رغم التقدُّم الصناعي والتطورات التكنولوجيَّة الهائلة، لم تتمكن البشريَّة بعد من التخلِّي عن الحاجة إلى النفط ومشتقاته لتحقيق أمن الطاقة، التي تعتمد عليه بشكل كبير لتشغيل محطَّاتها الكهربائيَّة ومصانعها (أمن الغذاء والدواء)، وتسيير المَركبات والطائرات (النقل والحركة)، وغيرها ممَّا لا يمكن أن تستمر الحياة بشكل طبيعي دونه.
وقد أثبتت الأزمات السياسيَّة والأمنيَّة والكوارث الطبيعيَّة أن الجغرافيا السياسيَّة لا تزال تتحكم بشكل كبير في السياسة والاقتصاد، وأن الدول التي تملك النفط ـ وإن كانت نامية أو صغيرة أو حتى متناهية الصغر ـ قادرة على التأثير بشكل كبير في استقرار الدول الكبرى أو الصناعيَّة، كما هو حال الدول الأوروبيَّة، وهذا ما حدَث ويحدث أثناء الأزمات السياسيَّة والعسكريَّة، كما هو الحال في الصراع الدائر بين روسيا وأوكرانيا وإيران وأميركا.
ولنتصور أن يستمر صراع ما لمدَّة طويلة تتوقف بسببه، على سبيل المثال، سلاسل الإمداد، خصوصًا المشتقات النفطيَّة التي تُستخدم لوقود الطائرات والمَركبات.
لنتصور أن تتوقف الكهرباء في أوروبا بسبب النقص في الوقود، ممَّا يؤثر على محطَّات الطاقة.
ماذا سيحدث للعالم الذي لا يزال يعتمد على النفط ومشتقاته، ويعتمد بشكل كبير على الدول النفطيَّة، وعلى رأسها المخزون الأكبر في العالم: الشرق الأوسط؟وقد أثبتت الحرب الراهنة بين الولايات المتحدة الأميركيَّة والجمهوريَّة الإسلاميَّة الإيرانيَّة، تحديدًا، أن المُشْكلة الرئيسة للأمن العالمي (أمن الطاقة) لا تقتصر فقط على توفير النفط ومشتقاته من مصادره الطبيعيَّة؛ فحتى في ظل وجود هذا المصدر، فإنه يكون في وضع غير قابل للاستهلاك إذا توقفت سلاسل الإمداد وحركة الطاقة البينيَّة بسبب اضطراب حركة الملاحة البحريَّة (عرقلة وصول ناقلات النفط عبر الممرَّات المائيَّة).
ويقيس مؤشر مخاطر أمن الطاقة والمناخ (ECSRI)، الذي طوَّره مركز دراسات الديمقراطيَّة (CSD)، أمن الطاقة عبر أربع ركائز أساسيَّة: الجغرافيا السياسيَّة، والقدرة على تحمُّل التكاليف، والموثوقيَّة، والاستدامة.
وعلى ما يبدو، فإن هذه الركائز الأربع جميعها تتأثر بشكل رئيسٍ ومباشر عند حدوث الأزمات والصراعات السياسيَّة والأمنيَّة، خصوصًا بسبب توقف سلاسل الإمداد، حيث ترتفع التكاليف بشكل مضاعف للغاية.
يُضاف إلى ما سبق أن تحولًا خطيرًا وواقعًا غير مسبوق تتم إعادة بنائه في هذا السياق، وإن استمر على ما هو عليه، فإن الجغرافيا السياسيَّة ستتحول إلى المركزيَّة النفطيَّة كبديل للمركزيَّة السياسيَّة؛ حيث يُلاحظ أن القوى الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركيَّة، تسعى للسيطرة على مصادر النفط العالمي، وتوجيه حركة الاستيراد والتصدير المتعلقة بأمن الطاقة من خلال الولايات المتحدة الأميركيَّة والصين.
لعلَّ الواقع الأوروبي الراهن أكبر مثال حقيقي على ما سبق ذكره؛ حيث «يحصل الاتحاد الأوروبي الآن على معظم احتياجاته من الغاز الطبيعي المسال من الولايات المتحدة، ممَّا يجعله عرضة للخطر في المفاوضات المستقبليَّة مع واشنطن بشأن التجارة أو غيرها من المسائل.
إضافةً إلى ذلك، أدَّى التوسُّع السريع في أوروبا للبنية الأساسيَّة للطاقة الشمسيَّة وطاقة الرياح والبطاريَّات إلى زيادة اعتماد أوروبا على سلاسل التوريد الصينيَّة».
وهنا نتحدث عن تأثير الاقتصاد في السياسة بشكل كبير ومباشر، مستفيدًا من الأسباب السياسيَّة العابرة للحدود الوطنيَّة.
باختصار، العالم مقبل على تحوُّلات عميقة للغاية في جانب الأمن القومي للدول، خصوصًا في جانب العقائد العسكريَّة والأمنيَّة التي سيكون أمن الطاقة من أبرز موجِّهاتها الاستراتيجيَّة.
ولعلَّ قدرة الدول على تحمُّل تكاليف ذلك ستكون العقبة الكبرى.
كما ستتأثر بهذا التحوُّل الخطير، وبشكل كبير للغاية، الدول الأوروبيَّة تحديدًا، بالإضافة إلى الدول النفطيَّة في الشرق الأوسط، والتي ـ من وجهة نظري ـ ستتعرض لأكبر موجة ضغط سياسي عبر التاريخ بين دول ستتنازع مصادر الطاقة التي تمتلكها، سواء كان ذلك بالطُّرق السلميَّة أو العسكريَّة.
باحث في الشؤون السياسية والعلاقات الدوليةرئيس تحرير مجلة السياسي – المعهد العربي للبحوث والدراسات الاستراتيجية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك