يشهد العالم اليوم تحوُّلًا عميقًا في فلسفة الحماية الاجتماعيَّة؛ فبعد أن كانت تُنظر إليها بوصفها نظامًا للتعويض عن مخاطر الشيخوخة أو العجز أو الوفاة، أصبحت تُعَدُّ أحد المؤشرات الأساسيَّة على طبيعة الدولة الحديثة ومدى قدرتها على تحقيق العدالة الاجتماعيَّة وصون الكرامة الإنسانيَّة.
ولم يَعُد السؤال المطروح هو ما إذا كانت الدولة توفِّر نظامًا للحماية الاجتماعيَّة؟ بل أصبح السؤال الأكثر أهميَّة: هل تنجح هذه المنظومة في تحقيق تكامل حقيقي بين مختلف فئات العاملين، بحيث يحصل الأشخاص المتشابهون في أوضاعهم المهنيَّة على حماية متقاربة بصرف النظر عن القطاع الذي يعملون فيه؟وفي سلطنة عُمان، فقد مثَّل صدور قانون الحماية الاجتماعيَّة رقم (52/2023)، وإنشاء صندوق الحماية الاجتماعيَّة، تحوُّلًا تشريعيًّا مهمًّا، ليس فقط لأنَّه أعاد تنظيم فروع التأمين الاجتماعي، بل لأنَّه دشَّن مرحلة جديدة تقوم على توحيد المرجعيَّة المؤسَّسيَّة للحماية الاجتماعيَّة بعد عقود من التعدد القطاعي.
وقد استُقبل هذا التحوُّل بوصفه إنجازًا تشريعيًّا وإداريًّا كبيرًا، وهو توصيف صحيح إلى حدٍّ بعيد، غير أن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل يكفي توحيد الصندوق لتحقيق التكامل التشريعي الكامل؟ وهل وحدة المرجعيَّة المؤسَّسيَّة تعني بالضرورة تحقيق العدالة في المكاسب التقاعديَّة؟قد يبدو السؤال للوهلة الأولى اقتصاديًّا وربما قانونيًّا صرفًا، لكنه في حقيقته يمسُّ حياة عدد كبير من العاملين الذين قد ينتقلون خلال حياتهم المهنيَّة بين القطاع العام والقطاع الخاص، أو تتغير طبيعة علاقتهم بالعمل، أو يخضعون لقواعد مختلفة في احتساب اشتراكاتهم وحقوقهم التقاعديَّة.
فنجاح منظومة الحماية الاجتماعيَّة لا يُقاس بعدد المؤسَّسات أو بمدى مركزيَّة الإدارة فحسب، وإنما يُقاس بقدرتها على إنتاج نتائج عادلة ومتقاربة للمراكز المهنيَّة المتشابهة.
وهنا يبرز الفرق بين نوعين من التكامل: الأول هو التكامل المؤسَّسي: ويعني وجود جهة واحدة تشرف على إدارة الاشتراكات والمنافع، وتنظيم العلاقة بين مختلف الفروع.
أمَّا الثاني فهو التكامل الموضوعي: ويعني تقارب القواعد التي تُحتسب على أساسها الحقوق، بحيث لا يؤدي اختلاف القطاع أو طبيعة الوظيفة إلى تفاوت غير مبرر في النتيجة النهائيَّة للاستحقاق.
وقد نجحت عُمان بوضوح في تحقيق النوع الأول؛ فالصناديق التقاعديَّة أصبحت تعمل ضمن إطار مؤسَّسي موحَّد، وأصبحت هناك مرجعيَّة مركزيَّة تدير منظومة الحماية الاجتماعيَّة، كما خضعت البرامج التكميليَّة والادخاريَّة لإشراف أكثر تنظيمًا، غير أن النجاح المؤسَّسي ـ رغم أهميَّته ـ لا يجيب وحده عن السؤال المتعلق بمدى تقارب النتائج التي يحصل عليها العاملون في قطاعات مختلفة:فإذا عمل شخصان المدَّة نفسها وتقاضيا دخلًا متقاربًا، لكن أحدهما أمضى حياته المهنيَّة في القطاع العام، بينما تنقل الآخر بين القطاعين العام والخاص، فهل ينتهي الأمر بهما إلى مستوى متقارب من الحماية والمعاش؟ وهل تؤدي اختلافات عناصر الأجر أو طريقة احتساب مدَّة الخدمة إلى فروق جوهريَّة في الاستحقاق النهائي؟ هنا تحديدًا يبدأ الاختبار الحقيقي للتكامل.
والواقع أن هذه الأسئلة ليست خاصَّة بالتجربة العُمانيَّة وحدها، فقد واجهتها دول عديدة بطرائق مختلفة؛ ففي ألمانيا لا يزال هناك تمييز واضح بين نظام العاملين ونظام موظفي الدولة، إلَّا أن المشرِّع الألماني وضع آليَّات دقيقة لتحويل الحقوق التأمينيَّة عند الانتقال بين الأنظمة، بحيث لا تضيع قيمة الخدمة السابقة ولا يتحول الانتقال المهني إلى مصدر للغبن أو التفاوت.
أمَّا السويد، فقد اختارت طريقًا مختلفًا؛ إذ بَنَتْ نظامًا يقوم على حساب فردي موحَّد تُسجّل فيه جميع الاشتراكات بِغَضِّ النظر عن القطاع، بحيث يصبح الاختلاف المهني أقل تأثيرًا في النتيجة النهائيَّة للاستحقاق.
ولا يقتصر نجاح التكامل على النُّظم الموحَّدة أو شِبه الموحَّدة؛ إذ تُظهر التجربة الكنديَّة أن التعدد التشريعي وتوزع الاختصاصات بين الحكومة الفيدراليَّة والمقاطعات لا يحول دون تحقيق درجة معتبرة من التكامل، متى اقترن ذلك بآليَّات تنسيق فعَّالة وقواعد واضحة لاستمراريَّة الحقوق.
ففي كندا، تحتفظ مقاطعة (كيبيك) بنظام تقاعد مستقل عن برنامج المعاشات الكندي العام، ومع ذلك لم يؤدِّ هذا التعدد إلى انقطاع الحماية أو ضياع القيمة التأمينيَّة، بل أُنشئت ترتيبات تسمح بأخذ الاشتراكات المدفوعة في النظامين معًا في الاعتبار عند تحديد الاستحقاق وحساب المنافع، ويؤكد ذلك أن جوهر التكامل لا يكمن بالضرورة في وحدة البناء المؤسَّسي، وإنما في قدرة النظام القانوني على ضمان استمراريَّة الحقوق وتقارب آثارها القانونيَّة رغم تعدد الجهات أو مستويات الاختصاص.
ومن هنا، فإن التحدي الحقيقي الذي يواجه أي منظومة للحماية الاجتماعيَّة لا يتمثل في دمج المؤسَّسات فحسب، وإنما في بناء ما يمكن تسميته بـ«وحدة الأثر التأميني»، أي أن تؤدي المسارات المهنيَّة المتشابهة إلى نتائج متقاربة من حيث قيمة الحماية وأثرها، بصرف النظر عن القطاع الذي تمَّت فيه الخدمة أو تاريخ الانتقال بين الأنظمة.
ختامًا: فمن الإنصاف القول إن سلطنة عُمان قد قطعت شوطًا مهمًّا في هذا الاتجاه، وأرسَتْ أساسًا مؤسَّسيًّا متينًا لمنظومة أكثر شمولًا وتنظيمًا، غير أن استكمال هذا المشروع يقتضي مواصلة العمل على توحيد أو تقريب المعايير المؤثرة في احتساب الحقوق، وتطوير قواعد ضم مدد الخدمة، ومراجعة آثار الفترات الانتقاليَّة، وتعزيز وحدة التفسير والتطبيق بين الجهات المختلفة.
فالحماية الاجتماعيَّة ليست مجرد صندوق أو مجموعة من الاشتراكات والمنافع، وإنما هي تعبير عن رؤية الدولة للعدالة، وكلما اقتربت النتائج التي يحصل عليها المواطنون من بعضها بعضًا رغم اختلاف مساراتهم المهنيَّة، اقتربت المنظومة من تحقيق غايتها الأسمى: بناء الثقة في القانون، وترسيخ الشعور بأن العدالة الاجتماعيَّة ليست وعدًا تشريعيًّا فحسب، بل واقعًا يلمسه الناس في حياتهم اليوميَّة.
د.
محمد خير محمود العدوانأستاذ القانون المدني المشارككلية الحقوق ـ جامعة السلطان قابوس.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك