كشف باحثون في جامعة «أوتاغو» النيوزيلندية عن نتائج دراسة مخبرية موسّعة تشير إلى أن اتباع نظام غذائي عالي الدهون ومنخفض الكربوهيدرات، المعروف بالنظام الكيتوني، يمكن أن يوفر حماية ملموسة ضد التدهور العصبي المرتبط بالتقدم في السن، في اكتشاف يفتح آفاقاً جديدة لفهم العلاقة بين الأيض وصحة الدماغ.
وأفادت الدراسة، التي نُشرت نتائجها الأولية منتصف شهر يونيو 2026 في دورية «نيوروبيولوجي أوف إيجينغ» (Neurobiology of Aging)، بأن الفئران التي خضعت لنظام غذائي كيتوني صارم أظهرت تحسناً في وظائف الذاكرة والمشابك العصبية بنسبة 28 في المئة، مقارنة بنظيراتها التي تغذت على نظام غذائي معياري غني بالكربوهيدرات.
وقاد فريق البحث البروفيسور غرايم كلارك، أستاذ علم الأعصاب الغذائي في جامعة «أوتاغو»، بالتعاون مع باحثين من مركز أبحاث الدماغ في الجامعة ذاتها ومختبر علوم الأيض في جامعة «أوكلاند».
واعتمدت الدراسة، التي استمرت 18 شهراً كاملاً، على مراقبة 120 فأراً مختبراً قُسّمت إلى 3 مجموعات متساوية: الأولى خضعت لنظام كيتوني صارم تشكّل الدهون فيه 85 في المئة من السعرات الحرارية، والثانية خضعت لنظام غذائي معياري متوازن، والثالثة خضعت لنظام كيتوني متقطع (يومان كيتونيان يليهما يوم معياري).
وجرى خلال فترة المراقبة قياس مستويات الأجسام الكيتونية في الدم، وعلى رأسها «بيتا هيدروكسي بيوتيرات»، ونشاط الميتوكوندريا في خلايا الحُصين، وهي المنطقة الدماغية المسؤولة عن تكوين الذاكرة واسترجاعها، إضافة إلى رصد تراكم بروتينات «بيتا أميلويد» المرتبطة بمرض مرض ألزهايمر.
وأظهرت النتائج، بحسب ما أفاد به البروفيسور كلارك في مؤتمر صحافي، أن المجموعة التي خضعت للنظام الكيتوني الصارم سجلت تحسناً ملحوظاً في 4 مؤشرات رئيسة للصحة العصبية مقارنة بالمجموعة المعيارية، على النحو الآتي:• تحسن أداء الذاكرة المكانية بنسبة 28 في المئة، وفقاً لاختبار المتاهة المائية (Morris Water Maze)، حيث استطاعت الفئران تحديد موقع المنصة المخفية بسرعة أكبر وبواقع 12 ثانية أقل في المتوسط.
• انخفاض مؤشرات الإجهاد التأكسدي (Oxidative Stress) في خلايا الدماغ بنسبة 35 في المئة، قيست من خلال مستويات إنزيم «سوبر أوكسيد ديسميوتاز» (SOD) ومركب «مالونديالديهايد» (MDA)، ما يشير إلى حماية أكبر للخلايا العصبية من التلف.
• زيادة إنتاج الأجسام الكيتونية، وتحديداً «بيتا هيدروكسي بيوتيرات»، الذي يعمل كمصدر طاقة بديل ونظيف للخلايا العصبية عندما يقل توفر الغلوكوز، ما يعزّز كفاءة الميتوكوندريا ويقلل إنتاج الجذور الحرة.
• تراجع تراكم بروتينات «بيتا أميلويد» في منطقة الحُصين بنسبة 34 في المئة، وهي البروتينات التي تشكل اللويحات السامة المميزة لأدمغة المصابين بمرض مرض ألزهايمر، ما يشير إلى أن النظام الكيتوني قد يبطئ أو يثبط العملية المرضية الأساسية.
غير أن الباحثين سجلوا ملاحظة بالغة الأهمية تمثلت في أن المجموعة الثالثة، التي خضعت للنظام الكيتوني المتقطع، أظهرت تحسناً أقل وضوحاً من المجموعة الصارمة، في حين أن المجموعة التي بدأت النظام الغذائي بعد بلوغها عمراً متقدماً (ما يعادل 65 عاماً بشرياً) لم تُسجل أي تحسن مماثل.
ويعني هذا، بحسب كلارك، أن «توقيت التدخل الغذائي قد يكون عاملاً حاسماً، وأن النافذة العلاجية قد تغلق مع تقدم العمر»، ما يستدعي تركيز الأبحاث المقبلة على المراحل المبكرة من التدهور العصبي.
وحظيت الدراسة باهتمام واسع في الأوساط العلمية، لكنها أثارت في الوقت ذاته تحذيرات مشددة من مختصين في التغذية السريرية وأطباء القلب.
ففي تعليق مقتضب، قالت الدكتورة سارة جنكينز، المتحدثة باسم جمعية القلب الأميركية (American Heart Association)، إن «النظام الكيتوني الصارم قد يرفع مستويات الكوليسترول الضار (LDL) بنسبة تصل إلى 15 في المئة لدى بعض الأفراد، وهو ما يزيد خطر تصلب الشرايين والنوبات القلبية، خصوصاً إذا طُبق من دون إشراف طبي دقيق».
وأضافت أن الجمعية «لا توصي باعتماد النظام الكيتوني كإستراتيجية وقائية للأمراض العصبية إلى أن تكتمل التجارب السريرية على البشر وتؤكد سلامته على المدى الطويل».
وفي السياق ذاته، نبّه البروفيسور ريتشارد تايلور، أستاذ طب الأعصاب في جامعة «ميلبورن»، إلى أن «الانتقال من نتائج الفئران إلى توصيات بشرية قفزة هائلة تتطلب سنوات من التجارب المضبوطة»، مشيراً إلى أن «الاختلافات الأيضية بين القوارض والبشر عميقة، وأن ما يصلح لفأر مختبر لا يصلح بالضرورة لإنسان في الستين من عمره».
غير أن تايلور أقر بأن الدراسة «تقدم دليلاً ميكانيكياً مهماً على أن الكيتونات قد تلعب دوراً وقائياً عصبياً، ما يستحق الاستثمار البحثي الجاد».
وتُفتح هذه الدراسة الباب أمام ما يُعرف بـ «التدخلات الأيضية» (Metabolic Interventions) في الأمراض العصبية التنكسية، وهو مجال يكتسب زخماً متزايداً مع شيخوخة سكان العالم وارتفاع معدلات الإصابة بمرض ألزهايمر والخرف.
وتشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى أن عدد المصابين بالخرف سيتضاعف 3 مرات بحلول العام 2050 ليصل إلى 152 مليون شخص، ما يجعل أي تقدم في مجال الوقاية الغذائية ذا أهمية اقتصادية وصحية هائلة.
وأكد البروفيسور كلارك أن فريقه يستعد لإطلاق تجربة سريرية محدودة في مطلع العام 2027، تشمل 50 متطوعاً في المراحل المبكرة من ضعف الإدراك المعتدل (MCI)، لاختبار نظام كيتوني معدّل تحت إشراف طبي كامل، على أن تُعلن نتائجها الأولية في غضون 18 إلى 24 شهراً.
وخلص تقرير إلى أن النتائج «مشجعة لكنها أولية»، على حد وصف الباحثين أنفسهم، وأن الطريق من مختبر الفئران إلى عيادة المرضى لا يزال طويلاً ومحفوفاً بالأسئلة المفتوحة: أي أنواع الدهون تحديداً مسؤولة عن التأثير الوقائي؟ وما الجرعة المثلى؟ وهل يمكن تحقيق الفائدة نفسها بمكملات الكيتونات من دون الالتزام الكامل بالنظام الغذائي الصارم؟ أسئلة ستظل معلقة إلى أن تكتمل فصول البحث السريري.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك