لم تكن عودة أهالي جنوب لبنان إلى بلداتهم بعد وقف إطلاق النار تشبه ما انتظروه طوال أكثر من ثلاثة شهور، فبدلاً من استعادة الحياة التي تركوها قسراً، وجد كثيرون منازلهم مدمرة، وأعمالهم ومزارعهم متضررة.
في النبطية وصور وسواهما من مدن جنوب لبنان وبلداته، تختلط مشاعر الحزن والحنين بالأمل، ويتنقل الأهالي العائدون بين فرحة العودة، وصدمة خسارة المنازل والممتلكات، يحاول بعضهم البحث بين الأنقاض عن المقتنيات الشخصية، بينما ينشغل آخرون بخطط إعادة بناء المنازل والأعمال التي تعرضت لخسائر كبيرة.
وبين من يتفقد منزلاً مدمراً، أو متجراً تحول إلى ركام، يتمسك الغالبية بفكرة العودة، ويكرر بعضهم أن الحرب تدمر الحجر، لكنها لا تملك اقتلاعهم من أرضهم وذكرياتهم.
وشهد اليومان الأخيران سلسلة غارات إسرائيلية عنيفة على جنوب لبنان، في خرق متواصل لوقف إطلاق النار، ما خلف 47 شهيداً وإصابة 97 آخرين، بحسب آخر حصيلة لوزارة الصحة اللبنانية، الجمعة.
لم تقتصر خسائر الحرب على المنازل والمؤسسات التجارية، بل طاولت معالم ارتبطت بذاكرة المدن، من بينها" فرن اللوز" التراثي في سوق النبطية الذي يملكه اللبناني علي صباح، فتضرره أصاب جزءاً مهماً من ذاكرة المدينة كونه تأسس في عام 1958، وظل شاهداً على حياة أجيال متعاقبة، فيما تبدو مهمة ترميمه وإعادته إلى شكله الأصلي تحدياً صعباً في ظل حجم الأضرار التي لحقت به.
يقول صباح لـ" العربي الجديد": " الخسارة لا تقتصر على مكان عمل، بل تمس ذاكرتي الشخصية والعائلية.
هذا الفرن يعني لي كل شيء، فقد بناه جدي، وكنت أعمل فيه منذ أيام الطفولة مع والدي، ربما منذ أن كنت في السابعة أو الثامنة من عمري، وأتفرغ للعمل فيه خلال العطل المدرسية، وبعد أن أنهيت دراستي في عام 1992، أصبح عملي الأساسي، وما زال حتى اليوم".
ويشير صباح إلى أن" الأضرار التي لحقت بالمبنى هذه المرة كبيرة، فالقصف أصاب محيط الفرن مباشرة، فيما لم يتضرر المنزل، وننتظر أن تهدأ الأوضاع كي نتمكن من تقييم إمكانية الترميم، فالمبنى الذي يضم الفرن يزيد عمره على مئة عام، ونأمل أن يتمكن مهندس مختص من إعادة ترميمه والحفاظ على طابعه التراثي.
أقيم حالياً في مدينة صيدا، وأعود نهاراً إلى النبطية، وأغادرها عصراً بسبب الوضع الأمني غير المستقر، لا سيما في منطقة مرتفعات علي الطاهر.
أرفض تماماً فكرة افتتاح فرن في مكان آخر، وأنتظر فقط أن تهدأ الأحوال.
لا أريد أن أعمل في مكان آخر، فالنبطية هي بلدتي ومكان نشأتي".
ويوضح أن" الفرن يُعد من أقدم الأفران في النبطية، وقد ارتبط بذاكرة أبناء المدينة لعقود طويلة، إذ كانت تُخبز فيه أنواع الكعك المختلفة، كما اعتمد عليه أصحاب محال الحلويات لخبز منتجاتهم منذ أكثر من ثلاثين عاماً.
حرصنا دائماً على الحفاظ على طبيعة الفرن التراثية كونه جزءاً من تاريخ المدينة، خصوصاً في هذا الزمن، حيث لم يعد هناك عدد كبير من الأفران المماثلة في النبطية".
ويختم حديثه بالقول: " نحمد الله على كل حال، لكننا لا نعلم متى سنتمكن من العودة النهائية.
لم أحبذ يوماً فكرة استئجار محل أو فرن خارج النبطية، فنحن متمسكون بأرضنا، ومهما طال الوقت فسنعود إليها".
واختار بعض أصحاب الأعمال النظر إلى المرحلة الحالية بوصفها بداية جديدة نظراً إلى حجم الخسائر التي تكبدوها خلال الحرب.
يمتلك جمال صبراوي مقهى في مدينة صور، ورغم الأضرار الجسيمة التي لحقت بالمقهى خلال الحرب، يتحدث بروح متفائلة عن المرحلة القادمة، قائلاً لـ" العربي الجديد": " المهم أننا عدنا، فقد كنا خلال الفترة الماضية نعيش على وقع الخوف من توسع الحرب، ووصولها إلى ما بعد نهر الزهراني.
ليس هذا وقت البكاء على ما خسرناه، بل وقت إعادة البناء وبدء العمل".
ويضيف صبراوي أنه سارع إلى إصلاح الأضرار التي لحقت بالمقهى فور تحسن الأوضاع الأمنية، ولا يمانع البدء من الصفر إذا كان ذلك سيساعده على استعادة حياته الطبيعية.
ويقول: " باشرت بإصلاح المقهى لاستقبال الزبائن مجدداً، ولا مشكلة لدي في إعادة التأسيس من جديد.
عودة الأهالي إلى المدينة أسهمت في إعادة نبض الحياة إلى شوارعها وأسواقها، والحركة بدأت تنشط تدريجياً في صور مع إعادة افتتاح المؤسسات التجارية أبوابها، ما يعكس تمسك السكان بالبقاء في مدينتهم، وإصرارهم على تجاوز آثار الحرب واستعادة دورة الحياة العادية".
لكن العودة عند الكثير من العائلات لم تكن سوى مواجهة مباشرة مع حجم الدمار الذي خلفته الحرب.
إذ تعجز المسنة أم حسين فقيه، من منطقة المعشوق في مدينة صور، عن استيعاب مشهد منزلها المدمر الذي أفنت سنوات عمرها في بنائه، وقد أصابه الدمار قبل خمسة أيام فقط من وقف إطلاق النار.
وتقول لـ" العربي الجديد": " أشعر أنني مجروحة، وقلبي موجوع.
منزلنا المؤلف من ثلاثة طوابق دمر بالكامل، وهو المنزل الذي كنت أسكن فيه مع جميع أولادي".
وتضيف فقيه أن" المنزل تضرر خلال حرب عام 2024، لكن أولادي تمكنوا من ترميمه وإعادة تأهيله، قبل أن تأتي الحرب الأخيرة وتقضي عليه بالكامل.
أتنقل بين الركام بحثاً عن بعض المقتنيات والذكريات، فالإنسان يشعر كأنه أصبح يتيماً عندما يفقد بيته.
الأمر لا يتوقف عند الخسارة المادية، فالخسارة المعنوية التي خلفها تدمير المنزل أقسى، وما فقدته لا يقتصر على الجدران والأثاث، بل يشمل سنوات طويلة من الذكريات.
كل زاوية في هذا البيت تحمل قصة أو ذكرى.
هنا كبر أولادي، وهنا عشنا أفراحنا وأيامنا الصعبة.
خسارة المنزل تمثل فقدان جزء من العمر الذي أمضيناه فيه".
ورغم حجم الخسائر، يحاول الجيران أن يخفف بعضهم عن بعض، ويبثوا روح ضرورة تجاوز تداعيات الحرب.
ويكرر كثيرون أن أبناء مدينة صور يساند بعضهم بعضاً دائماً، وأن المصاب لا يخص عائلة واحدة، بل يطاول المدينة بأكملها.
وبينما أوضاع أهالي جنوب لبنان الذين تمكنوا من العودة قاسية، لم يتمكن آخرون من العودة بسبب استمرار التوتر الأمني في بعض المناطق.
من بين هؤلاء بلال غندور، والذي كان يأمل في أن يتمكن من العودة إلى منزله في النبطية الفوقا فور إعلان وقف إطلاق النار، لكن الأوضاع المتوترة المستمرة في محيط المنطقة حالت دون ذلك.
ويقول لـ" العربي الجديد": " أصعب شعور أن تكون على مقربة من منزلك، لكنك لا تتمكن من الوصول إليه.
أشعر كأن العدو الإسرائيلي لا يزال يحاصرنا رغم توقف الحرب".
يعيش غندور مع عائلته حالياً في منزل بمحيط مركز النجدة الشعبية في النبطية، لكن التصعيد الإسرائيلي الذي شهدته المدينة ومحيطها في مساء 18 يونيو/حزيران، دفعه إلى التفكير مجدداً في العودة إلى منزل النزوح في برجا.
ويقول: " أمضيت ليلة واحدة في الجنوب أراقب الأوضاع عن قرب، لكن القلق لا يزال يرافقني.
كأبناء الجنوب فإن حياتنا ليست طبيعية، وبتنا نعيش على الذكريات، وعلى انتظار العودة النهائية إلى بيوتنا".
ويضيف: " مشاهد الدمار التي طاولت مدينة النبطية تركت أثراً بالغاً في نفوسنا جميعاً، خصوصاً السوق التجاري الذي يحمل ذكريات أجيال متعاقبة.
مشهد السوق يبكي، فهو ليس مجرد سوق، بل جزء من حياة الناس اليومية، كما أن هناك أكثر من 250 وحدة سكنية مدمرة بالكامل".
ويعكس واقع غندور حال مئات العائلات التي وجدت نفسها عالقة بين الرغبة في العودة إلى منازلها، والخشية من تجدد التصعيد، في ظل استمرار هشاشة الوضع الأمني في العديد من المناطق الحدودية.
بينما لم تقتصر آثار الدمار على الكبار، بل امتدت إلى الأطفال الذين عادوا ليجدوا منازلهم وقد تحولت إلى ركام.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك