اختُتِمت الأربعاء الماضي أعمالُ قمّة مجموعة السبع الكبار، والتي انعقدت في مدينة إيفيان لي بان الفرنسية، واستمرّت على مدى ثلاثة أيّامٍ، وذلك بحفل عشاءٍ أقامه الرئيس الفرنسيّ إيمانويل ماكرون في قصر فرساي غرب وسط العاصمة باريس.
لا يسمح المُسَطَّح المتاح للكتابة إلّا بتساؤلاتٍ محدودة في مقابل حدثٍ عالميّ جمع أكبر سبع دول ديمقراطية في العالم، عطفًا على أنّ ناتجها المحليّ الإجمالي يبلغ نحو 51.
5 تريليون دولار، وهو ما يمثّل قرابة 30 إلى 40% من إجمالي الاقتصاد العالميّ.
الرئيس الفرنسي ماكرون، وقبل القمّة صَرَّح بأنّه يريد استخدام رئاسة بلاده لمجموعة السبع بهدف إعادة إحياء" الروح الأصيلة" لهذا الكيان، وجعله منتدى لحوارٍ القوى الكبرى، وبهدف معالجة التحدّيات المعاصرة.
تناولت القمّةُ العديدَ من القضايا المثيرة والخطيرة، مثل حلّ الأزمات الجيوسياسيّة الكبرى، وفي مقدّمتها الحرب الأوكرانيّة، وأسباب اختلالات الاقتصاد العالميّ، وتشكيل شراكاتٍ عالميّة أكثر عدلًا وفعالِيّةً، بالإضافة إلى الكثير من العناوين التقليدية من عَيِّنة مكافحة الجريمة والتطَرُّف، وتطوير أدوات رقميّة موثوقة وغيرها من القواسم المشتركة التاريخيّة بين الديمقراطِيّات العريقة.
غير أنَّ التساؤل الذي طرح نفسه بين يدَيْ أعمال القِمّة كان: " ما هو مستقبل هذا التجمّع، والذي ظلَّ رمزًا للقوى الغربيّة الموحّدة والفاعلة، سِيَّما أنّ جميعها، باستثناء اليابان، أعضاء في حلف شمال الأطلسيّ؟ "الجواب، ولا شَكَّ، كان موصولًا بشكل أساسيّ بالرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظرته للشراكة الأميركيّة في تلك المجموعة، وهل ينتوي تعزيز حضور بلاده، أم أنّ قراره الأخير بتقليص عدد الطائرات والسفن الحربيّة المخصَّصة لحلف الناتو في أوروبا، يعكس نواياه وتوجُّهاته، وهو الرجل الذي لا يحب هذه الاجتماعات متعدِّدة الأطراف، لكنّه لا يحتمل أن تلتقي مجموعة من قادة العالم من غير أن يكون حاضرًا؟ليس سرًّا أنَّ سيّد البيت الأبيض قد شعر بطعنة كبرى من دول الناتو، والتي اعتبر أنّها تخَلَّت عنه في مواجهته العسكريّة مع إيران، وعليه لا يتوقَّع أحدٌ أن يبدو صديقًا إلى النهاية لبقيّة المجموعة، وإن كانت هناك حساباتٌ أخرى، ربّما تجعله يتجاوز عن تقصير الحلفاء، وفتح صفحة جديدة، تستدعيها احتياجات براغماتيّة.
من بين تلك الحسابات مسألة الوزن النسبيّ لمجموعة السبع، والتي بسطت أجنحةً نفوذها طوال ثمانينات وتسعينات القرن العشرين، ككتلةٍ وازنة، تحتكر إدارة النظام العالميّ.
لكنّ نظرةً معمّقة لأوضاع التحَوُّلات الجيوسياسيّة، تظهر لنا معطيات مغايرة، وعلى رأسها انتقال جزئيّ، إن جاز التعبير، للقوة الاقتصاديّة الأمميّة نحو آسيا والاقتصادات الناشئة، كما أنّه لم تَعُدْ مجموعة السبع هي الفاعل الرئيس على الخارطة العالمية، ذلك أن مجموعة العشرين على سبيل المثال، باتت ربَّما أكثر تمثيلًا للنظام العالميِّ الذي يتخَلَّق في رَحِم الأحداث.
هنا يبدو التساؤل هل أميركا يمكن أن تضحى عظيمة مرة أخرى، حال حدوث ما يمكننا تسميته بالقطيعة الإستراتيجيّة بينها وبين شركاء أوروبّيّين تاريخِيّين؟الحقيقة، كان الجميع يتوقَّع حدوث نوعٍ من المواجهة بين الرئيس ترمب، وبقِيَّة رؤساء دول السبع، لكن بدا واضحًا أنّ قُرْب التوصل إلى اتّفاق بين واشنطن وطهران، ووضع حَدّ للمواجهات المسلَّحة التي انطلقت نهار الثامن والعشرين من فبراير/ شباط الماضي، قد وَفَّرَ للرئيس ترمب نوعًا من الراحة النفسِيّة، الأمر الذي انعكس على طريقة تعامُلِه مع قادة الدول والضيوف، وبان واضحًا في لغة جسده، وفي تصريحاته المختلفة، واكتملت البهجة إن جاز التعبير بالتوقيع على التفاهم الأميركيّ–الإيرانيّ الأولى في قصر فرساي، وهو مشهدٌ لا يخلو من الدلالات التاريخِيّة.
من النقاط اللافتة في هذه القِمّة دعوةُ الرئيس ماكرون لعددٍ من الدول التي يمكن وصفها بالفعل بالمتوسّطة القوى، لتفعيل حضورها وتعزيز وجودها على الساحة العالمِيّة، لمواجهة التحَوُّل وبناء عالم أكثر تعاونًا ومرونة.
هذه القوى تسعى حثيثًا، ومن غير أدنى رغبة في الصراع مع السبع الكبار، في بلورة تجَمُّعات ذات بُعْد اقتصاديٍّ اليوم، ورُبّما سياسيّ أو عسكريّ في الغد، كما الحال مع مجموعة البريكس، والتي تضمّ روسيا والصين والهند، البرازيل وجنوب إفريقيا، سعيًا لتحقيق توازن في علاقاتها الدوليّة.
لَبَّتْ بالفعل مجموعةٌ من تلك الدول هذه الدعوةَ، ووجدت ترحيبًا كبيرًا من الرئيس ماكرون المضيف، وأضفت أهمّيّةً كبرى على الحوارات التي دارت وبخاصّة تلك الموصولة بمنطقتَيْ الخليج العربيّ والشرق الأوسط عطفًا على العلاقات الأورومتوسطِيَّة.
بَدَتْ دعوات ماكرون في هذا الإطار مُتَّسِقةً مع مناداة رئيس الوزراء الكنديّ مارك كارني في مُنتدى دافوس في يناير/ كانون الثاني الماضي، حين شَدَّدَ على أنّه في عالمٍ تتنافس فيه القُوى العظمى أمام الدول المتوسّطة، لا بُدَّ من صحوةٍ لتلك القوى لتكون حاضرةً على مائدة الحوار للنقاش والشراكة، وإلّا فإنّها ستكون ضمن قائمة الطعام.
والشاهد أنه على غير المتوقَّع، حملت هذه القمّةُ انفراجةً ما في العلاقات بين جانبَيْ الأطلسيّ، وهو ما أشار إليه الرئيس ماكرون في كلمته الختامِيَّة، حيث اعتبر أنّها" لحظة وحدة ومناقشات مثمرة وتعاون حقيقي بين القادة الذين اجتمعوا هنا، وذلك بعد أشهر من التباينات".
هل لاحظ المجتمعون التغَيُّر الذي أشرنا إليه في سلوك الرئيس ترمب؟ماكرون نفسه أشاد بما أسماه التغَيُّر الجوهريّ في النهج الأميركيّ تجاه أوكرانيا، ولفت إلى أنَّ سيِّد البيت الأبيض أدرك أنّ الرئيس الروسِيّ فلاديمير بوتين غير مكترث بالسلام.
zأمّا ترمب، فقد قال للصحافِيّين في ختام الاجتماع: " لقد وجدنا قدرًا كبيرًا من الوحدة هنا في قِمّة مجموعة السبع"، مضيفًا" أنه لم يسمع سوى تعليقات إيجابيّة من قادة المجموعة، الذين يتطَلَّعون بشغفٍ إلى انخفاض أسعار النفط العالميّة في أعقاب الأعمال العدائيّة، ومكملًا: " لم يكن من الممكن أن ياتي هذا الاجتماع في وقت أفضل".
قمّة السبع ربّما باتت منحنى مثيرًا وأيضًا خطيرًا في مسار ومصير الأزمة الروسيّة الأوكرانيّة.
وهناك علامة تساؤل مخيفة حول ما جرى نهار الخميس الماضي، من هجومات غير اعتياديّةٍ، من الجانب الأوكرانيّ على العاصمة الروسِيّة موسكو، فيما اعتبر أعنف هجمات جرت بها المقادير ربّما منذ بداية الحرب.
هنا التساؤل المثير للهلع: " هل سيعتبر القيصر بوتين تلك الهجمات من تدبير مجموعة السبع وتشجيعها، وإذا وقر مثل هذا اليقين في عقله، ترى ما هو مدى رَدَّات الفعل المُتوقَّعة، وإن كان الجميع يدرك أنّ بوتين قد تَلَقَّى صفعةً قويّةً على الوجه، وكيف للمجموعة نفسها، وربّما بقيّة دول الناتو في القطاع الأوروبيّ أن تمضي حالَ تأَزُّمِ المَشْهد.
من بين المشاهد اللافتة للنظر في القِمَّة، وربّما الأكثر أهمّيّة فيما يتعَلَّق بمستقبل العالم معرفيًّا وتقنيًّا، تداعي الأوليجارشِيّة التقنيّة إلى إيفيان، حيث شارك كبار المسؤولين التنفيذيّين في شركات الأتمتة والذكاء الصناعيّ في الحوارات الرسميّة والماورائيّة، وبخاصّةٍ في زمن يشهد إيقاعًا سريعًا جدًّا للأحداث، سيما في ظلِّ أول تريلونير في تاريخ البشريّة، وعودة حلم الرجل بزرع الشرائح الدماغيّة والوصول إلى إنسان السيابورغ من جديد، كما أعلن عن ذلك مؤخّرًا الفتى المعجزة إيلون ماسك منذ وقتٍ قريب.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك