فى بداية سبعينيات القرن الماضى، حقق فيلم المغامرات العائلى «الفيل صديقى» نجاحا ساحقا، وكان يشبه أفلام ديزنى مع لمسة هندية، إذ يروى قصة حب ووفاء بين شاب وفيل أنقذه من هجوم نمر عليه وهو طفل، وحين يتزوج الشاب تغار زوجته من شدة تعلقه بالفيل وتحاول إبعاده.
حاليا ما قد يثير غيرة الزوجات وذعر الأمهات هو صديق من نوع آخر تماما، فمنذ ظهور روبوت الدردشة المدعوم بالذكاء الاصطناعى (شات جى بى تى) عام 2022 توطدت العلاقة بينه وبين البعض فى فترة وجيزة، خاصة الأصغر سنا، وباتوا يعتبرونه خير صديق وطبيب.
يسألونه فيجيب، فهو يقدم استشارات مجانية بواقع 24 ساعة يوميا و7 أيام فى الأسبوع دون انقطاع، ودون كلل أو ملل.
يلبى فورا النداء إذا شعر أحدهم بالحزن والكآبة بعد منتصف الليل أوفى أى وقت من النهار، فهو متاح طالما توافر الإنترنت، لذا أصبح روبوت الدردشة مصدرا أساسيا للمعلومات والتواصل، ويستخدمه ما يزيد عن 700 مليون شخص حول العالم.
لا حاجة إذا لمراجعة الأهل لأخذ المشورة، ولا للذهاب إلى طبيب أو أخصائى نفسى من أجل الحصول على فضفضة مدفوعة ومشروطة، ولا للتعرى أمام الآخرين، فالروبوت ستر وغطا.
وعلى هذا النحو، صار البعض ومن بينهم المراهقون يلجأون إليه لحل مشكلاتهم، ويظل سرهم فى قاع بئر عميق لا يمكن أن يبلغ قراره سوى خبراء اللوغاريتمات والشركات المطورة لمثل هذه الاختراعات على غرار أوبن إيه آى (open AI).
فلانة حكت له المأساة التى تعيشها بعد الانفصال، وفلان يسأله فى كل مرة لا يدرى فيها ماذا يفعل، وسيدة أخرى فى منتصف العمر تستدعيه ليؤنس وحدتها ويساعدها على تفسير الأحلام والمنامات، ما قد يؤدى إلى اعتماد عاطفى مفرط لدى المستخدمين أو قد يزيد من عزلتهم، بحسب دراسة أجرتها الشركة المطورة بالتعاون مع معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، اعتمدت على تحليل نماذج من حوالى 4 ملايين دردشة على موقع شات جى بى تى وسؤال ما يقارب 4000 مستخدم.
وعلى صعيد آخر، أظهرت نتائج دراسة حديثة ركزت بالأساس على قدرة روبوت الدردشة على حل المشاكل الزوجية أن نصائحه كانت قريبة من مستوى آراء الخبراء ودقيقة إلى حد كبير.
بل قال بعض الأطباء والأخصائيين النفسيين إنهم يعتمدون عليه أحيانا فى تحليل حوارات المرضى وحصر الاحتمالات التشخيصية، فقد اعترف دكتور نفسى سويسرى على صفحات إحدى المجلات أنه يستأذن الحالات فى تسجيل كلامهم خلال الجلسات، ويبعث المحتوى فى الحال إلى شات جى بى تى، فيرسل له هذا الأخير الخلاصة فى أقل من دقيقة أو اثنتين، وأحيانا يلفت نظره الروبوت إلى أمور لم يكن قد لاحظها للتو.
يستخدمه كمساعد أو ملاح دون السماح له بالتدخل فى مسار الجلسة، لكن بالطبع هو يؤثر على توجيه العلاج على نحو معين وعلى نهج الطبيب.
موقف المتخصصين حتى الآن متابين، فالبعض يثنى على وظيفته ودوره كمساعد يلفت نظر المعالج أحيانا لأمور كاد أن يمر عليها مرور الكرام أو لضرورة إمهال المريض فترة أطول أثناء الجلسة ليستوعب ما حدث، والبعض الآخر يرى أن فى ذلك خرقا لمبدأ السرية الطبية التى تقتضى عدم وجود طرف ثالث فى علاقتهم مع المريض، وهو ما لا يضمنونه عبر روبوت الدردشة.
الموضوع برمته جديد لم يعتده جميع الأطراف ويطرح العديد من التساؤلات حول حدود الآلة واستخدام الذكاء الاصطناعى.
تتعدد الآراء حول كون شات جى بى تى مجرد مساحة للدردشة والتفكر، فالحديث مع آخر - ومستمع جيد - يجعل لدينا شيئا من البُعد تجاه المشكلة أو ما جرى بشكل عام، يُفرغ الشخص ما فى جوفه فيشعر بالراحة، يحلل مشاعره بشكل أفضل ويعيد تقييم الموقف، وهو أمر مفهوم ويشير إلى احتياجاتنا الحالية وطبيعة تطور المجتمع، ولكنه ليس وسيلة للتدخل، بمعنى أنه لا يمكن الاعتماد عليه لتعديل سلوك مثلا أو تغيير واقع، ولا يسمح باستبدال العنصر البشرى ولا يغنى عن الاستعانة به فى أمور بعينها تحتاج لحنكة طبيب وليس لمجرد صديق دردشة.
وعلى الرغم من وجود شهادات فردية على صفحات الإنترنت توضح أنها استفادت أكثر من الدردشة مع الروبوت بعد مشوار مع الأطباء استمر لسنوات، استنفذهم ماديا بسبب ارتفاع تكلفة الجلسات، إلا أنها تظل نماذج استثنائية أو وقائع منفصلة لا يجوز تعميمها، بل هناك حالات بعينها أدى التواصل فيها مع الشات جى بى تى إلى الانتحار فى بلجيكا والولايات المتحدة الأمريكية حيث يلجأ 70% من المراهقين الأمريكيين إلى روبوتات الدردشة الذكية ويعتمد عليها نصفهم بانتظام.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك