" الجنرال لاكي يخسر الحرب" (مرفأ، بيروت، 2026)، المجموعة القصصية لا تُنسب لغزاوي عفواً.
وضاح أبو جامع لا يقيم الآن في غزة، فهو غادرها إلى تركيا ومنها إلى بلجيكا، لكن مجموعته التي تحوي 23 قصة قصيرة، أقاصيص غاية في القصر، إحداها في نصف صفحة، تستمد موضوعاتها جميعها من الحرب على غزة.
بل هي في جملتها تزاوج بين العرض الذي يواصل أسلوباً صحافياً والخلق الأدبي الذي هو على حافة التوثيق.
لمخيلة الكاتب بالتأكيد دور لا يُنكر، لكن ميزة الأقاصيص أنها تحاذي الواقع وتخترع منه، بل وتلعب به.
الأقاصيص تكاد تكون واحدة تلو الأخرى لمحات من واقع كبير، هي إذا اجتمعت بعضها إلى بعض، تؤلف ما يشبه أن يكون ريبورتاجاً واسعاً للكارثة الغزيّة.
ميزة الكاتب، بادئ بدء، هي في قدرته على أن يستلّ من الفظاعة الشاملة حكايات لها سياقها الخاص، لها حادثتها ومقدماتها وخواتيمها وبنيتها، مع بقائها صوراً وجزئيات وتفاصيل، أي أمثلة على قسوة الواقع ورهبته.
تبدأ المجموعة بأقصوصة" فكّة عشرة"، تكاد تمثل ما يمكن اعتباره فن الكاتب: " لجأنا إلى جارتنا التي تعيش في خيمة بعد نزوحها من محل إقامتها، حيث فقدت نصف عائلتها في غارات جباليا، وافقت على إعطائنا قرني فلفل ومعهما رغيف خبز وعلبة فول، بشرط أن نصطحب ابنها الأصغر معنا".
هذا المقطع اختير من الصفحة الأولى، وبقدر من عشوائية، لكننا نستطيع منه أن نرى كيف تقدم الفظائع بصيغة خبرية، كيف تسرد بأسلوب محايد لا يخفي فظاعتها، بل، وهو يقدمها بدون تعليق أو انفعال، يجعلها وحدها الماثلة، ثم إنها، بهذا الحضور السريع، لا تلبث أن تتصل بدون مهلة بنثريات الحياة اليومية، الفلفل والخبز والفول.
لكن الأقصوصة لا تقف هنا، إن لها نهايتها الصارخة وإن بدون صوت.
الجريح، وحوله قطع نقود تستدعي من اللص أن يقوم بجمعها، يفتح الجريح عينيه ويسأله ماذا يفعل ليجيبه هذا: " بلاقيش معك فكّة عشرة".
هذه الأقصوصة لا تجمع فقط، في سطر واحد، الفظيع واليومي العادي، بل تستخرج من ذلك كله مفارقة لافتة.
غرابة تصل إلى حد النكتة.
الفظاعة هي هكذا لا تحتاج إلى وصف أو اعتبار، إنها ماثلة في خبرها، بل حاضرة أكثر في تضادها مع الحياة والواقع.
لن تكون هذه المفارقة وحدها في المجموعة، إنها تكون فنّها والفظاعة تثرى بها، بل تبدو بملء حقيقتها وقسوتها في الخبرية التي تساق بها، بالغرابة التي تنشأ من طبيعتها الخاصة ومن فداحتها.
هكذا نجد في الأقصوصة التي تحمل عنوان المجموعة" الكلب لاكي"، الذي سماه هكذا الابن أحمد الذي وجده وتبنّاه، نجده بعد القصف عائداً يحمل رأس الابن في فكيه.
فن وضاح أبو جامع هو هذا، الفظاعة في استطالتها وتكرارها وتعددها، تغدو مع الوقت، وربما من أوله، عادية للغاية.
بل إنها هكذا تجعل العادي أقل من حاله، بل إن الأحوال بسببها تغدو متساوية.
هكذا لا تعود الملاحظة حاضرة، ولا يبقى الوقت محسوساً، ويحل ما يشبه النسيان والغض عن الوقائع، ويستحيل الواقع نفسه غير ملحوظ ولا مرئي.
تؤلف ما يشبه أن يكون ريبورتاجاً واسعاً للكارثة الغزيّة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك