بمباراة تونس واليابان، وصل عِداد كأس العالم 1000 مباراة بالتمام والكمال، هذا الرقم وإن بدا مجرد إحصائية جديدة في أرشيف البطولة، إلا أنه مرآة لرحلة طويلة بدأت تقريبا قبل قرن من الزمان.
لم تولد كأس العالم من لحظة احتفال صافية، ولا من حلم رومانسي بريء بأن تجتمع الأمم على اختلافها حول كرة بل وُلدت -في الحقيقة- من توتر طويل وعميق بين لعبة خرجت من مدارس وموانئ بريطانيا ثم أفلتت من يدها، وبين اتحاد دولي شاب يبحث عن شرعيته؛ بين مثالية الهواة التي أقصت أبناء الطبقات العاملة، واحتراف ينمو لم يعد ممكنًا تجاهله؛ بين أوروبا التي تعتقد أن مركز اللعبة في ملاعبها، وأمريكا الجنوبية التي بدأت من خلف المحيط الأطلسي تقديم نسخة مختلفة من كرة قدم، أكثر جمالية واحتفالا بالموهبة.
list 1 of 2أنقذ سمعة إنجلترا.
كيف عثر كلب هجين على كأس العالم في الشارع؟list 2 of 2من 9 إلى 12 هدفا.
أكثر المباريات جنونا في تاريخ كأس العالمفي مونتيفيديو، عام 1930، لم يكن المشهد يشبه ما ستصير إليه البطولة لاحقا.
لم تكن هناك إمبراطوريات تلفزيونية، ولا رعاة عالميون، ولا ملاعب مكتملة في موعدها، ولا مليار إنسان يشاهدون المباراة النهائية.
كان هناك 13 فريقا فقط، مدينة بعيدة على شاطئ الأطلسي، ملعب أسمنتي جديد لم يكتمل في الوقت المناسب، وسفن حملت لاعبين عبر البحر كما لو أنهم ذاهبون إلى مغامرة أكثر من ذهابهم إلى حدث سيغير تاريخ الرياضة.
لكن هشاشة البداية لا تقلل من معناها.
على العكس؛ تكشفه.
فقد كانت كأس العالم، منذ لحظتها الأولى، محاولة لتحويل كرة القدم من شبكة مباريات متناثرة إلى حالة كونية؛ من لعبة تملكها اتحادات وطنية متنافسة إلى مسرح عالمي تتصارع فوقه الأمم على المجد والاعتراف والرمزية، وهذا هو جوهر القراءة التي يقدّمها جوناثان ويلسون في كتابه «المجد والقوة: تاريخ جديد لكأس العالم».
كأس العالم لم تكن منذ البداية مجرد بطولة.
كانت أداة للتمثيل، ومجالًا للنفوذ، ومرآة مبكرة للعلاقة المعقدة بين الرياضة والسياسة والهوية.
كرة قدم ما قبل المونديال: لعبة" بلا عالم"قبل 1930، كانت كرة القدم قد انتشرت فعلا، لكنها لم تكن قد امتلكت بعد مركزًا عالميًا واضحًا.
كان العالم الكروي يتكوّن من اتحادات وطنية، أندية محلية، مباريات ودية، بطولات إقليمية، ودورات أولمبية.
كانت اللعبة تتوسع بسرعة، لكنها تفعل ذلك بلا كيان جامع.
لكل بلد سرديته، ولكل اتحاد مصالحه، ولكل منطقة إحساسها الخاص بمكانها في الخريطة.
في بريطانيا، التي صاغت قوانين اللعبة الحديثة وصدّرتها عبر البحارة والتجار والمهندسين والمعلمين، ظل هناك شعور عميق بالتفوق.
لم تكن كرة القدم بالنسبة إلى البريطانيين مجرد رياضة اخترعوها؛ كانت جزءًا من ثقافة إمبراطورية ترى نفسها صاحبة الأصل ومحددة المعيار.
لكن هذا الشعور القديم بدأ يتآكل تدريجيًا.
فكلما انتشرت اللعبة، فقدت بريطانيا احتكارها الرمزي لها.
وما إن دخلت إلى أمريكا الجنوبية وأوروبا الوسطى حتى أخذت أشكالًا جديدة، أكثر شعبية، وأكثر مهارة، وأكثر ارتباطا بمشاريع الهوية الوطنية.
كانت المباريات الودية تمنح المنتخبات فرصة للاحتكاك، لكنها لم تصنع نظامًا عالميًا.
وكانت الدورات الأولمبية تمنح كرة القدم منصة كبرى، لكنها لم تكن منصة مصممة خصيصًا لكرة القدم.
أما الاتحادات الوطنية، فكانت تسعى قبل كل شيء إلى ضبط شؤونها الداخلية: تثبيت شرعيتها، تنظيم مسابقاتها، وحماية نفوذها في وجه أندية محترفة وجماهير متزايدة ومصالح سياسية واقتصادية آخذة في التوسع.
في هذا العالم، لم تكن كرة القدم تفتقر إلى الشعبية، بل إلى الشكل المؤسسي الذي يترجم تلك الشعبية إلى سلطة.
كانت لعبة جماهيرية بلا بطولة عالمية تخصها وحدها؛ لعبة عابرة للحدود، لكنها لا تزال عالقة داخل أطر قديمة: الأولمبياد، الدبلوماسية الرياضية، والتقاليد البريطانية المتحفظة تجاه سلطة دولية تضع إنجلترا على قدم المساواة مع دول أصغر أو أحدث حضورًا في اللعبة.
الفيفا: من الحاجة إلى الاعتراف إلى حلم السيادةحين تأسس الاتحاد الدولي لكرة القدم عام 1904، لم يكن ذلك إعلانًا فوريًا عن ولادة سلطة كروية كونية مكتملة.
كان الاتحاد الوليد أقرب إلى محاولة لتنظيم الفوضى ومنح الاعتراف المتبادل بين اتحادات وطنية تريد تثبيت شرعيتها.
في قراءة ويلسون، تظهر الفيفا منذ البداية ككيان تحكمه البراغماتية بقدر ما تحركه المثالية.
كانت الفكرة واضحة وعملية، في كل بلد، هناك سلطة كروية معترف بها، وهذه السلطات تعترف ببعضها تحت سقف واحد.
سقف الفيفا.
لكن هذا السقف بقي منخفضًا ما دام الاتحاد لا يملك بطولة كبرى مستقلة.
فالسلطة في الرياضة لا تأتي من اللوائح وحدها، بل من القدرة على تنظيم الحدث الذي لا يستطيع أحد تجاهله.
وبالنسبة إلى الفيفا، كانت كرة القدم الأولمبية في البداية فرصة، ثم تحولت تدريجيًا إلى قيد.
في عشرينيات القرن العشرين، بدا أن كرة القدم تجاوزت الإطار الأولمبي.
فهي أكثر شعبية من أن تبقى مجرد مسابقة بين مسابقات الألعاب المختلفة، وأكثر تعقيدًا من أن تخضع بسهولة لمثالية الهواية وعشوائيتها.
لقد كان السؤال القديم عن اللاعب الهاوي والمحترف سؤالًا اجتماعيًا بقدر ما كان رياضيًا: من يملك حق اللعب؟ أبناء الطبقات الميسورة الذين يستطيعون تخصيص وقتهم للرياضة بلا مقابل؟ أم العمال والموظفون الذين يحتاجون إلى دخل يعوضهم عن أيام التدريب والسفر والمباريات؟هنا يظهر جول ريميه بوصفه شخصية مركزية.
لم يكن ريميه مجرد إداري فرنسي يطارد حلم تنظيم بطولة جديدة.
بل كان يحمل تصورًا أخلاقيًا واجتماعيًا عن الرياضة، متأثرًا بخلفيته الكاثوليكية الاجتماعية وبفكرة أن الرياضة يمكن أن تفتح المجال أمام طبقات أوسع للترقي ودخول المجال العام.
لذلك عارض التصور الأرستقراطي الذي يعتبر كرة القدم هواية لميسوري الحال، ورأى فيه حاجزًا طبقيًا يقدّم نقاءً أخلاقيًا مزعومًا بينما يستبعد من لا يملكون رفاهية اللعب بلا أجر.
ومع ذلك، فإن المفارقة التي يلمح إليها ويلسون بوضوح هي أن المثالية لم تكن وحدها التي صنعت كأس العالم.
لقد احتاج الفيفا إلى بطولة مستقلة لأنه احتاج إلى سلطة مستقلة.
احتاج إلى حدث يقول للعالم إن مركز كرة القدم الدولية لم يعد اللجنة الأولمبية، ولا الاتحادات البريطانية، ولا سلسلة من المباريات الودية، بل الاتحاد الدولي نفسه.
الأولمبياد: المختبر المبكركانت كرة القدم في الألعاب الأولمبية مختبرًا مبكرًا لعالمية كرة القدم، لكنها كشفت أيضًا حدود النظام القديم.
في 1920، ظهرت الفوضى التنظيمية والاحتكاكات القومية بوضوح.
وبعد الحرب العالمية الأولى، لم تعد الرياضة بريئة من السياسة؛ كان الملعب ميدانًا جديدًا للكرامة الوطنية وشرف الأمة.
ثم جاءت أوروغواي وغزت أوروبا كرويًا في الألعاب الأولمبية عام 1924 وفازت بالذهب، وحدث الانقلاب.
لم تعد كرة القدم العالمية حوارًا أوروبيًا داخليًا.
جاء فريق صغير من دولة بعيدة، لا يعرفها كثيرون في أوروبا إلا بصعوبة، ليفوز بذهبية أولمبياد باريس في كرة القدم، وبطريقة لعب أدهشت المراقبين: تمريرات قصيرة، تناغم جماعي، مهارة فردية، تنظيم دقة، ثقة عالية.
لم تكن أوروغواي مجرد فريق ناجح؛ كانت دليلًا على أن اللعبة التي صدّرتها أوروبا يمكن أن تعود إليها أكثر تطورًا من مكان آخر.
كرر الأوروغويانيون الإنجاز في أولمبياد أمستردام 1928، وهذه المرة لم يعد الأمر مفاجأة بل دليلًا على أن الكرة أصبحت ظاهرة دولية.
وبسببها ارتفع الطلب على مشاهدة المباريات الأولمبية وبلغ أرقامًا هائلة، والصحف والجماهير تابعت النتائج كما تتابع مصيرًا وطنيًا.
كان واضحًا أن كرة القدم لم تعد تقبل بأن تكون ملحقًا بالألعاب الأولمبية.
زاد دخول وانتشار الاحتراف الأزمة عمقًا.
إنجلترا عرفت الاحتراف منذ القرن التاسع عشر، ومع منتصف عشرينيات القرن العشرين كانت دول مثل النمسا والمجر وإيطاليا والولايات المتحدة تدفع للاعبيها.
هذا جعل كثيرًا من أفضل اللاعبين خارج الإطار الأولمبي، لأن الأولمبياد ظلّت مرتبطة بفكرة الهواية.
وهكذا بدت المفارقة صارخة: المسابقة التي يفترض أن تمثل أفضل كرة قدم في العالم لا تستطيع قانونيًا أو أخلاقيًا استيعاب كثير من أفضل لاعبي العالم.
في مؤتمر الفيفا بأمستردام عام 1928، نضج القرار بوجوب إنشاء بطولة عالمية لكرة القدم، تابعة للاتحاد الدولي، ومستقلة عن الإطار الأولمبي.
لم تكن تلك لحظة ولادة فكرة فحسب، بل لحظة إعلان أن اللعبة بدأت بناء عالمها الخاص.
أوروغواي: البحث عن مكان على الخريطةاختيار أوروغواي لاستضافة النسخة الأولى لم يكن تفصيلًا إداريًا.
كان اختيارًا محمّلًا بالرمزية والسياسة.
فمن الناحية الكروية، كانت أوروغواي بطلة الأولمبياد مرتين، أي أنها، بمنطق ذلك الزمن، بطلة العالم الفعلية.
ومن الناحية السياسية، كان عام 1930 يوافق مئوية استقلالها.
ومن الناحية الدبلوماسية، كانت الدولة الصغيرة ترى في كرة القدم فرصة نادرة لإعلان حضورها أمام عالم اعتاد اختصار أمريكا الجنوبية في جيرانها الأكبر والأثقل وزنًا.
في الكواليس السياسية، كانت أوروغواي تبني سردية خاصة عن نفسها؛ البلد الصغير، الذي يجري عملية تحديث ضخمة، ويسعى إلى تقديم ذاته بوصفه تجربة استثنائية في القارة.
صحيح أن كرة القدم دخلت البلاد عبر البريطانيين، مثلما حدث في مناطق كثيرة، لكنها لم تبق لعبة أجنبية.
تحولت، مع الزمن، إلى مساحة اجتماعية وسياسية محلية، مكان تلتقي فيه الطبقات، وتُعاد فيه صياغة معاني الرجولة والانضباط وكذلك الأمة والحداثة، وتجد فيه الدولة وسيلة لتحسين صورتها وإذاعة صيتها.
ذهبيتا 1924 و1928 منحتا أوروغواي ما هو أكثر من مجد رياضي، لقد منحتاها الاعتراف الدولي.
فجأة، صار اسم البلد الصغير يُكتب في كل صحف أوروبا وينطق في أشهر إذاعاتها.
حين تقدمت أوروغواي لاستضافة البطولة، لم تكن تفعل ذلك من موقع الحماسة الكروية وحدها.
بل كانت تعلن أنها ليست هامشًا بل أمة قادرة على تنظيم أكبر حدث كروي.
وقد ساعد عرضها بتحمل تكاليف سفر المنتخبات على حسم المسألة، لا سيما أن الرحلة إلى العاصمة مونتيفيديو كانت مكلفة وطويلة ومقلقة للاتحادات الأوروبية.
ومع ذلك، بقيت البطولة الأولى ناقصة أمام حجم الطموح والآمال.
كثير من المنتخبات الأوروبية لم تحضر.
بعضهم افتقر إلى المال، وبعضهم لم يرد تعطيل مسابقاته، وبعضهم رأى الرحلة بعيدة وغير مضمونة.
غابت إنجلترا، إيطاليا، وألمانيا، ولا كثير من القوى التي ستصبح لاحقًا من أعمدة المونديال.
وصلت فرنسا وبلجيكا ورومانيا ويوغوسلافيا من أوروبا، وانضمت إليها منتخبات من الأمريكتين.
هكذا بدأت أعظم بطولة في تاريخ كرة القدم بـ 13 منتخبًا فقط، وبحضور عالمي ناقص، لكن بمعنى تاريخي هائل.
الرحلة إلى مونتيفيديو: المونديال مغامرة بحريةمن أجمل ما يورده ويلسون عن البطولة الأولى قصة السفينة كونتي فيردي.
على متنها عبرت فرنسا وبلجيكا ورومانيا، ومعهم حكام ومسؤولون وجول ريميه نفسه، المحيط نحو أوروغواي.
لم تكن الرحلة تشبه سفر المنتخبات الحديثة في طائرات خاصة، بين معسكرات مغلقة ومؤتمرات صحفية معدة بعناية.
كانت أقرب إلى معسكر عائم، فيه تدريبات على سطح السفينة، وتمارين في الداخل، ودوار بحر، وموسيقى، وضحك، وشعور غامض بأنهم ذاهبون إلى شيء جديد دون أن يعرفوا حجمه.
لوسيان لوران، مهاجم فرنسا، لم يكن يدرك وهو على السفينة أنه سيصبح صاحب أول هدف في تاريخ كأس العالم.
كان لاعبًا يعمل في مصنع شركة" بيجو"، مثل غيره من لاعبي نادي سوشو، وكانت الرحلة بالنسبة إليه خروجًا من رتابة الحياة اليومية إلى مغامرة بعيدة.
هذه التفاصيل الصغيرة مهمة لأنها تضعنا أمام الفارق بين الوعي اللاحق واللحظة الأصلية.
نحن نعرف الآن أنهم كانوا يؤسسون المونديال.
هم، في الغالب، لم يعرفوا ذلك.
كانوا شبابًا يسافرون، يلعبون، يختبرون العالم ويتذوقون مغامراته.
وهنا تكمن قوة البداية، التاريخ لا يولد معلنًا عن نفسه دائمًا.
أحيانًا يأتي في صورة سفينة، ولاعبين يتدربون على سطحها كي لا يزعجوا الركاب، ورئيس اتحاد دولي يأمل أن تنجح فكرته رغم خيبة غياب معظم منتخبات أوروبا.
مونتيفيديو 1930: مدينة حديثة وملعب لم يكتملكانت مونتيفيديو في ذلك الوقت مدينة نابضة، تسعى إلى تقديم نفسها كعاصمة حديثة.
صُمم ملصق البطولة بروح فنية حداثية، وبُني ملعب سنتيناريو ليكون أكثر من منشأة رياضية، نصبًا وطنيًا بمناسبة مئوية الاستقلال، وتجسيدًا لطموح الدولة.
كان تصميمه، بمدرجاته الخرسانية وبرجه الشاهق، إعلانًا عن بلد يريد أن يربط الرياضة بالحداثة كيفما يراها.
لكن الواقع، كما يحدث كثيرًا في تاريخ كأس العالم، كان أقل انتظامًا من الطموح.
الأزمة الاقتصادية العالمية ضغطت الميزانية، والأمطار عطلت البناء، ولم يكن سنتيناريو جاهزًا لبداية البطولة.
لذلك جرت مباراتا الافتتاح في ملعبين آخرين: باركي سنترال وبوسيتوس.
هكذا بدأت كأس العالم، لا في الملعب الذي أُريد له أن يكون واجهة المشروع، بل في ملاعب أصغر، وسط شتاء جنوبي، وبحضور جماهيري محدود قياسًا بما ستعرفه البطولة لاحقًا.
أول مباراة: الفكرة تخرج من القاعة إلى العشبفي 13 يوليو/تموز 1930، بدأت منافسات كأس العالم فعليًا.
أُقيمت مباراتان في اليوم نفسه، فرنسا ضد المكسيك في ملعب بوسيتوس، والولايات المتحدة ضد بلجيكا في ملعب باركي سنترال.
كان ملعب بوسيتوس صغيرًا، بعيدًا عن ضخامة الملاعب التي ستصبح لاحقًا جزءًا من صورة المونديال.
لم يكن هناك جمهور هادر بمئات الآلاف، ولا بث عالمي، ولا احتفال افتتاحي مصمم بعناية.
كانت هناك مدرجات متواضعة، لاعبون قادمون من رحلة طويلة، وطقس شتوي، وشعور بأن العالم الكروي يحاول أن يبدأ شيئًا لا يعرف بعد إن كان سينجح أم لا.
بدأت فرنسا المباراة أمام المكسيك وهي تحمل، بوعي أو بغير وعي، شيئًا من رمزية جول ريميه رئيس الفيفا فرنسيّ الجنسية، أما المكسيك فكانت تمثل وجهًا آخر من وجوه العالمية الناشئة: منتخبًا من خارج أوروبا، من فضاء كروي يتشكل بدوره في ظل انتقال اللعبة عبر البحار والهجرات والتأثيرات البريطانية.
بعد تسع عشرة دقيقة تقريبًا، جاءت اللحظة التأسيسية.
لعب الحارس الفرنسي أليكس تيبو كرة طويلة، وصلت في تسلسل سريع إلى أوغستان شانترال، ثم إلى إرنست ليبيراتي، الذي أرسل العرضية.
في منطقة الجزاء كان لوسيان لوران حاضرًا، قابل الكرة بتسديدة محكمة، فسكنت الشباك.
لم يكن الهدف جميلًا فقط لأنه الأول، بل لأنه حوّل الفكرة إلى واقع.
من اللافت أن أول هدف في تاريخ المونديال لم يسجله نجم أسطوري بالمعنى اللاحق، ولا لاعب قادم من إمبراطورية كروية كبرى، بل عامل فرنسي شاب يلعب كرة القدم في زمن لم تكن فيه الحدود بين العمل واللعب والاحتراف واضحة كما ستصبح لاحقا.
المباراة نفسها حملت من ملامح البدايات ما يكفي.
أصيب الحارس الفرنسي تيبو في الرأس، ولم تكن التبديلات كما نعرفها اليوم، فاضطر شانترال، لاعب الوسط، إلى الوقوف في المرمى لفترة طويلة.
ومع ذلك، فازت فرنسا 4-1.
سجلت المكسيك هدفها عبر خوان كارينيو، لكن المباراة بقيت في الذاكرة لأنها افتتحت دفتر الأهداف، لا لأنها كانت عرضًا فنيًا مكتملًا.
حتى الصحافة المحلية لم تتعامل معها كمعجزة.
بعض الانطباعات في أوروغواي كانت فاترة، بل ناقدة لمستوى اللعب.
وهذا تفصيل شديد الأهمية، أول مباراة في تاريخ أكبر بطولة رياضية لم تُستقبل بالضرورة كحدث مقدس.
لم يكن أحد يعرف أن ما يشاهده سيغدو لاحقًا أصلًا لكل الأساطير.
من منظور أوروغواي، التي رأت في منتخبها نموذجًا للتمرير القصير والمهارة الجماعية، لم تكن فرنسا والمكسيك تقدمان أجمل كرة قدم.
في الوقت نفسه، فازت الولايات المتحدة على بلجيكا 3-0 في ملعب باركي سنترال.
وهكذا، منذ اليوم الأول، ظهرت كأس العالم كما ستبقى طويلًا، مباريات متزامنة، قراءات متضاربة، جماهير متفاوتة الأمزجة والآراء، وصراع ضمني بين من يرى في كرة القدم جمالًا ومن يبحث عن النتيجة أولًا وأخيرًا.
غير أن المعنى الأكبر كان قد تحقق.
لم تعد عالمية كرة القدم فكرة مؤجلة.
صار لها ملعب، ونتيجة، وهدف أول، وجدول، وذاكرة تبدأ من أسماء ربما لم تكن تدرك أنها ستدخل التاريخ.
لم تكن النسخة الأولى منظمة بإحكام.
جدول المباريات كان غريبًا أحيانًا، الملاعب لم تكتمل في موعدها، التحكيم أثار جدلًا، بعض التفاصيل التنظيمية بدت أقرب إلى الهواية، وأعداد الجماهير تفاوتت بشدة.
لكن هذه الهشاشة لا ينبغي أن تخدعنا.
فخلفها كان يحدث تحول عميق إذ اختبر الفيفا قدرته على تنظيم بطولة عالمية، وأوروغواي استخدمت كرة القدم لتأكيد مكانتها وبناء هويتها الوطنية بعد سنوات الدم والانقسام.
كان واضحًا، منذ البداية، أن كأس العالم ستجذب الساسة والسياسة.
لم يكن ذلك الحضور السياسي انحرافًا عن نقاء أصلي؛ بل كان حاضرًا في التأسيس نفسه.
حضور الرئيس الأوروغواياني، ربط البطولة بمئوية الاستقلال، استخدام الملعب كرمز لدولة تحت التحديث، التعامل مع الفوز بوصفه دليلًا على قيمة وطنية؛ كل ذلك يكشف أن المونديال وُلد داخل السياسة لا خارجه.
البطولة لم تكن فقط قصة الأب الروحي للفكرة جول ريميه وحلم الأخوة بين الشعوب.
بل كانت قصة دول تبحث عن الاعتراف والتميز، وأنظمة تريد استثمار الجماهير، واتحاد دولي يفهم أن الشعبية مصدر قوة.
ما هو شعبي يصبح قويًا، وما هو قوي يستدعي السياسة.
هذه ليست جملة عن كأس العالم في صورته المعاصرة، بل عن كأس العالم منذ يومه الأول.
من حلم ريميه إلى مؤسسة القوةأراد ريميه أن تكون البطولة جسرًا بين الأمم.
لكن كرة القدم، لطبيعتها الجماهيرية، لم يكن من الممكن أن تبقى طويلًا في عالم البراءة.
فكلما كبر الحدث، كبرت حوله المصالح.
وبعد أربع سنوات فقط، ستستضيف إيطاليا الفاشية نسخة 1934 وتحولها إلى عرض سياسي لاستعراض القوة والنظام والرجولة، والقومية.
وما حدث لاحقًا في تاريخ المونديال، من جنرالات الأرجنتين في 1978 إلى دونالد ترامب في عام 2026 لم يكن خيانة لمبادئ كأس العالم، بل امتدادًا لما هو قائم منذ النسخة الأولى.
فقط اختلفت الطرق والأسماء.
ومع ذلك، لا يمكن اختزال البطولة في الاستغلال السياسي.
قوتها تأتي من هذا التوتر تحديدًا، فهي منافسة كروية حقيقية ومسرح سياسي في نفس الوقت.
اللاعبون يريدون الفوز، الجماهير تريد الذاكرة، الدول تريد الصورة، والاتحاد الدولي يريد السلطة.
لذلك يستطيع المونديال أن يكون في اللحظة نفسها هدف لوسيان لوران البسيط في بوسيتوس، وحسابات دبلوماسية بين أوروبا وأمريكا الجنوبية، ومشروعًا وطنيًا لأوروغواي، وخطوة إستراتيجية للفيفا.
من الصعب، ونحن ننظر اليوم إلى كأس العالم بوصفها حدثًا يتابعه مليارات البشر، أن نتخيل هشاشة بدايته.
لكن تلك الهشاشة هي ما يجعل القصة أكثر إثارة.
لم تبدأ البطولة إمبراطورية مكتملة، بل مغامرة محفوفة بالشك والمخاطر.
كانت أول ركلة في مونتيفيديو أكثر من بداية بطولة.
كانت انتقال كرة القدم من زمن التبعثر والعشوائية إلى زمن المؤسسية، من زمن المباراة إلى زمن الحدث العالمي، من لعبة شعبية إلى قوة ثقافية وسياسية.
ولهذا تبدو ولادة كأس العالم، كما يقرأها ويلسون، لحظة مؤسسة لا في تاريخ الرياضة وحدها، بل في تاريخ القرن العشرين أيضًا: قرن الجماهير، والدولة الوطنية، والدعاية، والإعلام، والهوية، والبحث المحموم عن المجد.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك