لم تعد واجهات محلات المجوهرات في الجزائر تستقطب المقبلين على الزواج كما كان الحال في السابق، بعدما تحولت أسعار الذهب إلى هاجس حقيقي يؤرق الكثير من العائلات والشباب الراغبين في إتمام مشاريع زواجهم.
ومع تسجيل المعدن الأصفر مستويات قياسية غير مسبوقة، وجدت فئات واسعة نفسها مضطرة إلى البحث عن بدائل تحفظ المظهر الاجتماعي وتخفف في الوقت نفسه من الأعباء المالية، ليبرز ما يُعرف في أوساط صناعة الحلي والمجوهرات بـ" الفونتيزي" أو شبيه الذهب خياراً يزداد حضوره يومياً.
المتجول عبر محلات بيع الحلي والإكسسوارات يلاحظ حجم الإقبال المتزايد على الأطقم المشابهة للذهب، والتي أصبحت تُعرض بأشكال وتصاميم تحاكي أحدث الموديلات المتداولة في الأسواق، إلى درجة يصعب معها على غير المختصين التمييز بينها وبين الذهب الحقيقي.
بريق" الفونتيزي" على حساب الذهبيجمع تجار على أن الارتفاع الكبير في أسعار الذهب ساهم بشكل مباشر في تغيير سلوك المستهلكين، خاصة وسط العائلات محدودة ومتوسطة الدخل.
فبعدما كان اقتناء طقم من الذهب يمثل تقليداً راسخاً في حفلات الزواج، أصبح الأمر يتطلب ميزانية ضخمة قد تتجاوز قدرة الكثير من الشباب، ولا سيما أن سعر أبسط طقم ذهبي بات يتجاوز 300 ألف دينار، فيما ترتفع الأسعار بشكل أكبر كلما زاد الوزن أو تعقدت التصاميم.
(الدولار= 133.
08 ديناراً).
وفي هذا السياق، أكد وائل منصور، وهو تاجر سوري متخصص في بيع شبيه الذهب بسوق بن جراح في العاصمة، أن الطلب على" الفونتيزي" عرف قفزة ملحوظة خلال الأشهر الأخيرة، موضحاً أن العديد من العرائس أصبحن يفضلن اقتناء أطقم مشابهة للذهب لاستعمالها في حفلات الخطوبة والزفاف، تفادياً للتكاليف الباهظة التي يفرضها المعدن النفيس.
وأضاف في حديثه مع" العربي الجديد" أنّ المحلات تتعامل حالياً مع ورشات متخصصة في صناعة هذا النوع من الحلي، حيث يتم تصميم الأطقم وفق طلبات الزبائن وبما يتماشى مع أحدث صيحات الموضة.
وأشار إلى أن بعض الورشات تقدم ضمانات تمتد إلى 10 سنوات ضد فقدان اللمعان أو تغير اللون، وهو ما عزز ثقة المستهلكين في هذه المنتجات وساهم في توسيع دائرة الإقبال عليها.
ولم يعد اقتناء" الفونتيزي" مقتصراً على الفتيات المقبلات على الزواج فقط، بل امتد ليشمل نساء يبحثن عن بدائل أنيقة للاستعمال اليومي دون تحمل مخاطر ضياع الذهب الحقيقي أو سرقته، فضلاً عن الرغبة في اقتناء نماذج متعددة بتكلفة أقل.
غير أن الإقبال المتزايد على هذه المنتجات انعكس بدوره على أسعارها، إذ يؤكد التجار أن" الفونتيزي" لم يسلم هو الآخر من موجة الغلاء.
فبعدما كانت بعض الأطقم تباع بأسعار زهيدة نسبياً، أصبحت أسعارها حالياً تتجاوز في أغلب الحالات عتبة 10 آلاف دينار، تبعاً لنوعية المواد المستعملة وجودة الطلاء والتصميم.
تراجع القدرة الشرائية في الجزائرفي قراءة للظاهرة، أكد الخبير الاقتصادي فريد بن يحيى أن الارتفاع المتواصل لأسعار الذهب خلال السنوات الأخيرة، بالتزامن مع تراجع القدرة الشرائية للأسر، أحدث تغيراً واضحاً في سلوك المستهلكين، خاصة لدى العائلات المقبلة على تنظيم حفلات الزواج.
وأوضح بن يحيى، في اتصال مع" العربي الجديد"، أن اقتناء الحلي الذهبية، الذي كان يمثل تقليداً راسخاً في الأعراس الجزائرية، أصبح يشكل عبئاً مالياً متزايداً على العديد من الأسر، ودفع شريحة من المقبلات على الزواج إلى البحث عن بدائل أقل تكلفة تتناسب مع إمكانياتهن المالية، لتبرز خيارات أخرى، من بينها الحلي المشابهة للذهب سواء من حيث الشكل أو التصميم.
المتجول عبر محلات بيع الحلي والإكسسوارات في أسواق الجزائر يلاحظ حجم الإقبال المتزايد على الأطقم المشابهة للذهبكما لفت إلى بروز ظاهرة كراء أطقم الذهب لفترات محدودة، خاصة خلال مراسم الزفاف، حيث تلجأ بعض العرائس إلى استئجار المجوهرات ليوم أو يومين فقط من أجل الظهور بها خلال الحفل، قبل إعادتها إلى أصحابها، وهو ما يعكس حجم الضغوط التي فرضتها الأسعار المرتفعة على ميزانيات الأسر.
ويرى الخبير الاقتصادي أن هذه التحولات تعكس تغيراً تدريجياً في أنماط الاستهلاك، إذ أصبحت الأولوية لدى العديد من العائلات موجهة نحو تغطية النفقات الأساسية والضرورية، على حساب بعض المظاهر الاجتماعية التي كانت تحظى في السابق بأهمية أكبر ضمن ميزانية الزواج.
ومن الناحية الاجتماعية، أكد الخبير الاجتماعي حليم مصطفى أن الحلي الذهبية لا تزال تحتل مكانة رمزية مهمة في الأعراس الجزائرية، باعتبارها جزءاً من الموروث الاجتماعي والعادات المرتبطة بمراسم الزواج، مشيراً إلى أن ظهور العروس متزينة بالمجوهرات يعد من المظاهر المتجذرة في الثقافة المحلية.
وأوضح المتحدث، في إفادة لـ" العربي الجديد"، أن هذه الممارسات تجاوزت في كثير من الأحيان حدود العادة الاجتماعية لتتحول إلى ما يشبه" الإلزام الاجتماعي"، حيث تجد العديد من العائلات نفسها مطالبة بمجاراة التوقعات السائدة خشية التعرض لأحكام المجتمع أو نظرة المحيطين من أقارب وجيران ومعارف.
وأضاف أن المرأة، بحكم المكانة التي تحتلها الزينة في الثقافة الاجتماعية، غالباً ما تجد نفسها أمام ضغوط غير مباشرة تدفعها إلى الحرص على الظهور بمظهر ينسجم مع المعايير المتعارف عليها خلال حفلات الزواج، حتى وإن كانت الظروف الاقتصادية لا تسمح بذلك.
وفي ظل الارتفاع المتواصل لأسعار الذهب وتراجع القدرة الشرائية للأسر، أشار الخبير الاجتماعي إلى بروز سلوكات جديدة داخل المجتمع، من بينها اللجوء إلى كراء أطقم الذهب لفترات قصيرة تقتصر على يوم الزفاف، أو الاستعانة بحلي مقلدة أو مشابهة للذهب تمنح الانطباع نفسه دون تحمل الأعباء المالية المرتفعة لاقتناء المجوهرات الأصلية.
ويرى مصطفى أن انتشار هذه البدائل يعكس محاولة للتوفيق بين الواقع الاقتصادي من جهة، ومتطلبات المجتمع من جهة أخرى، مؤكداً أن الكثير من الأسر أصبحت تبحث عن حلول تحفظ لها مكانتها الاجتماعية وتجنبها التعليقات أو المقارنات التي قد ترافق المناسبات العائلية.
وأشار إلى أن هذه الظاهرة تكشف جانباً من التحولات الاجتماعية التي تعيشها المجتمعات العربية عموماً، والجزائر على وجه الخصوص، حيث لا تزال قيمة المظهر تحظى بحضور قوي في بعض المناسبات الاجتماعية، الأمر الذي يدفع الأفراد أحياناً إلى إعطاء الأولوية للصورة الخارجية على حساب الاعتبارات الاقتصادية الواقعية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك