عندما أعلنت القيادة الإيرانية عن موعد الرابع من يوليو/تموز القادم لبدء مراسم تشييع المرشد الراحل آية الله خامنئي، فإنها قطعا كانت تدرك أن الأوضاع الداخلية في هذا التاريخ ستكون ملائمة أمنيا لهذا الحدث الهام، بل ومحصنة لظهور المرشد الجديد مجتبى نجل المرشد الراحل وخليفته الذي لا بد أن يكون على رأس مشيعي والده وإماما لصلاة الجنازة عليه.
ولا شك أن القيادة الإيرانية الجديدة، قد أعلنت هذا التاريخ بعد أن تيقنت أن الحرب مع الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل قد وضعت أوزارها نهائيا من ناحية، وأن الوضع الصحي للمرشد الجديد سيسمح له بالظهور أمام شعبه من ناحية أخرى، وما كان يمكن لمثل هذا الإعلان أن يصدر إلا بعد أن يكون لدى النظام الإيراني تأكيدات موثوقة من الوسطاء بأن موافقتها على نصوص مذكرة التفاهم سيقابلها التزام أمريكي تام بوقف الحرب ومنع إسرائيل من أي مغامرة عسكرية جديدة ضد إيران.
وهذا ما تم بالفعل، حيث ستحرص القيادة الإيرانية أن يكون تشييع المرشد الراحل مناسبة لتأكيد ثباتها وانتصارها والتفاف الإيرانيين حولها، فليس هناك أفضل من هذه المراسم الجنائزية لاستدرار عواطف الشعب الإيراني وإعطائه جرعات معنوية كبيرة، ووعودا بفتح صفحة جديدة تتسم بتحسين الأوضاع المعيشية والاقتصادية، خاصة مع تسويق المادة السادسة من مذكرة التفاهم التي تعد بصندوق استثماري بقيمة 300 مليار دولار لإعادة الإعمار.
مع نشر النص النهائي والموثوق من مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية وقراءتها بتمعن، يمكن الاستنتاج ببساطة أن الولايات المتحدة الأمريكية لم تحقق من خلالها ذلك الانتصار المبهر الذي ظل الرئيس ترمب يروج له طوال الشهور الماضية، ولا تلك النتائج المنشودة من حرب الأربعين يوما، ومن مفاوضات الشهرين، فنصوص مذكرة التفاهم أعطت إيران الكثير، ولم تأخذ منها سوى التزامات بعضها كان معلنا من قبل مثل فتوى تحريم صناعة السلاح النووي.
أما بالنسبة لإيران المجروحة والموجوعة، فهي قطعا لم تنتصر لكنها في نفس الوقت لم تستسلم، وبالنسبة لنظام عقائدي ما زال يحافظ على مبادئه السياسية والتزاماته الثورية، فإن ما واجهه من الدمار الهائل لمنشآته الحيوية والعسكرية والأمنية لا يعني له الكثير، ما دام النظام بأجنحته المختلفة صامدا ومتماسكا، واستطاع أن يعوض سريعا المواقع الشاغرة لقياداته التي قضت نحبها في القصف المتواصل.
وعلى ذلك فإن أولويات النظام خلال الفترة القادمة وبالذات فترة شهري التفاوض، التي سيتم تمديدها قطعا، ستركز على إعادة ترميم منشآتها العسكرية، وتعويض أسلحتها، وخاصة الباليستية، والاستعداد لأي معركة محتملة حتى وإن كانت احتمالاتها مستبعدة.
فلا إيران ولا الولايات المتحدة تريدان فشل المفاوضات القادمة، كما أنهما لن تكونا مستعجلتين على إنجازها في الموعد المحدد، فالواضح أنهما لا يرغبان بالعودة للحرب ولا تريدان في الوقت ذاته سلق اتفاق قد يبدو نصرا للطرف الآخر.
تناول الكثيرون بالنقد والتحليل مذكرة التفاهم هذه التي تكاد ترقى إلى مستوى اتفاق بما تضمنته من بنود تفصيلية وهامة ومفصلية، وتضع لبنات واضحة وأساسية لشكل الاتفاق المطلوب التوصل إليه خلال الشهرين القادمين، وربما الشهور القادمة، إذ لم يعد الرئيس ترمب قلقا من أي انعكاسات سلبية للأزمة مع إيران على الانتخابات النصفية.
فالرجل يجيد تسويق بضاعته حتى لو كانت منتجا سيئا، وسيقدم مذكرة التفاهم لناخبيه وناخبي حزبه كانتصار عريض وإنجاز كبير، خاصة إذا تراجعت أسعار النفط والتضخم الاقتصادي، وانخفض مستوى الغلاء باعتبار تلك القضايا هي محور اهتمام المواطن الأمريكي الذي تعنيه شؤونه المعيشية اليومية، أكثر مما تعنيه صراعات بلاده في الخارج.
وفي كل الأحوال فالمذكرة أعطت إيران الكثير وأخذت منها القليل، ولم يعد في مقدور الرئيس الأمريكي عمل شيء أكثر مما قد قام به في حرب الأربعين يوما، ويشعر بالارتياح لخروجه بما يحفظ ماء الوجه.
بينما كان الكثير من المراقبين ينتظرون أو يتوقعون نصوصا، صراحة أو تلميحا، تعالج موضوعي الصواريخ الباليستية والأذرع في المنطقة‘ إذ بالمذكرة تتجاهل الأول وتعترف بالثاني، أو على الأقل تتعامل معه كأمر واقعوبالنسبة لإيران فلا شك أنها تدرك أنها أمام فرصة تاريخية قد لا تتكرر تمنحها الكثير إن تحلت بأقدار معقولة من المرونة في تعاملها مع الرئيس ترمب خلال ما تبقى من فترة رئاسته التي ستنتهي في يناير/كانون الثاني 2029، رغم أنها لن تنسى ولن ينسى مرشدها الجديد ثأرهم معه، لكنه قطعا ثأر مؤجل لزمن آخر، فالبلاد لا تحتمل معارك جديدة لعدة سنوات قادمة.
لعل واحدة من أهم مكاسب إيران التي خرجت بها في مذكرة التفاهم هو اعتراف الولايات المتحدة بحلفائها في أول سطر من أول بند في المذكرة.
فالاتفاق- بحسب النص- هو بين الولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية الإسلامية الإيرانية، وحلفائهما في الحرب الحالية.
وإذا كانت إسرائيل فقط هي حليف الولايات المتحدة في الصراع الحالي والتي شاركت معها في بدء الحرب، فإن حلفاء إيران هم شركاؤها في محور المقاومة، أو ما اصطلح على تسميتهم بأذرعها الذين أسهموا بمستويات متعددة في مساندة إيران في هذه الحرب، وفي مقدمتهم حزب الله اللبناني.
إذن، فالمذكرة أو اتفاق التفاهم قد تعاملت مع حلفاء إيران كطرف حقيقي يشمله وقف العمليات العسكرية، بغض النظر عن قانونية هذه الأطراف، أو مشروعية أدوارها في بلدانها، لكن الواضح أن إيران- بحسب المذكرة- قادرة على إلزام حلفائها بما وقعت عليه.
وبينما كان الكثير من المراقبين ينتظرون أو يتوقعون نصوصا، صراحة أو تلميحا، تعالج موضوعي الصواريخ الباليستية والأذرع في المنطقة‘ إذ بالمذكرة تتجاهل الأول وتعترف بالثاني، أو على الأقل تتعامل معه كأمر واقع.
وربما انطلق هذا التجاهل من حيثية تتعلق بتراجع مستوى التهديد بعد ضرب معظم المنصات، وتضاؤل المخزون، وأيضا بدائية تقنية هذه الصواريخ، ونجاح دول المنطقة في التصدي لها، ومحدودية أضرارها.
بيد أن هذه الحيثية وإن صحت فقد كان على الولايات المتحدة أن يكون هذا الموضوع محل اهتمام ولا يغيب عن المذكرة لأن أكثر من 80% من صواريخ إيران توجهت نحو جيرانها في المنطقة من دول الخليج والأردن مما ضرب ليس فقط مبادئ الجيرة والأخوة الإسلامية، بل مستوى الثقة في إمكانية بناء الثقة والمصداقية مستقبلا، وقطعا ستعيد دول الخليج النظر في حجم ومستوى العلاقات مع إيران.
أما بالنسبة لحلفاء إيران في المنطقة فجميعهم ليسوا على علاقة وثيقة بأي دولة من دول المنطقة سوى العراق الذي سلمته الولايات المتحدة لإيران بعد انسحابها العسكري منه، وتتعامل معه بحالة ازدواجية فريدة من نوعها بهيمنتها على أموال العراق وحكوماته التي لا تتشكل إلا بالضوء الأخضر الإيراني.
أما حزب الله والحوثيون فتكتفي واشنطن بفرض العقوبات والتصنيف، وتدعهما وشأنهما لدول المنطقة، وهي بالفعل لا تستطيع بل وربما لا تريد منهما أكثر من وقف مشاغباتهما مع إسرائيل، ولا يعنيها كثيرا عودة الأمن والاستقرار وهيمنة سلطات الدولة في لبنان، واليمن، باعتباره ملفا متروكا لدول المنطقة، رغم تأثيراته السلبية على أمنها واستقرارها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك