في سيرة داود الشريان لا تقرأ حياة صحافي فحسب، بل تقرأ تحوّل الكلمة إلى سلطة موازية، وتحول الميكروفون إلى قوسٍ مفتوح بين المجتمع وأسئلته المؤجلة.
إنه ليس مجرد إعلامي سعودي وُلد في القصيم عام 1954، بل هو نصّ ممتد على زمن الصحافة العربية، نصّ يكتب نفسه كلما ظنّت السلطة أو الجمهور أنه انتهى.
فبعض الأسماء لا تُختصر في تعريف، بل تتحول إلى" حالة" في الوعي العام، وداود الشريان واحد من تلك الحالات التي تقف على تخوم الصحافة، وتمضي أبعد منها إلى منطقة تتقاطع فيها السياسة بالجرأة، والسخرية بالمعرفة، واللغة بالقلق.
وُلد في عنيزة، في قلب القصيم، لكن ولادته الثانية كانت في الصحافة.
هناك، حيث كانت الكلمة لا تزال تبحث عن شكلها الحديث في الجزيرة العربية، بدأ الشاب القادم من الريف الثقافي السعودي يجرّب العالم عبر الجريدة.
لم يكن الدخول إلى الصحافة عنده وظيفة، بل كان انزياحًا وجوديًا: أن ترى المجتمع من زاوية السؤال لا من زاوية الجواب.
ومنذ عمله المبكر في جريدة" الجزيرة" ثم" اليمامة"، بدا وكأنه يختبر اللغة كما يُختبر معدنٌ في النار: هل تصمد؟ هل تقاوم؟ أم تنكسر أمام ضغط الواقع؟في نهاية السبعينيات، كان الشريان يكتب كمن يفتح نافذة على مجتمع يتشكل بسرعة، ويخاف من صورته في المرآة.
لم يكن العمود الصحافي عنده زينة لغوية، بل كان جهاز إنذار مبكر.
وحين كتب في" اليمامة" لسنوات طويلة، لم يكن يكتب أسبوعه فقط، بل كان يكتب طبقات من التحولات الاجتماعية التي لم تكن تُقال علنًا.
هناك، في ذلك الركن الأسبوعي، تشكلت نبرته: نبرة تجمع بين السخرية الحادة والجدية الباردة، بين الصحافي الذي يراقب، والمثقف الذي يزعج، والراوي الذي لا يثق بالسرديات الجاهزة.
لكن التحول الأهم كان حين أصبح مراسلًا لوكالة أسوشيتد برس عام 1980.
هنا خرج النص من حدود المحلي إلى فضاء العالم.
لم يعد السؤال: ماذا يحدث هنا؟ بل: كيف يرى العالم ما يحدث هنا؟ هذا الانزياح من الداخل إلى الخارج منح تجربته الإعلامية بُعدًا جديدًا: أن الصحافي ليس ناقلًا للخبر فقط، بل مترجمٌ للقلق بين ثقافتين.
وفي الثمانينيات، حين سافر إلى الولايات المتحدة لتعلم اللغة والصحافة، لم يكن يدرس أدوات المهنة فحسب، بل كان يختبر فكرة الاحتكاك بالعالم الحديث: كيف تُكتب الحقيقة في فضاء مختلف؟ وكيف تعود بها إلى بيئة لا تزال تفاوض علاقتها مع الإعلام ذاته؟غير أنه لم يكن مجرد صحافي عابر بين مؤسسات.
لقد كان مؤسسًا لنبرة.
نبرة ستظهر لاحقًا في عموده الأشهر" أضعف الإيمان"، ذلك العمود الذي لم يكن عنوانًا دينيًا بقدر ما كان مفارقة ساخرة: حين يصبح الحد الأدنى من القول أقصى درجات الجرأة.
في هذا العمود، الذي انتقل بين الصحف حتى استقر في" الحياة"، تحولت الكتابة إلى مرآة سياسية واجتماعية في آن.
هناك، كان يكتب عن المجتمع كما لو أنه يفككه قطعة قطعة، لا ليهدمه، بل ليعيد فهمه.
إنه نوع من الكتابة التي تقترب من ما يمكن تسميته بـ" أرشيف اليومي"، حيث التفاصيل الصغيرة تصبح أكثر فصاحة من الخطابات الكبرى.
البيت، الشارع، اللغة الشعبية، السلوك العام، كلها تتحول إلى علامات قابلة للقراءة النقدية.
وكأن الشريان كان يمارس ما يشبه حفريات فوكو في الخطاب الاجتماعي، لكن بأدوات الصحافي لا الفيلسوف: يبحث عن السلطة في اللغة اليومية، وعن القمع في العادي، وعن السياسة في الضحكة العابرة.
وفي مسيرته، لم يكن الإعلام عنده مستقرًا في شكل واحد.
فقد انتقل من الصحافة المكتوبة إلى التلفزيون والإذاعة، وكأنه يطارد الصوت حيثما ذهب.
في برنامج" المقال" على تلفزيون دبي، دخل إلى فضاء جديد: الصورة المتحركة.
وهنا تغيرت المعادلة؛ لم يعد القارئ وحده هو المتلقي، بل الجمهور بكل تعدديته.
ومع ذلك، بقيت نبرته كما هي: صادمة أحيانًا، ساخرة أحيانًا أخرى، لكنها دائمًا تضع السؤال في قلب الشاشة.
ثم جاءت" الثامنة" على MBC، لتكرّس حضوره بوصفه مذيعًا يقترب من منطقة المساءلة العامة.
في هذا البرنامج، لم يكن يدير الحوار فحسب، بل كان يعيد تعريفه.
كان يخلق مواجهة بين الضيف والسؤال، بين الخطاب والواقع، بين المؤسسة والجمهور.
وهنا يتجلى كونه ظاهرة إعلامية لا تُختزل في المهنة، بل تتجاوزها إلى ما يشبه" السلطة الرمزية" في المجال العام.
لقد شغل مناصب إدارية وإعلامية عليا، من نائب مدير قناة العربية إلى المدير العام لمجموعة MBC، ثم رئيس هيئة الإذاعة والتلفزيون السعودي.
لكن المدهش أن هذه المناصب لم تُطفئ صوته، بل غيّرت موقعه فقط.
صار أقرب إلى من يدير المشهد من الداخل، دون أن يتخلى عن حسّ المراقب الذي بدأ منه.
ومع ذلك، فإن الشريان، في جوهره، لم يكن رجل مؤسسة بقدر ما كان رجل سؤال.
حتى حين جلس على كرسي الإدارة، ظل يحمل في داخله قلق الصحافي الذي يسأل أكثر مما يجيب.
وهذا التوتر بين المؤسسة والتمرد، بين النظام والسؤال، هو ما يمنح سيرته طابعها المركّب.
أما في تجربته الإذاعية، خصوصًا" الثانية مع داود"، فقد عاد إلى الصوت العاري، إلى الحضور غير المرئي، حيث الكلمة تُسمع بلا وسيط بصري.
هناك، في الراديو، كان يعود إلى جوهر المهنة: الحوار ككشف، لا كعرض.
إن قراءة مسيرته هي قراءة لتحول الإعلام العربي نفسه: من الصحيفة إلى الشاشة، من العمود إلى الحوار، من الكاتب الفرد إلى المؤسسة الإعلامية الكبرى.
لكنه ظل، في كل هذه التحولات، محتفظًا بشيء يشبه" الهوية النقدية": القدرة على الإزعاج، على فتح الملفات المغلقة، على تحويل المألوف إلى سؤال.
ولعل ما يميزه أيضًا هو ذلك التداخل بين السخرية والجدية.
فهو لا يكتب ليطمئن القارئ، بل ليهزه.
ولا يقدم الحقيقة كيقين، بل كاحتمال يحتاج إلى تفكيك.
وهذا ما يجعل حضوره قريبًا من مفهوم" الخطاب النقدي" الذي لا يكتفي بوصف العالم، بل يعيد تشكيله عبر اللغة.
في شخصه أيضًا، هناك شيء من المسرح.
ليس بمعنى الأداء التلفزيوني فقط، بل بمعنى الوعي بالدور.
كأنه يدرك أن الإعلامي ليس مجرد ناقل، بل ممثل في مسرح اجتماعي كبير، حيث الجمهور ليس متفرجًا فقط، بل جزء من النص.
يمكن قراءة الأسلوب النقدي لدى الشريان بوصفه ممارسة تقوم على تفكيك المألوف أكثر مما تقوم على تقديم رأي مباشر.
فهو لا يشتغل كصحافي يصف الواقع فحسب، بل ككاتب يزعزع استقرار اللغة التي يُقال بها الواقع.
في الصحافة المكتوبة، خصوصًا في عموده" أضعف الإيمان"، يتخذ النقد شكل مفارقة ساخرة؛ إذ يحوّل اليومي إلى مادة تفكير، ويجعل من التفاصيل الصغيرة مدخلًا لفضح البنى الاجتماعية والسياسية الكامنة خلفها.
السخرية هنا ليست ترفًا أسلوبيًا، بل أداة تفكيك تُعرّي الخطاب الرسمي والاجتماعي معًا، وتضع القارئ أمام منطقه الداخلي بلا تجميل.
أما في الإذاعة، فإن هذا الأسلوب يتحول من" كتابة نقدية" إلى" استجواب هادئ".
الصوت عنده يصبح أداة ضغط معرفي، لا يرفع نبرته بقدر ما يضغط على المعنى.
في البرامج الإذاعية، يبدو الشريان أقرب إلى محاور يجرّ ضيفه إلى مناطق غير مريحة من الأسئلة، لكن دون صدام مباشر؛ بل عبر تراكم الأسئلة الصغيرة التي تُنتج في النهاية صورة نقدية شاملة.
النقد هنا لا يُعلن نفسه، بل يتشكل تدريجيًا داخل الحوار.
وفي التلفزيون، يتخذ أسلوبه النقدي بُعدًا بصريًا أكثر حدّة.
فالكاميرا تضيف عنصر المواجهة، لكنه لا يقع في فخ الاستعراض، بل يحافظ على ما يمكن تسميته بـ" هدوء التفكيك".
في البرامج الحوارية، خصوصًا" الثامنة"، يتحول النقد إلى إدارة للمشهد: اختيار السؤال، ترتيب الإيقاع، وخلق مساحة تجعل الضيف يكشف تناقضاته بنفسه.
هنا لا يكون الشريان ناقدًا يهاجم، بل ناقدًا يضع الآخر أمام مرآته.
ومن خلال هذه التحولات بين الصحافة والإذاعة والتلفزيون، يمكن تحليل شخصيته بوصفها شخصية" إشكالية" بالمعنى الفوكوي للكلمة: ليست ثابتة داخل هوية مهنية واحدة، بل تتحرك بين مواقع السلطة والمعرفة.
هو صحافي، لكنه يمارس سلطة السؤال؛ وهو إعلامي مؤسسي، لكنه يحتفظ بقلق الناقد؛ وهو مقدم برامج، لكنه يشتغل ككاتب خفي يعيد صياغة الواقع عبر الحوار.
إن سيرته تكشف عن شخصية نقدية لا تعتمد على المعارضة المباشرة، بل على تفكيك البنية من الداخل.
لذلك يمكن القول إن داود الشريان لا ينتج خطابًا نقديًا فقط، بل ينتج" طريقة في النظر"؛ طريقة تجعل القارئ أو المشاهد يعيد التفكير في المسلمات قبل أن يوافق عليها أو يرفضها.
ومع ذلك، تبقى سيرته أكثر من كل هذا: إنها سيرة رجل جعل من الصحافة طريقة في العيش، لا مجرد مهنة.
رجل كتب، وقدم، وأدار، وواجه، لكنه في النهاية ظل وفيًا لفكرة بسيطة لكنها خطيرة: أن الكلمة ليست زينة، بل مسؤولية.
في زمن تتكاثر فيه الأصوات وتتشابه، يبقى داود الشريان علامة على مرحلة كانت فيها الصحافة أكثر من خبر، كانت سؤالًا مفتوحًا على المجتمع.
وربما لهذا السبب، حين تُقرأ سيرته اليوم، لا تُقرأ كأرشيف مهني، بل كجزء من تاريخ الوعي الإعلامي في العالم العربي، حيث الكلمة كانت، وما تزال، اختبارًا للجرأة قبل أن تكون وسيلة للقول.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك