لم تكن جملة واحدة عابرة كافية فقط لإثارة خلاف دبلوماسي بين تل أبيب والاتحاد الأوروبي، بل فتحت بابا واسعا حول أكثر الملفات حساسية في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي: اتهامات الفصل العنصري، ومستقبل العلاقة بين إسرائيل وأوروبا، وحدود الانتقاد الدولي للسياسات الإسرائيلية.
القصة بدأت، كما ذكر التقرير الذي أعدته أسماء النعيم لقناة الجزيرة، عندما أعلنت إسرائيل قطع علاقاتها واتصالاتها مع مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس، بعد أن رأت تل أبيب أنها قارنت إسرائيل بجنوب أفريقيا خلال عهد نظام الفصل العنصري المعروف بـ" الأبارتايد".
وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر أعلن عبر منصة" إكس" أن إسرائيل لم يعد أمامها خيار سوى وقف كل الاتصالات مع كالاس، متهما إياها بأنها تتصرف، وفق وصفه، بشكل" مهووس وبلا خجل ضد دولة إسرائيل"، بسبب تصريحاتها ومواقفها المتعلقة بالوضع في الأراضي الفلسطينية.
لكن كالاس ردت على القرار الإسرائيلي بالتأكيد على أهمية استمرار الحوار، وقالت إن الاتحاد الأوروبي وإسرائيل تربطهما علاقات ومصالح مشتركة، وإنها تقدر الحوار والمشاركة بين الجانبين، داعية إلى استمرار التواصل رغم الخلافات.
وشددت المسؤولة الأوروبية على أن الحوار يمثل أساس الدبلوماسية، خصوصا في أوقات الأزمات، مؤكدة التزام الاتحاد الأوروبي بعلاقة بناءة مع إسرائيل، لكنها أعادت التأكيد في الوقت نفسه على أن حل الدولتين يبقى الحل الوحيد القابل للتطبيق، محذرة من أن الاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية يجعل تحقيق هذا الهدف أكثر صعوبة.
من جنوب أفريقيا إلى فلسطينلفهم حساسية المقارنة، تعود الأنظار إلى عام 1948، عندما تأسس نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا بعد وصول الحزب الوطني المؤيد للأفريكان إلى السلطة.
وكان الأفريكان منحدرين من المستوطنين الهولنديين، وقد أسسوا نظاما قائما على الفصل القسري بين السكان البيض والسود، ومنح امتيازات سياسية واقتصادية واجتماعية للأقلية البيضاء.
خلال عقود حكم الأبارتايد، جرد السكان السود من حقوقهم الأساسية، وفرضت عليهم قيود واسعة في التعليم والعمل والتنقل والسكن، كما أجبر ملايين الأشخاص على الانتقال إلى مناطق معزولة عرقيا.
واستمر هذا النظام لعقود قبل أن ينتهي في بداية التسعينيات بعد نضال طويل قادته شخصيات من أبرزها نيلسون مانديلا، لتصبح تجربة جنوب أفريقيا رمزا عالميا لمقاومة التمييز العنصري.
لكن الجدل حول مفهوم الفصل العنصري لم يتوقف عند حدود جنوب أفريقيا.
فمنذ عام 2002 بدأت إسرائيل بناء جدار الفصل في الضفة الغربية، إلى جانب إقامة حواجز عسكرية قسمت مناطق الضفة، وسط اتهامات من جهات حقوقية بوجود تمييز في التعامل مع الفلسطينيين على أساس الهوية ووضعهم القانوني.
وفي عام 2022، اتهمت منظمة العفو الدولية إسرائيل باتباع نظام فصل عنصري ضد الفلسطينيين، ودعت إلى إنهاء ما وصفته بنظام التمييز العنصري، وهو اتهام ترفضه إسرائيل بشدة وتعتبره منحازا سياسيا.
جنوب أفريقيا تعود إلى الواجهةلم تتوقف العلاقة بين ملف جنوب أفريقيا والقضية الفلسطينية عند المقارنات التاريخية، إذ أصبحت بريتوريا من أبرز المنتقدين لإسرائيل خلال الحرب على قطاع غزة.
وفي عام 2023، رفعت جنوب أفريقيا دعوى أمام محكمة العدل الدولية ضد إسرائيل، متهمة إياها بارتكاب جرائم إبادة جماعية في قطاع غزة، وهي اتهامات تنفيها إسرائيل.
وجاء ذلك في ظل تصاعد الانتقادات الدولية لإسرائيل بعد الحرب على غزة، واتساع الاحتجاجات الداعمة للفلسطينيين حول العالم، ما أدى إلى زيادة الضغوط السياسية والدبلوماسية على تل أبيب.
وبين ذاكرة جنوب أفريقيا المؤلمة لعقود الفصل العنصري، والاتهامات الموجهة لإسرائيل بشأن سياساتها في الأراضي الفلسطينية، تحولت المقارنة إلى نقطة اشتباك سياسية ودبلوماسية.
فبالنسبة لإسرائيل، فإن تشبيهها بنظام الأبارتايد يمثل اتهاما يمس شرعيتها وصورتها الدولية، بينما يرى منتقدوها أن هذه المقارنة تعكس واقعا يجب مواجهته.
وهكذا لم تعد القضية مجرد خلاف حول تصريح لمسؤولة أوروبية، بل أصبحت جزءا من معركة أوسع حول الرواية التاريخية، والعدالة، وطبيعة النظام القائم في الأراضي الفلسطينية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك