من الأيام" (ص222)، في إحالة روائية صريحة إلى أنّ الإنسان يتمسّك بالأمل، حتى ولو كان قاب قوسين من الموت أو أدنى.
تطرح الكاتبة من خلال سؤال النظام الصحّي الذي لا يُولي مرحلة الشيخوخة الاهتمام اللازم، ويعتبر أنّها العتبة المفضية حكماً إلى الموت، ما ينعكس على جودة العلاج وأساليبه.
ناهيك بأسئلة الروتين الإداري والفساد المالي والإهمال الوظيفي، ممّا يعتور ذلك النظام، ليتبيّن لنا أنّ هذه الأعطاب ليست وقفاً على الدول النامية بل تتعدّاها إلى تلك المتقدّمة أيضاً.
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)في ناحية أخرى، تتّسم العلاقة بين آن وجوليا باستقرار نسبي.
تعزّزه نقاط التقاطع الكثيرة بينهما؛ ذلك أنّهما تتقاطعان في التفوّق الدراسي، وحبّ القراءة، وعدم التديّن، ومشاهدة الأفلام، والتقلّب في الوظائف، والعلاقات العابرة بالرجال، وغيرها.
غير أنّ هذه العلاقة تمرّ بفترات من عدم الاستقرار بسبب التنافس على الرجال، وإفراط الأمّ في لوم ابنتها، وضيق الابنة بتقدّم أمّها في العمر، ونقص في الاهتمامات المشتركة بينهما، لكنّها سرعان ما تعود إلى طبيعتها.
على أنّ ما يعكّر صفو العلاقة، بين فترة وأخرى، هو العبارة التي تطفو على سطح جوليا، المتعلّقة بصلة آليس بآن.
هل هي ابنتها أم ابنة شقيقتها؟ وفي معرض الحصول على إجابة، تصطدم جوليا بغموض آن وتكتّمها، فتلجأ إلى جمع المعلومات لتبني فرضّيتها، وتستنتج من خلال الحادثة التي تعرّضت لها آن صغيرةً، حين كانت برفقة زوج أختها السيّئ السمعة على الساحل، وتعلّقها بآليس، وتهرّبها من الإجابة، وتصريحها للممرّضة بأنّها أمٌّ لابنتين، أنّ آليس هي ابنتها من زوج أختها، وتُرجّح أن تكون نسبتها للأخت الزوجة قد حصلت بتواطؤ بين أوليفيا وابنتيها بيتي وآن تداركاً للفضيحة.
وإذ تناقش جوليا فرضيّتها مع بعض المقرّبين، ولا تتمكّن من إثباتها، تقلع عن محاولتها، وترضى بالواقع كما هو.
فتعود المياه إلى مجاريها بين الأمّ وابنتها.
على أنّها عرفت كيف توظّف تحوّلات العلاقة إلى مادّة روائية، وكثيراً ما سبقت الرواية الحياة، فترى ما سبق لها أن كتبته على أرض الواقع.
لا تكتفي جوليا ديك، في روايتها، برصد تحوّلات العلاقة بين هاتين الشخصيتين المحوريتين، بل تقوم، انطلاقاً من المضمون السيري فيها، برصد الآخرين من أفراد الأسرة، بدءاً من الجدّة أوليفيا، مروراً بالخالة بيتي، وانتهاءً بابنتيها كيت وآليس، وغيرهن.
تقتفي مساراتهن، وترسم مصائرهن، مما يعزّز سيريّة الرواية.
على أنّ ذلك كلّه لا يفلح في قطع الشك باليقين، فتبقى خيوطه مربوطة، ويبقى لقارئ الرواية هامش التأويل.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك