كشف باحثون في جامعة «كاليفورنيا - ديفيس» الأميركية عن نتائج مبهجة لتجربة سريرية رائدة، أتاحت لمريض يُعاني شللاً رباعياً حاداً بسبب التصلّب الجانبي الضموري أن يُعبّر عن أفكاره بصوت يُشبه صوته الحقيقي قبل المرض، وذلك عبر شريحة إلكترونية مزروعة في دماغه تُحوّل نشاطه العصبي إلى كلام مقروء ومسموع في آنٍ واحد.
ويُمثّل هذا الإنجاز منعطفاً علمياً بارزاً في مسيرة واجهات الدماغ-الحاسوب، التي ظلّت حبيسة المختبرات المُحكمة لسنوات طويلة قبل أن تقتحم عالم الحياة اليومية.
والمريض المعني هو كيسي هاريل، البالغ من العمر 47 عاماً، الذي فقد قدرته على الكلام المفهوم جراء تقدّم مرض التصلّب الجانبي الضموري الذي أقعده وجرّده من القدرة على تحريك معظم أجزاء جسده.
وعلى مدى ما يزيد على 400 يوم، وبما يتخطّى 3.
800 ساعة من التدريب والممارسة، أتقن هاريل استخدام الجهاز بصورة مستقلة داخل منزله، ليُسجّل أكبر قاعدة بيانات لتسجيلات الدماغ في التجربة السريرية الجارية حتى الآن.
وتقوم آلية الجهاز على زرع مصفوفات أقطاب كهربائية في منطقة محددة من الدماغ، تعمل على رصد النشاط العصبي الناجم عن محاولة الشخص الكلام حتى في غياب أي حركة بالفم.
وتُحلَّل هذه الإشارات تلقائياً بواسطة مُفكِّك خارجي للكلام يعرض الناتج على شاشة حاسوب في الوقت الفعلي.
ويتنقّل هاريل بين خيارات الشاشة عبر تتبّع حركة عينيه، فيما يُنفّذ «النقر» بمجرد التفكير، في مشهد يجمع بين أعماق العقل البشري وإمكانات التقنية الحديثة.
وقد أسهمت هذه التقنية في إعادة تشكيل حياة هاريل اليومية على نحوٍ جذري، إذ باتت تُمكّنه من جملة من الأنشطة التي كانت بعيدة المنال، ومنها:إرسال الرسائل الإلكترونية والتواصل مع الآخرين باستقلالية تامة، تصفّح الإنترنت والاضطلاع بمهام عمله بدوام كامل على الرغم من حالته الصحية، التواصل العاطفي مع أسرته وأصدقائه وزملائه، وتفعيل «وضع الخصوصية» حين يرغب في إبقاء أفكار بعينها طيّ الكتمان.
وعلى صعيد الدقة، أفادت النتائج المنشورة حديثاً بأن المنظومة تُحقّق معدّل صحة يبلغ نحو 92 في المئة من الوقت وفق ما أورده هاريل نفسه.
كذلك، ارتفعت سرعة تواصله من معدلات متواضعة حين بدأ التجربة في العام 2023 إلى نحو 56 كلمة في الدقيقة في الوقت الراهن، وهو رقم لافت قياساً بطبيعة حالته.
وفي هذا الصدد، عبّر هاريل عن تجربته الشخصية بقوله عبر المنظومة: «إنه لأمر بالغ العذوبة أن أتمكّن من النظر في عيني زوجتي وهي تسمع صوتي، وأن أُذكّر ابنتي التي لا تتذكّر شيئاً من الوقت الذي كنت أتحدث فيه بما اعتدت أن يبدو عليه صوتي».
وقد صُمِّم الصوت الرقمي الذي يُجسّد أفكاره ليكون قريباً من صوته الحقيقي قبل أن يُصيبه المرض، ما يُضفي على لحظات التواصل مع ذويه بُعداً إنسانياً عميقاً يتخطّى حدود التقنية.
وأكد جرّاح الأعصاب ديفيد براندمان، المحقّق الرئيسي المشارك في الدراسة من جامعة «كاليفورنيا - ديفيس»، أن هذا العمل يُشير إلى احتمال تجاوز عتبة فارقة تُمكّن المصابين بالشلل من التحدث وفق شروطهم الخاصة.
وتجري الدراسة في إطار التجربة السريرية التجريبية الأميركية المعروفة بـ«BrainGate 2»، التي تستهدف استكشاف سلامة وجدوى هذه الواجهات العصبية لدى المصابين بالشلل الحاد.
وقد طوّرت هذه التقنية جامعة «كاليفورنيا - ديفيس» بالتعاون مع خبراء من جامعة «براون» ومعهد «ماس جنرال برايغهام» للعلوم العصبية، ويشمل الإطار السريري الراهن 26 مشاركاً إضافياً يسعى الباحثون من خلال تجاربهم إلى صقل هذه التقنية للأجيال القادمة من المستخدمين.
ونُشرت نتائج الدراسة في مجلة «Nature Medicine» العلمية المُحكَّمة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك