ما الذي يجعل الرسوم المتحركة والأفلام الكرتونية تخطف انتباه الأطفال بهذه القوة؟ هل يكفي بريق الألوان وسرعة الحركة وتتابع المشاهد، أم أن المزيج بين المؤثرات البصرية والسمعية يخلق عالما يكفي للسيطرة على أسماعهم وأبصارهم؟رغم إمكان تقديم تفسيرات جمالية وإخراجية وفنية لهذه الظاهرة، فإن هذه المقاربة تنطلق من قراءة تحليلية نفسية يستند إليها الأخصائي النفسي الفلسطيني عماد نجم، انطلاقا من الأبعاد الثلاثة التي تحدث عنها جاك لاكان:list 1 of 4ليس سيئا دائما.
كيف تجعل وقت طفلك أمام الشاشات مفيدا؟list 2 of 4كيف تحول 90 دقيقة من كرة القدم إلى درس لا ينساه طفلك؟list 3 of 4طفلك يبالغ في النكات السخيفة؟
ما وراء هذه المرحلة قد يفاجئكlist 4 of 4هل يغير اللعب في الهواء الطلق مستقبل طفلك النفسي؟الخيالي: عالم الصور والتماهي والتشابه الذي يبني فيه الإنسان تصوره عن نفسه وعن الآخرين.
الرمزي: عالم اللغة والقوانين والثقافة والعادات والمجتمع، الذي يمنح الإنسان هويته الاجتماعية ويجعله ذاتا قادرة على التواصل.
الواقعي: ما يفلت من اللغة وما يعجز الرمزي عن تمثيله بالكامل، أي ما يحمل الطابع الصدمي الذي لا يمكن الإمساك به بالكلمات.
ثلاثة عوالم في عمل كرتوني واحدإذا نظرنا إلى الرسوم المتحركة من خلال هذه الأبعاد الثلاثة، بدا البعد الخيالي في المقدمة؛ إذ يمنح الطفل مساحة لبناء إدراكه لذاته عبر مقارنات مباشرة: مختلف ومشابه، قوي وضعيف، خير وشر.
ثنائيات مبسطة تمنح العالم وضوحا مريحا يخفف من تعقيده.
هذا البعد يرتبط بما يسميه لاكان" مرحلة المرآة"، حين يرى الطفل بين الشهر السادس والثامن عشر صورته في المرآة؛ فيرى صورة جسد كامل بحاسة بصر شبه مكتملة، بينما يشعر في الوقت نفسه بجسد غير مكتمل النمو.
يختار حينها التماهي مع الصورة الكاملة على أنها ما سيكونه لاحقا.
هنا يمكن فهم انجذاب الأطفال إلى الشخصيات الخارقة في الرسوم المتحركة، فهي تجسد صورة القوة المطلقة والسيطرة والكمال التي يتماهون معها، خاصة في المراحل الأولى التي يختبر فيها الطفل إحباطاته الأولى ويبدأ اكتشاف حدود قدرته وعجزه وضعفه.
بهذا المعنى، تحاكي مضامين الرسوم المتحركة رحلة الطفل في التعرف إلى نفسه والآخر، بطرق مبسطة.
يقول لاكان إن البعد الخيالي" أعمى عن الاختلاف الحقيقي"، يرى العالم إما نسخة مني فأحبه، أو مختلفا عني وعدوا فأرفضه.
الواقعي والرمزي.
الفقد والخوف والقانونفي البعد الواقعي، لا يقتصر الأمر على التحرر من القوانين الطبيعية داخل العالم الكرتوني (شخصيات تطير، تسقط ولا تموت.
)، بل يمتد إلى الاقتراب من موضوعات ثقيلة كالفقد والخوف والموت، لكن في صيغة تخييلية قابلة للتحمل.
مشهد موت" موفاسا" في فيلم" الأسد الملك" مثال واضح على ذلك؛ واقعي صادم، لكنه يقدم بصورة رمزية مروضة تسمح للطفل بالاقتراب من فكرة الموت دون الانهيار أمامها.
أما البعد الرمزي فتؤديه الرسوم المتحركة عبر الرسائل المتعلقة بالخطأ والصواب، والعادات والتقاليد والروابط الأسرية والمسؤولية.
الشخصيات الكرتونية لا تؤدي دورها فقط بما تنطق به، بل تتحول هي نفسها إلى رموز تساعد الطفل على فهم شيء من موقعه في العالم وعلاقته بالآخرين وصراعاته.
لكن هل تكفي هذه العناصر العامة لتفسير تعلق الأطفال بالرسوم والأفلام الكرتونية؟ هنا يصبح المثال المحدد أكثر إضاءة، ومن هذا الباب يمكن قراءة فيلم" الأسد الملك" (1994) أو" الملك سيمبا" في نسخته العربية.
" الأسد الملك".
حكاية سلطة وذنب وعودةيولد" سيمبا" ابنا للملك" موفاسا"، في طقس احتفالي يليق بوريث العرش.
سريعا تظهر أسئلة السلطة والمكانة: مكانة الأب، ومكانة الابن كوريث.
يتعرف سيمبا مبكرا إلى حدود المكان المسموح والممنوع؛ ينهاه موفاسا عن مغادرة" أرض العزة" بسبب الضباع، ويخبره بأنها ستكون تحت حكمه مستقبلا بعد رحيله.
يغني سيمبا: " ما قدرش أصبر لما أبقى ملك"، عبارة تلخص جانبا من رغبته في النمو والاستقلال وأخذ موقع الأب، مع تشجيع خبيث من عمه" سكار".
يدفعه الفضول إلى الذهاب مع صديقته" نالا" إلى" مقبرة الأفيال"، حيث يتعرضان لهجوم كاد يودي بحياتهما لولا تدخل موفاسا.
لاحقا يدبر" سكار" مؤامرة يستدرج فيها سيمبا إلى واد سحيق.
ينجح موفاسا في إنقاذ ابنه، لكنه حين يحاول تسلق الصخرة يغدر به سكار ويدفعه ليسقط ويموت.
ثم يتهم سكار سيمبا بأنه السبب في موت والده -رغم معرفته بالحقيقة- ويأمره بالهرب وألا يعود أبدا، قبل أن يرسل الضباع لقتله.
ينجو سيمبا، لكنه يفر إلى الصحراء مثقلا بالذنب.
هنا يمكن استحضار ما يطرحه سيغموند فرويد في" قلق في الحضارة" عن مصدر الشعور بالذنب وعلاقته بالسلطة الأبوية.
يميز فرويد بين سلطة خارجية (القانون الذي يمثله الأب) تدفع الطفل أحيانا إلى كبح دوافعه خوفا من العقاب وخسارة الحب والحماية، وما ينتج عن ذلك من مشاعر عدائية تجاه هذه السلطة.
لتجاوز هذا الوضع الصعب، يقوم الطفل بتذويت هذه السلطة داخله، فتتشكل" الأنا الأعلى" التي لا تعاقب فقط على الفعل، بل أيضا على الرغبة والفكرة والخيال، وتعيد توجيه العدوانية إلى الداخل.
من هذا المنظور يمكن فهم سؤال: لماذا صدق سيمبا اتهام سكار له بقتل أبيه؟ الشعور بالذنب هنا أعمق من مجرد اتهام خارجي، فهو يلامس رغبات متناقضة تتعلق بالمنافسة والرغبة في المكانة والحرية والاستقلال.
لذلك يبقى سيمبا مكبلا بالذنب رغم أنه لم يقتل والده فعليا.
" تذكر من أنت".
عودة الاسم والأب والموقعلا يظل سيمبا هاربا إلى الأبد.
بعد سنوات من العيش بعيدا عن" أرض العزة"، تطالبه" نالا" بالعودة لإنقاذ شعبه وعرشه اللذين دمّرهما حكم سكار.
يرفض في البداية، خوفا من مواجهة ماضيه وذنب يطارده.
هنا يتدخل" رافيكي" القرد الحكيم، ويقود سيمبا إلى مواجهة رمزية مع صورة الأب.
في المشهد الشهير الذي يظهر فيه طيف موفاسا بين الغيوم، يسمع سيمبا العبارة المفتاحية: " تذكر من أنت".
ليست هذه الدعوة مجرد استعادة للشجاعة، بل استعادة لوصل الذات بالموقع الرمزي الذي تصدع بعد الصدمة.
يمكن قراءة اللحظة بوصفها عودة" اسم الأب" كوظيفة رمزية، لا مجرد حنين إلى الأب الغائب.
المشكلة لم تكن فقط في فقدان موفاسا، بل في اضطراب علاقة سيمبا بالموقع الذي ارتبط عنده بالرغبة والسلطة والمسؤولية، وانسحابه من مواجهة ما يتيحه له هذا الموقع وما يفرضه عليه في آن واحد.
عندما يعود سيمبا إلى" أرض العزة" لمواجهة سكار، لا تكون المواجهة صراعا على السلطة فحسب، بل مواجهة مع الذنب والخوف والصورة التي حملها عن نفسه باعتباره" قاتل أبيه".
في ذروة المواجهة يكشف سكار الحقيقة: هو من قتل موفاسا.
هذا الاعتراف يشكل لحظة تحرر من الذنب القديم، لكنه لا يمحو أثر التجربة؛ بل يعيد تنظيم تموضع سيمبا إزاء فقدان الأب، وعلاقته برغبته ومسؤوليته ومكانه داخل الجماعة، ويسمح بإعادة توجيه العدوانية التي كانت مرتدة نحو ذاته، لتأخذ وجهتها الحقيقية إلى سكار بوصفه المسؤول عن الجريمة.
هنا يمكن فهم النهاية السعيدة للفيلم بوصفها أيضا إعادة ترميم للذات بعد تصدعها، لا مجرد انتصار تقليدي للخير على الشر.
لماذا تعلق الأطفال بـ" الأسد الملك" وبالرسوم المتحركة؟ما يجذب الأطفال إلى هذا الفيلم ليس فقط الأغاني والرسوم الجميلة، بل كونه يحاكي بصورة رمزية وتخييلية صراعات ومضامين من عالمهم النفسي: الخوف من فقدان الحب، التوتر تجاه السلطة، الرغبة في القوة والاستقلال، ومشاعر الذنب.
هذه ليست أفكارا واضحة في وعي الطفل، لكنها تعثر على وسيط لها عبر التماهي مع الشخصيات والقصص.
بهذا المعنى، لا تكون مشاهدة الرسوم المتحركة مجرد تسلية عابرة، بل مساحة يلتقي فيها الخيال بالرغبة، والخوف بالمتعة، والذات بصورها الممكنة.
تتحول الشخصيات والقصص إلى وسيط رمزي يسمح للأطفال بملامسة صراعاتهم ومشاعرهم بطريقة غير مباشرة وأكثر قابلية للاحتمال، وربما لهذا تبقى بعض الأفلام الكرتونية، مثل" الأسد الملك"، حاضرة في وجدانهم حتى بعد أن يكبروا.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك