الزواج بين الفرح والاستدامةوجدت من المهم التذكير بهذه الكلمة المقتبسة من خطاب حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى في خطابه بافتتاح الانعقاد 47 لمجلس الشورى «ويبقى الإنسان موضوع خطط التنمية ومحورها وهدفها.
فارتفاع مستوى معيشة المواطن يجب أن يواكبه تطور قيمي وثقافي واهتمام بالأخلاق، وإلا فقد ينشأ احتمال أن تتحول الرفاهية إلى حالة من الإفساد الاجتماعي القائم على الثقافة الاستهلاكية غير المنتجة والمتذمرة باستمرار، وشعور بالاستحقاق لا يقوم على العمل والكفاءة».
وفي الأيام القليلة الماضية تمتد مناقشة موضوع الأعراس، فأشارككم المناقشة، يُنظر إلى الأعراس في المجتمعات الخليجية بوصفها مناسبة للفرح وإعلاناً لبداية مرحلة جديدة في حياة الأسرة.
وهي قيمة اجتماعية أصيلة تعكس التماسك والترابط بين العائلات، وتسهم في تعزيز العلاقات الاجتماعية وإحياء الموروث الثقافي المرتبط بالزواج.
غير أن التحولات التي شهدتها صناعة الأعراس خلال السنوات الأخيرة تدعو إلى التأمل في علاقتها بمجموعة من القيم التي تتصدر أجندة العالم اليوم، وفي مقدمتها الاستدامة والمسؤولية في استهلاك الموارد.
ففي الوقت الذي تتبنى فيه الدول والمؤسسات سياسات تهدف إلى ترشيد الاستهلاك، وخفض الهدر، وتعزيز الاقتصاد الدائري، تشهد بعض الأعراس أنماطاً من الإنفاق والاستهلاك تتجاوز حدود الاحتفاء بالمناسبة إلى بناء منشآت مؤقتة وديكورات ضخمة تُستخدم لساعات محدودة ثم تتحول إلى نفايات.
وتُستهلك في سبيل ذلك كميات كبيرة من الأخشاب والأقمشة والمواد الصناعية والطاقة والموارد اللوجستية، في مشهد يطرح تساؤلات مشروعة حول مدى انسجام هذه الممارسات مع مفهوم الاستدامة.
ولا يتعلق الأمر بالدعوة إلى تقليص جمال الأعراس أو الحد من مظاهر الفرح، فالجمال قيمة إنسانية وثقافية رفيعة، والاحتفاء بالمناسبات السعيدة جزء من هويتنا الاجتماعية.
إلا أن الجمال ذاته يمكن أن يكون أكثر وعياً وأكثر استدامة حين يعتمد على حلول قابلة لإعادة الاستخدام، أو تصاميم مرنة، أو مواد صديقة للبيئة، أو مستويات إنفاق تحقق التوازن بين الذوق الرفيع والمسؤولية المجتمعية.
ومن منظور إستراتيجي، فإن قضية الأعراس لم تعد شأناً اجتماعياً منفصلاً عن قضايا التنمية.
فأنماط الاستهلاك التي يعتادها المجتمع تنعكس على ثقافته الاقتصادية وسلوكه البيئي ومستوى وعيه بالموارد.
وعندما تتحول بعض المناسبات إلى سباق في حجم الإنفاق وحجم المنشآت المؤقتة وعدد التفاصيل المستهلكة لمرة واحدة، فإن الرسائل التي تنتقل إلى الأجيال الجديدة تصبح مرتبطة بالمظاهر أكثر من ارتباطها بالقيم التي قامت عليها الأسرة.
كما أن هذا النموذج الاستهلاكي يفرض أعباء اقتصادية إضافية على الشباب والأسر، ويؤثر بصورة غير مباشرة في قرارات الزواج والاستقرار الأسري.
فالأسرة التي تبدأ حياتها بتوقعات مرتفعة للإنفاق تجد نفسها أمام التزامات مالية متزايدة.
إن بناء ثقافة أعراس أكثر استدامة لا ينتقص من قيمة الفرح، بل يمنحه بعداً حضارياً جديداً يتوافق مع رؤية المستقبل.
فالمجتمعات المتقدمة تقاس اليوم بقدرتها على تحقيق التوازن بين جودة الحياة والمحافظة على الموارد، وبين تلبية الاحتياجات الحالية وصون حق الأجيال القادمة في الاستفادة من موارد الأرض.
ومن هذا المنطلق يصبح الاعتدال في الأعراس خياراً تنموياً وثقافياً يعكس نضج المجتمع ووعيه، ويجعل من الزواج مناسبة لبناء أسرة جديدة، وإسهاماً في بناء مستقبل أكثر استدامة في الوقت ذاته.
وللحديث بقية @maryamhamadi.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك