بين مطرقة الجفاف المائي وسندان الفيضانات الكارثية، يواجه الأمن القومي لبلدي المصب لنهر النيل مصر والسودان تحدياً هو الأخطر في التاريخ الحديث.
ويأتي هذا التهديد في الوقت الذي سلطت فيه تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب الأخيرة بشأن دعمه الكامل لمصر وحقوقها المائية ملف سد النهضة على مصراعيه.
فبين آمال دولتي المصب في وساطة أميركية حاسمة تقود إلى اتفاق قانوني ملزم، وتحذيرات الخبراء من سيناريوهات كارثية تهدد السودان بالغرق ومصر بخسارة نحو 10% من حصتها المائية، تبدو المنطقة أمام منعطف تاريخي.
ويحلل وزراء ري مصريون سابقون أبعاد الموقف التكتيكي لمصر، وخطوط دفاعها الهندسية، وفرص استثمار الزخم الدبلوماسي الأميركي الجديد للوصول إلى حل عادل يحمي شريان الحياة الممتد من الهضبة الإثيوبية.
" السودان في مقدمة المتضررين"وفي تصريحات خاصة لـ" العربية.
نت" و" الحدث.
نت"، أكد الدكتور حسام الدين مغازي، وزير الري المصري الأسبق، أن السودان يأتي في مقدمة المتضررين، نظراً للقرب الجغرافي الحرج حيث يبعد نحو 20 كيلومتر فقط عن السد الإثيوبي، موضحاً أن تدفقات المياه الضخمة قد تؤدي إلى تداعيات كارثية تشمل غرق الأراضي السودانية الشاسعة وخروج النهر عن مساره، فضلاً عن التهديد المباشر الذي يواجه السدود السودانية الواقعة على خط المجرى المائي.
وطمأن وزير الري الأسبق المصريين بشأن الجاهزية المصرية، مشيراً إلى أن الدولة تمتلك استراتيجية دفاعية متكاملة عبر ثلاثة خطوط رئيسية لاستيعاب موجات الفيضان المرتدة من السودان، تبدأ ببحيرة ناصر كخط دفاع أول يمتد بطول 500 كيلومتر منها 350 كيلومتر داخل مصر و 150 كيلومتر في السودان وتستطيع استيعاب كميات ضخمة.
وقال إنه يلي ذلك مفيض ومنخفضات توشكى كخط دفاع ثانٍ مكون من 4 منخفضات عملاقة في الصحراء بقدرة استيعابية تصل إلى 120 مليار متر مكعب، وهي سعة تفوق أقصى فيضان محتمل قادم من إثيوبيا.
وذكر مغازي أن السد العالي ومفيض الطوارئ يأتيان كخط دفاع ثالث، حيث يمكن لخبراء وزارة الري فتح بوابات المفيض لتصريف المياه بآلية محكمة تضمن عدم تضرر الجزر النيلية.
وعلى الصعيد الدبلوماسي، أشار مغازي إلى أن مصر تترقب تحركاً إيجابياً من الإدارة الأميركية، لاسيما بعد تصريحات الرئيس دونالد ترامب الداعمة لحقوق مصر والمفاوضات، معرباً عن أمله في أن تقود واشنطن الأطراف مجدداً للبناء على ما تم التوصل إليه في جولات التفاوض السابقة للوصول إلى اتفاق قانوني ملزم ينظم حركة المياه المنصرفة دون إلحاق ضرر بدول المصب.
من جانبه، رسم الدكتور محمد نصر الدين علام، وزير الموارد المائية والري الأسبق، سيناريو مغايراً يتعلق بـ" سنوات الجفاف"، وتوقع في تصريحاته لـ" العربية.
نت" و" الحدث.
نت" بدء سلسلة من الفيضانات المنخفضة للنيل الأزرق قريباً، مما سيجبر مصر على تفريغ مخزون السد العالي تدريجياً لتعويض العجز، وهو ما قد يفجر أزمة ندرة مياه حادة إذا استمر الجفاف لسنوات متتالية.
وأضاف علام أن موقع السد بالقرب من الحدود السودانية يعني أن عمليات امتلاء السد وتصريف مياهه عبر مفيض الطوارئ تضر بالسودان وسدوده وأراضيه بالدرجة الأولى، وتؤثر نسبياً على مصر.
وفجّر علام مفاجأة رقمية مؤكداً أن تأثير السد الإثيوبي سيتجسد في خسارة مصر السنوية لما يعادل 8% إلى 10% من حصتها المائية التاريخية، نتيجة فواقد التخزين مثل التبخر والتسرب خلف السد الإثيوبي، دون أن تستخدم أديس أبابا قطرة واحدة من هذه المياه داخل أراضيها.
وأوضح أن التأثير يقع مباشرة على مصر لأن السودان يستقطع حصته المائية أولاً قبل وصول المجرى إلى الحدود المصرية.
واختتم علام مشدداً على أنه لا يوجد بديل لحل الأزمة وتقليل الأضرار إلا باتفاق شامل يضمن قواعد الملء والتشغيل الفني، بما يحقق لإثيوبيا أهدافها في توليد الكهرباء، ويحمي مقدرات وحياة شعبي مصر والسودان.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك