تتصدّر سلطنة عُمان المشهد الاقتصادي الإقليمي في عام 2026 بوصفها واحدة من أكثر دول الخليج قدرة على احتواء صدمات أزمة مضيق هرمز، ما سلّط الضوء على تساؤلات بشأن ما إذا كان هذا التفوق يعكس صموداً هيكلياً حقيقياً أم أنه مجرد نتيجة لضعف ارتباطها بالشبكات التجارية الدولية مقارنة بدبي وأبوظبي.
وفي هذا الإطار، يشير الخبير الاقتصادي خلفان الطوقي، لـ" العربي الجديد"، إلى أن الشركات تتحرك بناءً على معطيات السوق الأساسية من عرض وطلب، وتسعى دائماً نحو البيئات الأكثر أماناً وربحية والأقل تعرضاً للمخاطر.
وفي هذا السياق، تمتلك سلطنة عُمان القدرة على استقطاب جزء من رؤوس الأموال والأنشطة الاقتصادية الموجودة حالياً في دول مثل الكويت والبحرين والعراق والإمارات.
ويسهم تطوير المسارات اللوجستية الجديدة التي تربط بين ميناء صلالة وجدة وجيبوتي في خلق خطوط تجارية بديلة تنشأ استجابة للأزمات الإقليمية، بما يعكس بحث الشركات عن فرص جديدة وطرق ملاحية آمنة وتوزيع جغرافي للمخاطر.
فالشركات الكبرى تدرك ضرورة عدم تركيز عملياتها في موقع واحد، بل توزيع مخاطرها لضمان الاستمرارية، كما يوضح الطوقي.
وكما انتقلت بعض الأنشطة التجارية والاستثمارات سابقاً من عُمان جزئياً إلى الإمارات والسعودية بحثاً عن الفرص، فإن انعكاس هذا الوضع يبدو ماثلاً الآن، بحسب تقدير الطوقي، الذي يخلص إلى أن وجود مغريات وتسهيلات استثمارية جديدة في السلطنة من شأنه جذب المستثمرين والتجار من الدول المجاورة، بما يعزز دور عُمان مركزاً لوجستياً وتجارياً آمناً ومستقراً في المنطقة.
لكن إيريك هوبر، كبير الباحثين المشاركين في مؤسسة درويري (Drewry) لأبحاث واستشارات النقل البحري، يرى في المقابل أن ميناء صلالة يمثل" مفارقة لوجستية".
فبينما يتمتع بطاقة استيعابية كامنة ممتازة تبلغ نحو ثلاثة ملايين حاوية نمطية، فإنه يظل معزولاً هيكلياً عن منظومة الإمداد وعمقها التجاري في الخليج.
ويرجع ذلك، بالأساس، إلى المسافة البرية الشاسعة التي تفصل صلالة عن المراكز الاستهلاكية والصناعية الكبرى مثل دبي، والتي تتجاوز 1700 كيلومتر، إلى جانب الغياب التام لشبكة سكك حديدية تربط الميناء بالعمق الخليجي، بحسب تقدير نشرته منصة فريت ويفز (FreightWaves) المتخصصة في تحليلات النقل واللوجستيات العالمية في 13 مارس/آذار الماضي.
ويترتب على ذلك، بحسب هوبر، ارتفاع تكلفة شحن الحاوية الواحدة (40 قدماً) براً إلى ما بين ثلاثة آلاف وخمسة آلاف دولار، مقارنة بتكلفة نقل محلية من ميناء جبل علي تتراوح بين 200 و400 دولار، ما يجعل الاعتماد الطويل على هذا الخيار غير مجدٍ اقتصادياً بالنسبة لغالبية الشحنات التجارية.
وفي ما يتعلق بميناء الدقم، يرى هوبر أن تطوير البنية التحتية للحاويات فيه، بما يجعله بديلاً كاملاً للنزوح التجاري الإقليمي، يعد مشروعاً بعيد المدى يتطلب ما بين ثلاثة وخمسة أعوام من العمل البنيوي المستمر، وبالتالي لا يمكن التعويل عليه ليكون حلاً سريعاً للأزمة الراهنة.
ويخلص هوبر إلى أن عقوداً من نقص الاستثمار الإقليمي في مشاريع الالتفاف الفعالة على مضيق هرمز جعلت الترابط البحري والشبكي للموانئ الخليجية مصدر قوتها الأساسي، لكنه في الوقت نفسه يمثل نقطة الضعف الأخطر، إذ لا توجد، برأيه، أي توليفة من الموانئ البديلة المتاحة حالياً قادرة على تعويض حركة الملاحة والتجارة المفقودة عبر المضيق على المديَين القصير والمتوسط.
وتظهر تحليلات الربع الأول من العام الجاري مرونة واضحة لاقتصاد السلطنة.
ميناء صلالة يمثل" مفارقة لوجستية".
فبينما يتمتع بطاقة استيعابية كامنة ممتازة تبلغ نحو ثلاثة ملايين حاوية نمطية، فإنه يظل معزولاً هيكلياً عن منظومة الإمداد وعمقها التجاري في الخليجفعلى الرغم من خفض توقعات نمو الناتج المحلي الإجمالي إلى 1.
9%، ظلت عُمان الأقل تعرضاً لمخاطر الاضطرابات الإقليمية، مع استمرار تدفق صادراتها دون انقطاع، مستفيدة من ارتفاع أسعار الطاقة وزيادة قيمة التداولات العقارية في مسقط بنسبة 18.
4% لتصل إلى 678 مليون ريال عُماني، ما يعكس أن استقرار السلطنة يستند إلى عوامل جذب حقيقية تلبي تطلعات المستثمرين الباحثين عن ملاذ آمن بعيداً عن جغرافيا الصراع المباشر.
ويعزز من ترجيح أن هذا الصمود لا يعود إلى عزلة اقتصادية أو ضعف الترابط مع الأسواق العالمية، قفز السلطنة في مؤشر الحرية الاقتصادية لعام 2026 إلى المرتبة الـ39 عالمياً، بالتزامن مع تثبيت وكالتَي" إس أند بي" و" فيتش" التصنيف الائتماني لعُمان عند درجة الاستثمار (BBB-) بنظرة مستقبلية مستقرة، مستندتَين إلى تراجع الدين العام وتدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر التي بلغت 78.
78 مليار دولار، ما يبرهن أنّ التفوق العُماني هو ثمرة تخطيط مالي يعزّز جاذبية السلطنة مركزاً تشغيلياً منخفض المخاطر مقارنة بالمراكز التقليدية في المنطقة.
غير أن قدرات موانئ مثل صلالة والدقم تفرض قيوداً تحدّ من قدرتها على استيعاب 50% من التجارة الخليجية المارة عبر مضيق هرمز في حال استمرار الحصار لمدة عام كامل.
فعلى الرغم من توسعة محطة الحاويات في ميناء صلالة إلى 6.
5 ملايين حاوية نمطية، وامتلاك الدقم طاقة تبلغ 1.
5 مليون حاوية، تشير التقييمات اللوجستية إلى أنّ صلالة لا تزال معزولة جغرافياً عن عمق الخليج بسبب غياب السكك الحديدية وبعد المسافة البرية عن دبي، ما يرفع تكلفة النقل البري كثيراً.
وتتأكد عوائق الالتفاف عند مقارنة أحجام التدفقات، إذ يمرّ عبر مضيق هرمز نحو 20 مليون برميل نفط يومياً، إضافة إلى نحو 20% من تجارة الغاز الطبيعي المُسال العالمية، وهي كميات لا تستطيع خطوط الأنابيب البديلة، مثل خط" شرق-غرب" السعودي وخط" أدكوب" الإماراتي، تعويضها بالكامل.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك