د.
طبيب عبدالمنعم عبد المحمود العربيالوالدان نعمة عظيمة من نعم الدنيا، لكنها لا تدوم.
هما مشروع الكفاح المشترك المعصوم ببركة السماء.
اليوم الجمعة التاسع عشر من شهر يونيو عطلة رسمية وكل السويد تحتفل حتى خلال عطلة نهاية هذا الأسبوع بمناسبة منتصف موسم الصيف.
هذا الإحتفال عادة موروثة منذ قدم السويد لأن مواسم الربيع والصيف تعني عندهم “الخصوبة” وميلاد الحب الذي يجمع بين الجنسين، فيتم التعارف وتبادل باقات الورود وترقص الشعوب طربا بهذا الموسم وهم بغنون و يلبسون الأزياء التي تحكي قصة تراث شعبي قديم’ لا تزال السويد تفخر به.
وهنا في المملكة المتحدة يحتفل الناس هذه الأيام بيوم الأب.
وما أدراك ما هي مكانة هذا الأب العظيم الذي يحتفلون به! سأحتفل معهم في سري وجهري بأبي رحمة الله عليه.
يقولون في المثل كل فتاة بأبيها معجبة، وأقول لماذا لا يكون كل فتى بأبيه معجباً؟كتبت سابقاً عن والدتي، وعن الوالد، رحمهما الله.
واليوم تتجدد في نفسي ذكرى والدي عليه رحمة الله وكفاحه الطويل وهو يبني مشروعا بكل عزم وحكمة وإن كان لا يثق بأنه سيعيش فيجني ثمار ذلك الكفاح.
لكن الله قد أكرمه وأعزه والحمد لله.
وهو في عليائه أحسبه برحمة الله ينعم في الفردوس الأعلى.
وأنتهز هذه السانحة لأخص بالحديث في شخصه وسلوكه الفريد بهذه الكلمات كل أب حادب على أسرته وكل شاب يستعد لإكمال نصف دينه “مشروع بناء البيت السعيد”، بل فاليكن هذا المقال خطاب للشباب جميعهم فأقول: الأب القدوة الذي أعنيه هنا هو مشروع كبير من كفاح غير محدود، وبناء مستقبل أفضل لنفسه ولكن في الواقع هو لغيره.
الأب بناء قوي بعد أن تَكَوَّنَ من مواد جُمعت قَشَّة قَشَّة وطوبة طوبة.
لم يُبْنَ على أرض هشة وخراب؛ هو مشروع بناء صلب يغالب الأعاصير وهوج الرياح.
هو طاقة “نظيفة وصديقة”، خدمة يمين وعرق جبين.
بل هو أساس الحياة كلها، أساس غرس البذور في أرض طيبة، ليست كأي أرض صحراء تعبث برمالها الرياح، أو أرض بور ميتة هالكة وخبيثة.
ولا يفوتني هنا من قراءاتي القديمة وأنا تلميذ بالمدرسة المتوسطة تذكر الأديب كاتب العبرات والنظرات (مصطفى لطفي المنفلوطي) رحمه الله إذ يقول: “كل نبات إذا زرع في أرض غير أرضه، أو ساعة غير ساعته، فإما أن تأباه الأرض فتلفظه، أو ينشب فيها فيفسدها”.
فالأب الحادب على حسن مستقبل مشروعه يتخير ويختبر قبل أن يختار “الأرض الصالحة” ثم الزراعة في أفضل المواسم المناسبة “.
وهنا عزيزي القارئ أسمح لي بعد هذه المقدمة الطويلة أن أعود و أعدد شيئا من ملامح والدي كأب ورب أسرة.
فوالدنا كان في نظري المثال النموذجي للأب المستقيم المنضبط السلوك، العفيف الخلق و ضبط اللسان، ليس بهينٍ لينٍ.
ليس فضوليا ولا حشريٍا يتدخل في شؤون الآخرين.
لا يتجسس أو يغتاب أحداً من الناس، بل التغاضي والتغابي وجبر الخاطر كانت سمات تكوينه و ديدنه.
لا يتكلم كثيراً بثرثرة لا تفيد، و صمته في بعض المواقف كان أبلغ من كل الكلمات.
فإذا دخل مجلس القوم أو بيته، نزلت السكينة وعم الإحترام، وإذا تكلم استمع له الحاضرون وكأن الدنيا كلها تصغي.
كان ليس بحاجة إلى أن يرفع صوته فيزعج.
تعلمنا منه أن الرجال لا يُصنعون بالصخب، ولكن بالمواقف والحكمة والتؤدة وتحمل المسئولية.
كان إذا ابتسم فبوقار، لا يقهقه لأنه كان يؤمن بأن كثرة الضحك تميت القلب، وكنا نرى في إشراقة أسنانه كأن الدنيا كلها فرحة تبتسم.
والدنا أشهد على.
أنه قط لم يدخن أو يتعاطى التنباك ولم يشرب في حياته كلها الخمر يسكر، “حليله والدي” و”حليله موسى يا بنات بربر”!أما عن عدله وحكمته وتضحياته كأب ومربي، فقد كان والدي لا يعرف التمييز بين أبنائه.
فالأب الحكيم هو الذي يجلس إلى أبنائه في حكمة القاضي العادل، يسمع شكواهم بإنصات، ولا يقضي بينهم إلا بعد أن يستقصي الحق.
يُعلِّمهم أن الاختلاف لا يفسد للود قضية، وأن الرابطة التي تجمعهم أقوى من أي خلاف عابر.
علمنا منذ الطفولة إحترام الآخرين ومساعدتهم، وعلمنا حفظ أنساب أرحامنا وإكرام وفادتهم عندما يحلون ضيوفاً على بيتنا وهو في غياب.
علمنا إحترام عموم النساء بمختلف إثنياتهن وظروفهن الإجتماعية.
هذا السرد قد يبدو كالخيال لكنه واقع يشهد عليه الله والناس.
كم من مرة يخرج والدنا من البيت باكراً ولم ندرِ كم كان يحمل معه من همٍّ في صدره؟ وكم من مرة رأيناه يعود متأخراً وفي عينيه أثر الهموم والإرهاق، لكن آبتسامته التي يدخل بها علينا كانت تمحو تعب يوم كامل.
كم في مناسبات كثيرة كان يخفي عنا وعن أهله الحاجة إن نزلت به.
لا يريد أن يرى في وجوهنا قلقاً أو يقرأ في أعيننا خيبة الأمل.
لكن أعيننا كانت عدساتها ترصد كل شيء ونلزم أنفسنا بالصمت لكي لا نجرحه.
يظهر الغنى والإكتفاء وهو يكدح، بل يتصدق على المحتاجين، ويخرج الزكاة ويحج ويجامل الناس ويساعدهم، والحال هكذا كان مستوراً.
أما الطفولة فهي زهور تتفتح في عينيه.
أبونا كان يفرحه قدوم الطفل المرتقب، لا يفرق بين الأنثى والذكر؛ على العكس، يبتهج ويحمد الله على قدوم كل زهرة تطل لتزيّن داره.
يعتبر البنت وردة من ورود الجنة وهدية من الله خصه بها، ويختار لهن أجمل الأسماء.
لذلك كان هو حريصاً كل الحرص على رعاية نمو أبنائه وبناته.
فهيأ لنا مناخاً صحياً ليكتمل فيه النمو والازدهار المرتقب.
يسهر الليل مع زوجه إذا صرخ طفل من ألم أو حمى تقلق.
وفر لنا فرص التعليم وفرص التعلم حتى من الكبار في حسن السير والسلوك.
علمنا في وقت مبكر بدون إكراه الصلاة وثم الصوم عندما بلغنا، ووالدتي التي كانت تعينه لا تنسى تشجيعنا على الإجتهاد في القراءة والكتابة والتعلم وكثيرا ما تذكرنا بحكمة بيت الشعر: العلم يرفع بيوتاً لا عماد لها والجهل يهدم بيت العز والشرف.
كانت مثقفة لأن والدها كان فقيهاأتذكر كم كان والدنا عطوفاً كريماً وملاذاً في النوبات ووقت الشدة خاصة خلال ليالي الخريف المرعبة وكذلك ليالي كل شتاء طويل قارس، وكم كانت تتأثر عواطفه ومشاعره من خلف ستار عندما تؤلمه آلامنا وتزعجه خلافاتنا وهمومهم أخرى من مطالبنا المتكررة ونحن في طور التكوين والمراهقة التي تتشعب وتتشابك دروبها.
كان يسهر الليالي يفكر كيف يحل تلك المشاكل وكيف يرضي هذا وذاك، ولكن فقط في حدود ما يرضي الله ولا يتهاون ابدأ في تطبيق العقاب الصارم إن كان لازماً.
واليوم، وأنا أنظر إلى شباب يظنون أن الأب مجرد “مصروف” يُدفع، أو ظلٌّ ثقيل في البيت لا يطاق، أتساءل: كيف يعمى القلب ويغيب العقل عن عظمة قدر هذا الكنز العظيم؟الوالد يا شباب اليوم، كنز لا تُعْرَفُ قيمته إلا بعد أن تخطفه يد القدر.
وفي القرآن الكريم وردت الوصية الملزمة في قول الله تعالى: ﴿ وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا ۖ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا ۖ وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا ۚ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي ۖ إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾ [الأحقاف: 15]، وكذلك في الحديث الشريف: “إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث؛ صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له”.
من القلب، الوصية المجانية هنا: عليكم شباب اليوم، أبنائي البررة، أن تعضوا بالنواجذ على نعمة هذا الكنز، (وجود الوالدين بين يديكم)، قبل أن يغادروا هذه الفانية إلى الأبد.
ومن تجربتي الشخصية يا شباب: الأب ليس مجرد رجل؛ بل هو وطن صغير يحتوي الزوجة والأبناء، وسند قوي لهم معه لا يهابون مشقات الحياة.
هو بمثابة ماء الحياة ونور الشمس الدافئة.
والشمس، هبة الله التي تكتمل بها صلاحية نمو ومسيرة الحياة.
فأي خسارة أعظم من خسارة من كانوا يظنون أن الزمن بلا نهاية والغالي لا يفنى؟ فيا من لا يزال آباؤكم وأمهاتكم بين أظهركم، لا تنتظروا أن ترحل الأجساد لتعرفوا قيمة الأرواح.
اجعلوا اليوم للحصاد والجزاء برد الجميل قبل الغد، والبر قبل الفقد، فالدعوة الصادقة من الابن البار أبقى من كل ذخر، وأعلى من كل منصب وشرف.
دعوة أخيرة وتذكرة إلى كل من قصر في حق الوالدين وضيع الفرصة: تذكر يا بني أن السماء التي كانت يوماً تشهد لمتك الحنونة مع والديك عند شاي الصباح، وعلى موائد الطعام الفاخرة مع الأحبة وكل الأهل الذين راحوا، سوف لن تسعفك دمعتها بالغفران بعد الندم، ولا دمعتك ستسعفك بعودة من رحلوا ولقائهم لتعتذر.
سيبقى رصيد حياتك الذي تحمله قاصماً ظهرك “الخسران والغياب الأبدي” إنه عذاب وعقاب لا يطاق.
والدي اك من القلب عظيم الدعاء: رحمة الله عليك ومغفرته تحوطك من نار جهنم.
والله أدعوه أن تكون جنة الفردوس الأعلى مسكنك والكوثر الفياض مشربك، إنه نعم المولى الرحمن الرحيم، نعم النصيرعبدالمنعم عبدالمحمود العربيجراء الحرب اللعينة، سرق اللصوص كل ممتلكاتنا وأغراضنا الشخصية من المنزل بحي كافوري مربع ٨.
أتقدم بمناشدة إلى من وقعت في محصلته علبة حديدية تحتوي على مخطوط شجرة نسب عائلتنا الشريفة، بخط المغفور له الشيخ البدري عبدالله، راجياً أن يتكرم بردها إلينا.
محتويات المنزل كانت غالية النفيس، وقد سُرقت برمتها، وهذه العلبة تحديداً كان الوالد قد خصني بتولي حفظها وتداولها عبر الأجيال.
وستكون هناك عند التسليم جائزة لمن تقع بين يديه.
د.
عبدالمنعم عبدالمحمود العربي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك