قناة الغد - إعلان الطوارئ في لوس أنجلوس بسبب حريق مستودع في حي تاريخي Independent عربية - رحلة الإيراني من الوطن وإليه. روسيا اليوم - نتنياهو يتعهد بإعادة الأمن للشمال عقب مقتل 4 جنود إسرائيليين في جنوب لبنان قناة التليفزيون العربي - تونس تودع المونديال بعد رباعية اليابان قناة الغد - «الفارس الشهم 3».. الإمارات تدعم غزة بـ786 طنا من المواد الغذائية وكالة شينخوا الصينية - الوزيرة الاتحادية للشؤون الأوروبية والدولية النمساوية تزور الصين إيلاف - تناول خليط من المكملات الغذائية يومياً قد يسبب لك ضرراً أكثر مما ينفعك القدس العربي - مناورات عسكرية إسرائيلية تزامنا مع العدوان على لبنان ومفاوضات سويسرا قناة الغد - 9 شهداء و41 مصاباً في غزة خلال 24 ساعة روسيا اليوم - لاعب رئيسي مستقبلي جديد بين مورّدي الطاقة بعد أزمة هرمز
عامة

صادق بن حسن اللواتي يكتب: ثقافة الكراهية في ميزان كربلاء

الشبيبة
الشبيبة منذ 1 ساعة

لم تكن النهضة الحسينية انتفاضةً عابرةً في مواجهة سلطةٍ جائرة، ولا حدثًا تاريخيًا محدودًا بزمانه ومكانه، بل كانت مشروعًا إصلاحيًا متكاملًا يهدف إلى بناء الإنسان وصناعة الوعي وترسيخ القيم التي تحفظ للمج...

لم تكن النهضة الحسينية انتفاضةً عابرةً في مواجهة سلطةٍ جائرة، ولا حدثًا تاريخيًا محدودًا بزمانه ومكانه، بل كانت مشروعًا إصلاحيًا متكاملًا يهدف إلى بناء الإنسان وصناعة الوعي وترسيخ القيم التي تحفظ للمجتمع توازنه واستقراره.

فقد أدرك الإمام الحسين عليه السلام أن الأزمات الكبرى التي تعصف بالأمم لا تنشأ من ظلم الحكام وحده، بل من وجود بيئة فكرية وأخلاقية تسمح للظلم بأن يتحول إلى واقعٍ مقبول، وتُضعف قدرة الناس على التمييز بين الحق والباطل.

ومن أخطر ما تنتجه هذه البيئة ثقافة الكراهية التي تُعطّل العقل، وتُغيب البصيرة، وتُحوّل الاختلاف الطبيعي بين الناس إلى حالةٍ من العداء والصراع الدائم.

إن الكراهية ليست مجرد شعورٍ عابر، بل هي منظومة فكرية ونفسية واجتماعية تُبنى عبر التراكم والتوجيه والتحريض.

فعندما يُربّى الإنسان على النظر إلى الآخرين بوصفهم خصومًا لا شركاء في الإنسانية، وعندما يُصوَّر الاختلاف الفكري أو المذهبي أو السياسي على أنه تهديد وجودي، تتحول المجتمعات إلى بيئات خصبة للانقسام والعنف والتنازع.

وفي مثل هذه الأجواء سيفقد الإنسان حتما قدرته على التفكير الموضوعي، ويصبح أكثر استعدادًا لتصديق الشائعات، وتبني الأحكام المسبقة، والانجرار وراء دعايات التحريض والكراهية.

وقد شهد العالم المعاصر نماذج عديدة تؤكد خطورة هذه الثقافة؛ فكم من صراعاتٍ وحروبٍ أهلية بدأت بخطابٍ إعلامي يقوم على شيطنة الآخر وتجريده من إنسانيته، وكم من مجتمعاتٍ فقدت استقرارها بسبب حملات التحريض التي غذّت العصبيات وأشعلت الفتن بين أبناء الوطن الواحد.

واليوم، ومع اتساع فضاء التواصل الاجتماعي، أصبحت الكراهية منتشر بسرعة غير مسبوقة عبر الشائعات، والمقاطع المجتزأة، والجيوش الإلكترونية التي تعمل على صناعة الانقسام وتأجيج الخصومات لتحقيق أهداف سياسية أو فكرية أو مصلحية ضيقة.

ومن هنا نفهم جانبًا مهمًا من أبعاد النهضة الحسينية.

فقد واجه الإمام الحسين عليه السلام واقعًا لم يكن الخلل فيه سياسيًا فقط، بل كان خللًا في الوعي الجمعي الذي سمح للباطل بأن يتلبس ثوب الحق، وللظالم أن يُقدَّم بوصفه حاميًا للدين والمجتمع.

ولذلك لم يقتصر مشروعه على الاعتراض السياسي، بل انطلق في الأساس من مهمة التوعية وكشف الحقائق وإحياء الضمير الإنساني.

ولهذا نجد أن خطابه كان خطابًا عقلانيًا أخلاقيًا يقوم على إقامة الحجة وإيقاظ الوعي، لا على إثارة الأحقاد أو تأجيج مشاعر الانتقام.

لقد حرص الإمام الحسين عليه السلام في مختلف مراحل نهضته على مخاطبة العقول والقلوب معًا، فكان يدعو الناس إلى التأمل في مواقفهم، ومراجعة ضمائرهم، وعدم الانسياق وراء الدعاية والتضليل.

ولم يكن هدفه الانتصار على خصومه بقدر ما كان هدفه إنقاذ الإنسان من الوقوع في مستنقع الانحراف الأخلاقي والفكري.

ولذلك بقيت كلماته ومواقفه شاهدةً على أن الإصلاح الحقيقي يبدأ من تحرير الإنسان من الخوف والتعصب والكراهية قبل أي شيء آخر.

وتتجلى عظمة هذا المنهج في أن الإمام الحسين عليه السلام لم يتعامل مع خصومه بمنطق الإلغاء أو التجريد من الإنسانية.

فعلى الرغم من كل ما تعرض له من حصارٍ وضغوط وتهديدات، ظل محافظًا على أخلاقه ومبادئه، مؤكدًا أن الصراع مع الظلم لا يعني التخلي عن القيم الإنسانية.

لقد كان الفرق واضحًا بين موقفٍ يسعى إلى نصرة الحق والعدل، وموقفٍ يقوم على الحقد والكراهية.

ومن هنا أصبحت كربلاء درسًا خالدًا في كيفية الفصل بين مقاومة الظلم وبين السقوط في دائرة الانتقام الأعمى.

وفي واقعنا المعاصر تبدو هذه الرسالة أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى، إذ يشهد العالم اليوم انتشارًا واسعًا لخطابات الكراهية في مختلف المجالات، ولا سيما عبر وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تُنشر حملات التشهير والتحريض وإثارة الانقسامات المذهبية والفكرية، وتتحول الكلمة أحيانًا إلى أداة لهدم العلاقات الاجتماعية بدل بنائها.

وفي هذا الفضاء الرقمي المتسارع تُستخدم الصور المجتزأة والمعلومات المضللة والخطابات العاطفية لإشعال الانفعالات وتأجيج الخصومات بين أبناء المجتمع الواحد، حتى يغدو الاختلاف سببًا للصراع بدل أن يكون مساحةً للتنوع والتكامل.

وفي مقابل هذا الواقع تقدّم كربلاء نموذجًا أخلاقيًا رفيعًا في إدارة الاختلاف ومواجهة الانحراف من دون الوقوع في فخ الكراهية.

فهي تعلمنا أن الدفاع عن المبادئ لا يحتاج إلى خطابٍ عدائي، بل إلى وضوح رؤية وقوة حجة ونقاء مقصد، وأن الحوار يبقى وسيلةً أساسيةً لفهم الآخر والتعايش معه، وأن الكرامة الإنسانية قيمة لا يجوز المساس بها مهما اشتدت الخلافات.

إن من أهم الدروس المستفادة من النهضة الحسينية أن الوعي هو السلاح الأول في مواجهة الكراهية؛ فكلما ازداد الإنسان وعيًا قلّ تأثره بالدعاية المضللة، وازدادت قدرته على التمييز بين الحقيقة والزيف، وبين النقد الموضوعي والتحريض الممنهج.

والوعي هنا ليس معرفةً سطحية، بل قدرة على التفكير النقدي وبناء الموقف على أساسٍ من الفهم والبصيرة، امتثالًا لقوله تعالى في سورة الحجرات ٱية 6: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾.

كما تؤكد كربلاء أن بناء المجتمعات لا يقوم على القوانين وحدها، بل على منظومة أخلاقية تعزز الاحترام المتبادل والتسامح والرحمة، وتغرس في الإنسان الشعور بالمسؤولية تجاه الآخرين.

فالمجتمع الذي يفقد أخلاقه يفقد تماسكه، حتى لو امتلك أقوى الأنظمة وأعظم الإمكانات.

إن العالم اليوم بأمسّ الحاجة إلى استلهام هذه الرسالة الحسينية العميقة؛ لأن معركة العصر لم تعد فقط معركة سلاح أو سياسة، بل أصبحت معركة وعي وقيم.

وفي هذه المعركة تبقى كربلاء مدرسةً خالدةً تعلم الإنسان كيف يقف في وجه الظلم من دون أن يتحول إلى ظالم، وكيف يرفض الكراهية من دون أن يفقد إنسانيته، وكيف يصنع من الاختلاف طريقًا للبناء لا للهدم.

لقد أثبتت النهضة الحسينية أن الإصلاح الحقيقي لا يتحقق بالقوة وحدها، بل ببناء الإنسان الحر الواعي القادر على مقاومة الظلم والانحراف والكراهية معًا.

ولهذا بقيت كربلاء منارةً خالدةً تهدي الأجيال إلى قيم العدالة والكرامة والرحمة والوحدة، وتؤكد أن المجتمعات القوية ليست تلك التي تنتصر على خصومها فحسب، بل تلك التي تنتصر على أسباب الفرقة والكراهية داخلها، وتبني مستقبلها على أساس الوعي والمحبة والتعاون والاحترام المتبادل.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك