هرر: مع حلول الظلام في مدينة هرر التاريخية شرقي إثيوبيا، يبدأ مشهد يصعب العثور على ما يشبهه في أي مكان آخر من العالم يجمع الإنسان بالحيوانات المفترسة، وسط دهشة السياح.
فخارج أسوار المدينة العتيقة، يتجمع رجال يعرفون محليًا باسم “رجال الضباع”، بينما تخرج الضباع البرية من مخابئها استجابة لنداءات مألوفة، لتقترب من البشر وتشاركهم طقسًا يوميًا توارثته الأجيال منذ قرون.
ويُعد هذا التقليد واحدًا من أكثر المظاهر الثقافية والبيئية فرادة في إفريقيا، إذ يعكس علاقة استثنائية نشأت بين الإنسان والحيوان المفترس في مدينة هرر، التي تُعرف بأنها إحدى أهم المدن التاريخية والدينية في إثيوبيا.
وتقع هرر في شرق البلاد، وتُعد من المدن المدرجة على قائمة التراث العالمي لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، بفضل تاريخها العريق وأسوارها الشهيرة المعروفة باسم “جوغول”، التي تحيط بالمدينة القديمة وتضم عشرات المساجد والمباني التاريخية التي تعود إلى قرون مضت.
من مواجهة الخطر إلى التعايشتعود جذور هذه العلاقة الفريدة إلى أزمنة بعيدة، حين كانت الضباع تعاني من نقص الغذاء في المناطق الجبلية المحيطة بالمدينة، ما دفعها إلى الاقتراب من التجمعات السكانية ومهاجمة الماشية والحيوانات المنزلية.
ولمواجهة هذه المشكلة، لجأ سكان هرر إلى أسلوب مختلف عن الصيد أو الإبادة، إذ بدأوا بوضع بقايا الطعام واللحوم خارج أسوار المدينة لإبعاد الضباع عن الأحياء السكنية.
ومع مرور الوقت، اعتادت الحيوانات على هذا النمط الجديد من التعامل، وتراجعت هجماتها على السكان ومواشيهم، لتنشأ تدريجيًا علاقة قائمة على التعايش والثقة المتبادلة.
ويقول سكان المدينة إن الضباع أصبحت جزءًا من النظام البيئي المحلي، حيث تساهم في التخلص من بقايا الطعام والنفايات العضوية، الأمر الذي يساعد في الحفاظ على نظافة المناطق المحيطة بالمدينة ويحد من انتشار بعض الآفات.
“رجال الضباع” حراس تقليد قديمومع تحول التعايش إلى جزء من الحياة اليومية، ظهرت فئة من السكان عُرفت باسم “رجال الضباع”، وهم أشخاص توارثوا مهمة إطعام الحيوانات جيلاً بعد جيل.
وفي كل ليلة تقريبًا، يتوجه هؤلاء إلى مناطق محددة خارج الأسوار، حاملين قطعًا من اللحم يضعونها على أعواد خشبية أو يثبتونها بطريقة خاصة، قبل أن ينادوا الضباع بأسماء اعتادت سماعها.
وتقترب الحيوانات تباعًا من الرجال الذين يطعمونها وسط أجواء تثير دهشة الزوار والسياح، خصوصًا أن بعض الضباع تتناول الطعام مباشرة من الأعواد التي يمسكها الرجال بأفواههم، في مشهد أصبح أحد أشهر رموز المدينة.
كما يُتاح للزوار في كثير من الأحيان المشاركة في هذه التجربة الفريدة تحت إشراف مختصين، ما جعلها من أبرز عوامل الجذب السياحي في هرر.
أسطورة شعبية تفسر العلاقةويروي سكان المدينة عددًا من القصص والأساطير التي تفسر بداية هذا التقليد.
ومن بين هذه الروايات ما نقله زينيرا عبد الباسط، أحد سكان المنطقة، الذي تحدث عن قصة متوارثة تقول إن ضبعًا صغيرًا دخل في الماضي إلى إحدى المزارع وافترس ماعزًا، فقام أحد المزارعين بقتله.
وبحسب الرواية الشعبية، بدأت الضباع بعد ذلك بمهاجمة المدينة انتقامًا لمقتل صغيرها، الأمر الذي دفع السكان إلى البحث عن شخص قادر على “التحدث بلغة الضباع” والتفاوض معها.
وتقول الأسطورة إن اتفاقًا جرى بين الطرفين يقضي بألا تؤذي الضباع سكان المدينة مقابل أن يوفر لها الناس الطعام كل ليلة.
ورغم أن هذه القصة تنتمي إلى الموروث الشعبي أكثر من التاريخ الموثق، فإنها ما تزال جزءًا مهمًا من الذاكرة الجماعية لسكان هرر وتعكس الطريقة التي ينظرون بها إلى علاقتهم بالحيوانات.
ولا تقتصر العلاقة بين سكان هرر والضباع على الإطعام الليلي فقط، إذ يحرص الأهالي أيضًا على إعداد وجبة خاصة لهذه الحيوانات خلال مناسبة عاشوراء، في تقليد يعكس المكانة الرمزية التي اكتسبتها داخل الثقافة المحلية.
كما أن الضباع ما تزال تدخل المدينة وتغادرها عبر فتحات صغيرة خُصصت لها في أجزاء من السور التاريخي، وهي فتحات يمكن مشاهدتها حتى اليوم في أكثر من موقع.
وبفضل هذا التقليد الفريد، أصبحت هرر واحدة من أكثر الوجهات تميزًا لعشاق الثقافة والطبيعة حول العالم، حيث يلتقي التاريخ بالأسطورة، ويتحول أحد أكثر الحيوانات إثارة للخوف في المخيلة البشرية إلى رمز للتعايش والتفاهم بين الإنسان والطبيعة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك