الجزيرة نت - عمر مرموش قناة الغد - رفع مستويات الإنذار في دول أوروبية بسبب الحر الجزيرة نت - فانس بين الإيمان وظل ترمب.. مذكرات تكشف صراع الطموح والهوية وكالة شينخوا الصينية - الصين تفعل استجابة طارئة من المستوى الرابع لمواجهة الكوارث الجيولوجية في أربع مقاطعات قناة الجزيرة مباشر - بمسيرة انقضاضية.. حزب الله يوثق استهداف جرافة عسكرية لجيش الاحتلال جنوبي لبنان وكالة سبوتنيك - ارتفاع عدد مصابي تصادم قطارين في بريطانيا إلى 100 شخص التلفزيون العربي - تعليق ساخر من رئيس البرازيل على نيمار سكاي نيوز عربية - المصرية هانيا الحمامي تؤكد زعامة الاسكواش العالمي وكالة سبوتنيك - فانس يعلن أنه سيبقى في سويسرا "ليوم أو يومين" لإجراء مفاوضات مع إيران الجزيرة نت - مباشر مباراة تونس ضد اليابان في كأس العالم 2026
عامة

هل ما زالت الديمقراطية خياراً ممكناً في تونس؟

العربي الجديد
العربي الجديد منذ 1 ساعة
2

يتجاوز الحديث عن استعادة الديمقراطية في تونس وقدرتها على الصمود أمام عواصف الارتداد رهانات اللحظة السياسية وتقلبات موازين القوى، لأنه يرتبط بالشروط التي تمكّنها من التحوّل من تجربة عابرة إلى ثقافة مجت...

يتجاوز الحديث عن استعادة الديمقراطية في تونس وقدرتها على الصمود أمام عواصف الارتداد رهانات اللحظة السياسية وتقلبات موازين القوى، لأنه يرتبط بالشروط التي تمكّنها من التحوّل من تجربة عابرة إلى ثقافة مجتمعية ومؤسّسات راسخة.

لذلك لا تختزل استعادتها في تغيير الحكام أو تعديل موازين النفوذ، بل تقتضي بناء الثقة في المؤسّسات وتعزيز قيم المواطنة وإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع، فالثورات قد تفتح الطريق إلى الحرية، لكنها لا تؤسّس وحدها لديمقراطية مستقرّة، إذ لا يكتمل هذا البناء إلا عبر تراكم للتجارب والخبرات والممارسات، إلى أن تصبح قيم التعدّد والمشاركة والاحتكام إلى القانون جزءاً من الوعي الجمعي والتنظيم الطبيعي للحياة السياسية.

ومن هذا المنطلق، يقتضي فهم إمكانات استعادة الديمقراطية أولاً تفكيك أسباب هشاشتها، فالأزمة التي تعرفها تونس لا يمكن اختزالها في قرارات سلطة منفردة بالحكم أو في انخرام توازنات القوى السياسية، رغم أهمية هذه العوامل، بل هي تعكس اختلالات أعمق تتصل بمسار الانتقال الديمقراطي، وبالثقافة السياسية السائدة، وبطبيعة العلاقة التاريخية بين المجتمع والسلطة.

لذلك لا يتعلق الإشكال فقط بكيفية الخروج من الأزمة الراهنة، وإنما يمتد إلى تفكيك الأسباب التي حالت دون تحوّل الديمقراطية إلى قاعدة مستقرّة في الحياة السياسية والمجتمعية.

تتمثل العقبة الأولى في الإرث الذي خلفته سنوات الانتقال الديمقراطي، وعجز هذه المرحلة عن إقناع قطاعات واسعة من التونسيين بأن الديمقراطية قادرة على تحسين حياتهم أو الاستجابة لمطالبهم الأساسية، فقد استنزفت النخب السياسية والمدنية جزءاً كبيراً من طاقتها في الصراعات الأيديولوجية والهوياتية والحزبية، في حين ظلت المطالب الاقتصادية والاجتماعية التي فجرت الثورة من دون استجابات ملموسة.

ومع الوقت، تعزّز لدى تونسيين كثيرين شعور بأن الديمقراطية ارتبطت بالحكومات الهشّة والتجاذبات المستمرة أكثر مما ارتبطت بالنجاعة والقدرة على الإنجاز.

ولذلك دفعت الديمقراطية في تونس ثمن أخطاء من حكموا باسمها، ومع تراكم الإخفاقات، تحوّل الإحباط من سوء الحوكمة وضعف النتائج إلى حكم شامل على الديمقراطية نفسها، وترسّخت قناعة مبسطة لكنها شائعة مفادها بأنها مرادف للفوضى والعجز والصراعات الهامشية، في حين يُنسب الاستقرار والفعالية إلى السلطة القوية المركزة.

غير أن تعثر التجربة لا يفسّر فقط بنتائجها السياسية والاقتصادية، بل أيضاً بعجز جزء مهم من النخب عن ممارسة المراجعة النقدية الضرورية لتصحيح المسار، فبدلاً من تحويل الإخفاقات إلى فرصة للتعلم، ساد منطق تبادل الاتهامات والتنصّل من المسؤولية.

وانشغل كل طرفٍ بإدانة خصومه أكثر من مساءلة خياراته وأخطائه.

ونتيجة لذلك، لم تتراكم الخبرة السياسية بالقدر الذي يسمح بتطوير الممارسة الديمقراطية، بل استمرّت الانقسامات نفسها في إعادة إنتاج نفسها، وظلت الأخطاء القديمة حاضرة بأشكال جديدة.

ولكن أزمة الديمقراطية في تونس تتجاوز أداء النخب لتلامس مستوىً أعمق يتمثل في هشاشة الثقافة الديمقراطية نفسها، فالديمقراطية ليست مجرّد انتخابات ودساتير وإجراءات قانونية، بل هي منظومة قيم تقوم على قبول الاختلاف، والاعتراف بشرعية الخصوم وحقهم في الوجود والتعبير، والاحتكام إلى المؤسّسات والقواعد المشتركة.

غير أن هذه الثقافة لم تترسّخ بعد بما يكفي لتصبح جزءاً ثابتاً من الممارسة السياسية والاجتماعية، وهو ما يجعل القواعد الديمقراطية عرضة للتأويل الانتقائي أو التعطيل كلما اشتدّت حدّة الصراع السياسي.

ففي أحيانٍ كثيرة، ظل المجال السياسي محكوماً بمنطق الغلبة أكثر من منطق التعدّد.

ولم يُنظر إلى الخصم منافساً مشروعاً داخل فضاء سياسي مشترك، بل خطراً ينبغي تحجيمه أو إقصاؤه.

وعندما تصبح السياسة صراعاً وجودياً بين معسكراتٍ متقابلة، تفقد الديمقراطية أحد أهم شروطها الأساسية، أي القدرة على إدارة الاختلاف سلمياً داخل إطار مؤسّساتي مستقر.

تبدو الديمقراطية بطيئة ومعقّدة ومثقلة بالتجاذبات، بينما يُقدَّم الحكم الفردي بوصفه أكثر سرعة ونجاعةولم يقتصر هذا الخلل على الفاعلين السياسيين، بل امتد أيضاً إلى جزءٍ من النخب الفكرية والثقافية التي كان يفترض أن تكون الحامل الأبرز للقيم الديمقراطية، فبينما ارتفعت شعارات الحرية والتعدّدية، ظلت الممارسة، في أحيانٍ كثيرة، أسيرة يقينيات أيديولوجية مغلقة، تنظر إلى الخصوم من زاوية الاصطفاف والانتماء أكثر مما تنظر إلى الأفكار والبرامج.

وعندما تتحوّل الحرّية إلى قيمة انتقائية، ويصبح إضعاف الخصم هدفاً في حد ذاته، تتضرّر الديمقراطية حتى ممّن يعلنون الدفاع عنها.

غير أن العقبة البنيوية الأعمق تكمن في طبيعة العلاقة التاريخية بين المجتمع والسلطة.

فبعد عقود طويلة من الحكم الأبوي والمركزي، لم تتبلور بعد بصورة راسخة فكرة المواطن المستقل، القادر على إدارة شؤونه عبر المؤسّسات والقانون.

وظلت قطاعات واسعة تميل إلى البحث عن" الزعيم المنقذ" بوصفه امتداداً رمزياً لصورة السلطة الحامية، أكثر من ميلها إلى الثقة في المؤسّسات والقواعد المستقرّة للحكم.

وفي هذا الواقع، تبدو الديمقراطية بطيئة ومعقّدة ومثقلة بالتجاذبات، بينما يُقدَّم الحكم الفردي بوصفه أكثر سرعة ونجاعة.

غير أن هذا التصوّر لا يصمد أمام التحليل الجاد، لأنه لا يعكس تفوق نموذج على آخر، بل يكشف هشاشة ترسخ الثقافة الديمقراطية في الوعي العام.

فالحكم الفردي ليس بديلاً سياسياً قابلاً للتبرير، بل هو نقيض مباشر لفكرة الحرية، لأنه يقوم على تركيز السلطة في يد شخص واحد، وتعطيل آليات الرقابة والمساءلة، وتهميش المؤسسات، بما يفتح المجال لتحول الحكم إلى ممارسة فردية غير مقيدة.

ومهما بدا هذا النموذج سريعاً في الحسم، يظل في جوهره مصدراً لإنتاج الاستبداد وإضعاف الدولة، إذ يربط مصير المؤسّسات بإرادة فرد واحد، ويجعل الاستقرار رهين تقلباته لا بقواعد مستقرّة أو ضوابط مؤسّساتية، في المقابل، تقوم الديمقراطية على التوازن بين السلطات وإدارة المصالح المتعارضة، وهو ما يجعل آلياتها أكثر تعقيداً، لكنه يمنحها قدرة أكبر على حماية المجتمع من الانزلاق نحو الحكم المطلق ومن مخاطر السلطة غير المقيدة.

لهذا تبدو استعادة الديمقراطية في تونس مهمة أعقد من مجرد إعادة ترتيب المشهد السياسي، إذ تقتضي، أولاً، مراجعة نقدية صريحة لتجربة الانتقال الديمقراطي، واستخلاص دروسها بعيداً عن منطق التبرير وتبادل الاتهامات.

كما تقتضي تجديداًعميقاً للنخب السياسية والفكرية، يقوم على تجاوز الاصطفافات الأيديولوجية الصلبة التي أسهمت في تعميق الاستقطاب وإضعاف التجربة، وعلى إعادة الاعتبار للكفاءة، ولقدرة هذه النخب على الحوار والتوافق وإدارة الاختلاف، بدل تحويله إلى صراع هوياتي دائم.

ما يحتاج إليه السياق التونسي اليوم ليس إعادة إنتاج الخلافات القديمة، بل الخروج من أسرها نحو تصوّر جديد قوامه المسؤولية المشتركة، والتعلم من الأخطاءمع هذا، لا تعني صعوبة المهمّة إغلاق الباب أمامها، فالتاريخ يثبت أن الديمقراطيات لا تولد مكتملة، بل تتقدّم عبر التعثر والتصحيح والتراكم.

وما دام المجتمع قادراً على الاستنهاض وإعادة التنظيم، تظلّ فرصة استعادة المسار الديمقراطي قائمة، وإن أخطأ التقدير في بعض المراحل.

لكن هذه الفرصة لن تُحفظ تلقائياً، ولن تُصان بمجرّد الخطاب أو التموقعات الأيديولوجية، بل تتطلب شجاعة سياسية وأخلاقية في المراجعة، وقدرة على تجاوز الانقسامات العقيمة التي استنزفت التجربة وأضعفتها، فاستمرار منطق الاصطفاف وتبادل الاتهامات لن يؤدّي إلا إلى إعادة إنتاج الأزمة نفسها بأشكال مختلفة.

ما يحتاج إليه السياق التونسي اليوم ليس إعادة إنتاج الخلافات القديمة، بل الخروج من أسرها نحو تصوّر جديد قوامه المسؤولية المشتركة، والتعلم من الأخطاء، وإعلاء مصلحة الدولة والمجتمع فوق الحسابات الأيديولوجية الضيقة، فالديمقراطية لا تُهزم فقط حين يُهاجمها خصومها، بل حين يفشل أنصارها في صيانتها وتجديدها.

ومن ثمّ، تظلّ استعادة الديمقراطية ممكنة، لكنها تفترض خياراً حاسماً لا يقبل المواربة: إما الاستمرار في الدوران داخل منطق الاستقطاب الذي استنفد مبرراته وعمّق الأزمة، وإما الانخراط في مسار جديد يعيد الاعتبار للعقل النقدي، ولحوكمة رشيدة، ولثقافة سياسية تعتبر الاختلاف مصدر إثراء، لا سبباً للصراع الدائم والمناكفة، عندها فقط يمكن للديمقراطية أن تنتقل من وضع التجربة المتعثرة إلى خيار وطني راسخ، قادر على الاستمرار والتجدّد.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك