ظهرت، في العقود الأخيرة، في عدة دول أوروبية أشكال جديدة من العمل الاجتماعي، تديرها جمعيات ومبادرات تستند إلى مرجعية إسلامية.
تقدم خدمات متنوعة، تشمل توزيع مساعدات غذائية ومكافحة التهميش الاجتماعي.
جاء هذا التطور في ظل التحولات في أنظمة الرعاية الاجتماعية الأوروبية.
تراجع دور الدولة وازدياد نشاط المبادرات الخاصة والجمعيات الأهلية فتحا المجال لفاعلين جدد يسعون إلى سد الفجوات الناتجة عن انكماش القطاع العام.
لكن هذا النمو الملحوظ للعمل الاجتماعي ذي المرجعية الإسلامية أثار نقاشات واسعة في المجتمعات الأوروبية.
غالباً ما يرتبط تصوّر الإسلام بمخاوف تتعلق بالتبشير الديني أو التطرّف أو الإرهاب، ما يعزّز الشكوك بشأن هذه المبادرات.
لكن الحقيقة تظهر أن الصورة النمطية التي تساوي بين هذه المبادرات والمشاريع الأيديولوجية المتشدّدة بعيدة عن تعقيدات الواقع.
أظهرت التحولات الاجتماعية والثقافية في أوروبا في العقود الأخيرة انتقالاً تدريجياً من نموذج الاندماج التقليدي المعتمد على فكرة التجانس الثقافي إلى نموذج أكثر تعدّداً يعترف بالهويات المختلفة داخل المجتمع.
أدّى هذا إلى ظهور مقاربات جديدة في العمل الاجتماعي، تستفيد من الخصوصيات الثقافية والدينية للمجموعات المستهدفة، حيث يُعتبر الانتماء المشترك عاملاً يساعد على بناء الثقة وتحسين فعالية التدخل الاجتماعي.
في الوقت نفسه، ساهم انتشار السياسات النيوليبرالية في إضعاف دور الدولة في الكثير من المجالات الاجتماعية، الأمر الذي أتاح مساحة أوسع أمام الجمعيات والمنظّمات الخاصة، ومنها الجمعيات الإسلامية.
وقد استفادت الأخيرة من هذا الفراغ لتطوير أنشطة إنسانية محلية، بعد أن كانت اهتماماتها في البداية تتركز على المشاريع الخيرية الخارجية المرتبطة بالعالم الإسلامي.
ومع الوقت، أصبح كثير من هذه المبادرات أكثر استقلالاً عن الحركات الإسلامية العالمية، وأخذت تنشأ من القاعدة المحلية استجابة لحاجات المجتمعات.
ويمكن التمييز بين ثلاثة مستويات رئيسية: الحركات الدينية العالمية، والمؤسّسات الدينية المحلية التي ترتبط بها بدرجات متفاوتة، ثم الجمعيات المستقلة التي تمثل اليوم الفاعل الأساسي في مجال العمل الاجتماعي الإسلامي في أوروبا.
تعمل بعض المؤسّسات على مكافحة العنصرية والتطرف وتعزيز الاندماج الاجتماعي، فيما توفر فضاءات آمنة للنشاطات الثقافية والترفيهية بهدف الحد من الإدمان والانحراف والتطرففي فرنسا، يرتبط انتشار هذه المبادرات بالسياق الخاص للأحياء الشعبية التي تشهد نسبة مرتفعة من الفقر والتهميش.
وقد ظهرت جمعيات مستقلة تنشط في مكافحة الهشاشة الاجتماعية، حيث تجمع بين تقديم المساعدات الإنسانية وتنظيم أنشطة ثقافية وتعليمية ذات صلة باللغة العربية أو الثقافة الإسلامية.
ورغم تأكيد هذه الجمعيات هويتها الإسلامية، لا تقتصر خدماتها على المسلمين، بل تشمل مختلف الفئات المحتاجة.
كما تؤدّي بعض الجمعيات دوراً تربوياً من خلال مرافقة الشباب وتأطير المتطوعين الجدد، فيما توفر جمعيات أخرى مراكز إيواء للمشرّدين وبرامج للتوعية الاجتماعية تعالج قضايا الشباب المعاصرة في ضوء القيم الدينية التقليدية.
وفي سويسرا، يتطوّر العمل الاجتماعي الإسلامي في بيئة تتسم بالحذر والشك، ما يدفع الجمعيات إلى السعي إلى إثبات التزامها بمبادئ الحياد واحترام القوانين، مع المحافظة، في الوقت نفسه، على مرجعيّتها الإسلامية.
وتعمل بعض المؤسّسات على مكافحة العنصرية والتطرف وتعزيز الاندماج الاجتماعي، فيما توفر فضاءات آمنة للنشاطات الثقافية والترفيهية بهدف الحد من الإدمان والانحراف والتطرف.
وفي بريطانيا، تبدو الظروف أكثر ملاءمةً بسبب الطابع التعدّدي للمجتمع البريطاني وسياسات التعدّدية الثقافية التي تسمح بقدر أكبر من المبادرات المجتمعية.
وتعمل بعض الجمعيات على تعزيز التماسك الاجتماعي ومحاربة العنصرية والتطرّف، كما تنظم برامج تعليمية تستهدف الشباب من أجل تزويدهم بخلفية فكرية تساعدهم على مقاومة الأفكار المتشدّدة.
وفي المقابل، تتولى مؤسّسات أخرى جمع أموال الزكاة وإعادة توزيعها على المحتاجين.
يمثّل العمل الاجتماعي الإسلامي جزءاً من التحولات الأوسع التي تشهدها المجتمعات الغربية في مجال الرعاية الاجتماعيةوتثير هذه التجارب نقاشاً دائماً حول العلاقة بين العمل المجتمعي ذي الطابع الديني والمبدأ الكوني الذي تقوم عليه الدولة الحديثة.
فهل يشكل التركيز على الجماعة الدينية نوعاً من الانغلاق، أم أنه مجرّد وسيلة عملية للوصول إلى الفئات الأكثر هشاشة؟ وتفيد التجارب الميدانية أن أغلب الجمعيات لا ترى تعارضاً بين البعديْن، إذ تقدّم خدماتها للمسلمين وغير المسلمين معاً، مع الأخذ في الاعتبار أن المسلمين يشكلون نسبة مرتفعة بين الفئات التي تعاني الإقصاء الاجتماعي.
ويمنح الطابع المجتمعي لهذه الجمعيات نوعاً من التميز داخل سوق العمل الخيري، الأمر الذي يساعدها على اكتساب الشرعية وجذب التمويل.
كما أن المؤسّسات الرسمية نفسها تتبنّى أحياناً مقاربة براغماتية تستفيد من خبرة هذه الجمعيات وقدرتها على التواصل مع الفئات المهمّشة.
ومع هذا، يبقى الانتقال من النشاط الخيري والاجتماعي إلى العمل السياسي المنظم محدوداً.
فمعظم هذه المؤسسات تفضل التركيز على خدمات الإغاثة والتكافل، وتتبنى خطاباً يدعو إلى الاندماج والتعاون مع السلطات، ما يجعل حضورها السياسي ضعيفاً نسبياً.
وفي المحصلة، تكشف التجربة الأوروبية أن العمل الاجتماعي الإسلامي يمثل جزءاً من التحولات الأوسع التي تشهدها المجتمعات الغربية في مجال الرعاية الاجتماعية.
كما أن الصورة التي تختزل هذه المبادرات في التبشير أو التطرّف لا تعكس واقعاً أكثر تنوعاً وتعقيداً، حيث تؤدّي هذه الجمعيات دوراً تكميلياً للمؤسّسات الرسمية، وتسهم في الوصول إلى الفئات المهمّشة، مع استمرار التحدّيات المرتبطة بالتمويل والمهنية، والعدد المحدود من المتطوعين.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك